حراك احتجاجي مصري ضد القمع - أرشيفية
جانب من احتجاج صحافيين مصريين ضد القمع وانتهاك الحريات الاعلامية

تتعرّض مصر لإنتقادات واسعة تتناول سجلّها في مجال حقوق الإنسان خصوصاً من وزارة الخارجية الأميركية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية، حيث يُصدر الطرفان تقارير سنوية تتضمّن شرحا تفصيليا عما يحدث في مصر مثل: القيود غير المعقولة المفروضة على المشاركة بالحياة السياسية والعقوبات المشدّدة على المطالبين بحرية التعبير أو الحق في التجمّع السلمي، واعتقال الآلاف من المدافعين عن حقوق الإنسان والصحفيين والطلاب والسياسيين وأصحاب الأعمال التجارية والمتظاهرين السلميين بصورة تعسفيّة وإدراج بعضهم على قوائم الإرهاب. 

طبعاً بالإضافة إلى تعرّض الكثيرين منهم للتعذيب المُمنهج والعقوبات القاسية والمُهينة مثل الضرب والصدمات الكهربائية والإيذاء النفسي والاعتداء الجنسي والحبس الانفرادي المُطوّل، وكذلك القيود المفروضة على وسائل الإعلام والتي تتضمّن اعتقال ومقاضاة صحفيين وحجب الكثير من المواقع وفرض قيود على حرية الإنترنت، وفرض قيود شديدة على تنظيم أو تمويل أو إنشاء منظمات مجتمع مدني غير تابعة للحكومة، وحظر سفر كثير من النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، وتدوير الموقوفين احتياطياً في قضايا حرية التعبير إلى أجل غير مُسمّى مع توجيه تهم خطيرة لبعضهم مثل الإنضمام إلى جماعة محظورة أو تهديد أمن الدولة ودون إعطائهم إمكانية الطعن بقانونية الاعتقال. 

كما تحدّثت التقارير عن تقاعس الحكومة عن معاقبة أو مقاضاة المسؤولين الذين ارتكبوا انتهاكات ممّا أدى إلى خلق بيئة من الإفلات من العقاب، كذلك تحدّثت بعض التقارير عن اكتظاظ السجون في مصر ونقص إمكانية الوصول إلى الرعاية الطبية وسوء حالة الصرف الصحي ووجود مشاكل في الطعام والتهوية ومياه الشرب ممّا يشكّل تهديداً للحياة، كما ذكرت شهادات من أهالي بعض السجناء المتوفّين أن سلطات السجن حرمت هؤلاء السجناء من الحصول على الرعاية الطبية أو النقل إلى المشفى ممّا أدّى لوفاتهم، بالإضافة إلى اعتماد كثير من السجناء على الزوار الخارجيين للحصول على الطعام وغيره من الحاجات. 

وقبل أكثر من عام تمّ الإعلان في مصر عن الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لكن دون تفاصيل كافية حولها أو جداول زمنية لتحقيقها، ولذلك استمرّت القيود المفروضة على حرية التعبير وتكوين الجمعيات دون تغيير، مما دفع منظمة العفو الدولية للتصريح: أن السلطات المصرية لم تُبد نيّة صادقة في الاعتراف بأزمة حقوق الإنسان المتجذّرة التي تعيشها البلاد ولم تحاول معالجتها إذ رغم مرور سنة على إطلاق الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان مازالت الحكومة تُضيّق الخناق على الحريات، وقالت رئيسة هذه المنظمة، "لقد وضعت السلطات المصرية الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان لتكون ساتراً برّاقاً لانتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها من دون رادع مُعتقدة أنه يمكنها خداع العالم"، وطالبت المجتمع الدولي بأن يُمارس الضغوط على السلطات المصرية لاتخاذ إجراءات ملموسة لإنهاء هذه الانتهاكات. 

وقدّمت المنظمة تقريراً في شهر سبتمبر الماضي قالت فيه إن الحكومة ترسم صورة مضلّلة، وتحاول تبرير أزمة حقوق الإنسان في مصر بوجود تهديدات أمنية وتحديات اقتصادية مترافقة مع ضعف وعي المواطنين، ورُغم أن المنظمة ترحّب ببعض بنود الاستراتيجية ولكن النتائج لم تقترب من معالجة أزمة حقوق الإنسان، وتابعت بأن التحسّن الحقيقي لحقوق الإنسان في مصر يبدأ بإطلاق سراح آلاف المُحتجزين تعسفيّاً وإغلاق جميع التحقيقات الجنائية ذات الأهداف السياسية والتحقيق في انتهاكات حقوق الإنسان التي ترتكبها أجهزة الأمن، وقبل أيام معدودة قالت منظمة العفو الدولية في بيان آخر أنه رغم الضجّة الإعلامية التي رافقت إفتتاح مُجمّع سجون "بدر" العام الماضي ولكن ظروف الاعتقال القاسية هي نفسها لأن السُجناء يواجهون الانتهاكات التي كانت سائدة في السجون القديمة ومنها عدم الحصول على الغذاء بشكل مقبول أو على الملابس أو الرعاية الطبية المناسبة. 
 
وفي نفس الوقت قالت الخارجية الأميركية: رغم أن مصر شريك استراتيجي لكن لدينا قلق عميق بشأن قضايا حقوق الإنسان فيها لأن الاعتقالات السياسية مازالت تشكّل تحدّياً هائلاً، وصحيح أن القاهرة أطلقت سراح مئات من المعتقلين ولكنها في نفس الفترة اعتقلت آخرين لذلك حجبت إدارة بايدن 130 مليون دولار من المساعدات، وهناك ضغوط من كبار المشرّعين لحجب المزيد، مثل رئيس لجنة المُخصّصات في مجلس الشيوخ الذي قال، "من المهم ألا تسمح الإدارات الأميركية للمصالح السياسية بتجاوز الاهتمام الذي يوليه الكونغرس لسجل مصر السيء في حقوق الإنسان لأن وضع السجناء السياسيين في مصر مؤسف". 

ترافقت نظرة المنظمات الدولية والولايات المتحدة السلبية لوضع حقوق الإنسان في مصر مع أسوأ أزمة اقتصادية يشهدها هذا البلد حتى أصبح بحاجة ماسّة لقروض دولية تُساعده على تجاوز هذه الأزمة، مما يجعل إصرار أطراف في الحكومة المصرية على الاستمرار في سياساتها القمعية السابقة غير مفهوم ويُلحق ضرراً بالاقتصاد المصري لأنه يقلّل من احتمال الحصول على قروض من المؤسسات الدولية كما يمنع دخول استثمارات خارجية إلى مصر ويُعيق انتعاش السياحة. 

ويبرّر المدافعون عن استمرار مُمارسات الأجهزة الأمنية بدون تغيير بما فيها من انتهاكات لحقوق الإنسان موقفهم بعدّة طرق، أولها التشكيك في مصداقية التقارير الدولية والادّعاء بأن تنظيم الإخوان المسلمين يقف وراءها لتشويه سمعة الحكم المصري، مع أن تصوّر وجود نفوذ لتنظيم الإخوان المسلمين على الحكومات الغربية أو على المنظمات الدولية من الصعب تصديقه، كما أن المنظمات الحقوقية المحليّة وأهالي آلاف المعتقلين المصريين يؤكّدون على صحّة كل ما ورد في هذه التقارير. 

كما يقومون بالترويج إلى أن الغرب لا يستطيع الاستغناء عن مصر مهما ارتكبت من تجاوزات لأهميتها الاستراتيجية خصوصاً بعد اشتداد الصراع مع روسيا وحاجة أوروبا الماسّة للغاز، مع أن العالم شاهد كيف استغنى الغرب عن الغاز الروسي رغم أهميته الاستراتيجية التي تفوق بأضعاف غاز شرق المتوسط، بل يقترح بعض أصحاب الرؤوس الحامية على الحكومة المصرية تهديد الغرب بأن استمرار الضغط عليها قد يدفعها للتحالف مع المعسكر الآخر، مع أن الحرب على أوكرانيا قد أثبتت أن معسكر الديكتاتوريات الروسي-الصيني ليس قوياً كما كان يعتقد كثيرون في الشارع المصري. 

ولعلّ أهم تبرير يُقدّمه أنصار استمرار نهج القمع هو أن فتح المجال أمام أبسط هامش من حريّة التعبير وانتقاد نظام الحكم قد يتّسع ويهدّد الاستقرار، ومن المُمكن تفنيد هذا الادّعاء عبر مثالين، الأول هو الناشط الحقوقي علاء عبد الفتاح الذي قضى أغلب فترة حكم الرئيس السيسي في السجن حتى أصبح أحد أشهر السجناء السياسيين في العالم، ويتم استخدام قصته دولياً كدليل على الطبيعة الاستبدادية للنظام في مصر، والذي يُصر الأمن على اعتقاله وجعله عبرة لكل من يفكّر بمعارضة الحكم. 

والمثال الآخر هو النائب السابق أحمد طنطاوي الذي خرج من مصر وأجرى مقابلات مع عدة قنوات إعلامية كان آخرها مع قناة الحرة وعبّر خلالها عن معارضته التامّة لنظام الحكم في مصر وطالب بإيجاد بديل وطني ديمقراطي يُرضي الشعب، وشاهد الجميع كيف أن هذه المقابلات لم تهدّد استقرار النظام المصري. 

أي أن الحقيقة أن استمرار اعتقال علاء عبد الفتاح وغيره من النشطاء والسياسيين ظلماً لسنوات طويلة هو الذي يُشكّل تهديداً لاستقرار الأوضاع في مصر، ليس فقط لأنه يسيء لسمعة النظام المصري داخلياً ودولياً بل الأهم من ذلك أن الظلم والقهر وغياب العدالة ينشر مشاعر الغضب عند نسبة كبيرة من الشعب المصري والتي سيتم التعبير عنها عاجلاً أو آجلاً. 

فالقبضة الأمنية وانتشار مئات آلاف عناصر الأمن والمُخبرين في كل مكان قد يستطيع إبقاء الأوضاع على حالها لسنوات، لكنه لا يستطيع تأمين استقرار على المدى الطويل ومن الممكن أخذ العبرة ممّا يحدث في إيران هذه الأيام، ولذلك إن الحل الحقيقي والأبعد نظراً يتمثّل في بناء دولة القانون والمؤسسات وأول خطوة في ذلك هي إطلاق سراح علاء عبد الفتاح وبقية المعتقلين السياسيين مع ضمان حقّهم في التعبير عن آرائهم بكل حرية.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.