متظاهرون يتجمعون أمام مقر البرلمان اللبناني في سبتمبر الماضي
متظاهرون يتجمعون أمام مقر البرلمان اللبناني في سبتمبر الماضي

في خضمّ الأزمة المعيشية التي ترتقي إلى مستوى الخطر الوجودي، يستمر لبنان اليوم بمواجهة موضوعين أساسيين متناقضين، غالباً ما يتضارب منحى معالجة أحدهما مع اعتبارات الآخر، الأول يتعلق بمسار بناء الدولة الفاعلة القادرة على التعبير عن مصلحة المواطن والمجتمع، والثاني يطال مسيرة توضيح الهوية الوطنية المؤطرة للتعدديات المختلفة المتواجدة على أرض الوطن.

بعد قرن كامل على قيام "لبنان الكبير"، لا يمكن زعم النجاح في أي من الموضوعين، غير أن الركون إلى افتراض كامل الفشل ليس مجرّد رأي، بل هو بحدّ ذاته جزء من المواجهة القائمة حول كل من طبيعة الدولة ومضمون الهوية الوطنية. والإشكالية الدقيقة في هذين الموضوعين المتداخلين تجعل حتى من مسعى إيجاد المخرج في السعي إلى توضيح "الذاكرة الجماعية" وتنقيتها أداة إضافية لتحبيد الصيغة المهيمنة الحالية، والناقضة لإمكانية  التقدم المستدام.

أشكال السلطة القائمة في لبنان، قبل تأسيسه كدولة حديثة، ويوم إعلانه، ومنذ قيامه، هي استمرار لعلاقات عامودية، أبوية زبائنية طائفية تبدّلت معالمها بحكم الحقبات التاريخية المتوالية ولكنها حافظت على استمرارية طويلة الأمد، ما أضفى عليها طابع الديمومة التي يمكن الاطمئنان إليه، وإن كانت حصة "الرعية" فيه ضئيلة جداً بالمقارنة مع ما يجنيه  "الرعاة"، أي رؤساء الطوائف من زعامات ورجال دين.

الإطار الوطني الجديد الذي أرساه "لبنان الكبير" أتاح المجال لمواجهة تلقائية لهذا الواقع، بل ألزم الزعامات الطائفية ذاتها، بعد أن ارتدت ثوب ريادة الدولة الحديثة، بإشهار استعدادها للانتقال إلى صيغة سياسة قائمة على سيادة المواطن، لا على الولاءات الانتفاعية أو الانتماءات للطائفة.

لم يكن التزام هذه القيادات بالتبديل كفيلا بأن يطيح بسلطتها بطبيعة الحال صادقاً (على الأقل كمجموعة، مع صلاح افتراض حسن نوايا لعدد متبدل من أفرادها) غير أن الإطار الجديد مكّن، على مدى العقود، من تعزيز التواصل الأفقي والطبقي الثقافي المناطقي العقائدي، بين شرائح مختلفة عابرة للطوائف، ما قدّم سوابق يمكن البناء عليها، وإن نجح النظام الطائفي الضمني بتبديدها موضعياً والإطاحة بها.

هكذا كان التواصل ضمن طبقة أرباب العمل ثم العمال بدءاً من عشرينيات القرن الماضي، ثم الحركة الطلابية في الستينيات، وحركة المجتمع المدني في التسعينيات، وصولاً إلى ثورة ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) عام ٢٠١٩.

ما لا يمكن زعمه هنا هو أن تكرار الظهور هذا أنتج أقداراً من التدرج التراكمي، بنيوياً وتنظيمياً، بل العكس هو الصحيح، أي أن حركة التاريخ على مدى القرن اللبناني المنصرم لم تشهد تراجع العامودي لمصلحة الأفقي، بل تمرّس العامودي في التصدي لتكرّر بروز الأفقي، وتطويره الأساليب الفورية والطويلة الأمد لقمعه وتبديد أي نجاعة لصعوده أو استمرارية لبقائه.

غير أن غلبة العامودي هنا لم تكن لسمات موضوعية فيه، بل جاءت من باب قوة الأمر الواقع القادرة على الاستمرار بحسن الاستشفاف والمناورة والمغامرة والاستباق، رغم تضافر العوامل الناقضة لها، هذه العوامل التي يؤكدها تكرّر الظواهر الأفقية رغم انعدام الإطار السياسي والقيادي والتنظيمي لها.

آخر الانتصارات العامودية كان تشتيت ثورة ٢٠١٩ والتلكؤ بتنفيذ أي خطوات إصلاحية اقتصادية، بل الإمعان باستنزاف المجتمع اللبناني يوم مصابه كما يوم ثروته، مع إعادة تجيير قدر من المستنزَف زبائنياً، لتثبيت أقدام منظومة "الفساد والسلاح". واقع الأمر أن المستفيد من هذه المنظومة ليس الطبقة الحاكمة، بشقيها "الممانع" و"المعتدل" فحسب، بل كذلك، وإن بدرجات متدنية، كل من بقي ضمن دائرة الولاء للزعامات العامودية.

المتانة الحالية للمنظومة تتجسد في هذا النجاح الدقيق في تحويل أحد أخطر التحديات التي واجهتها، أي ثورة ٢٠١٩ الراسخة في أفقيتها العابرة للطوائف، إلى فرصة جديدة للمزيد من الاستيلاء على الموارد وإطالة أمد ديمومتها، وإن كان العارض، والمفيد لها على أي حال، الإطاحة بالطبقة الوسطى التي منحت لبنان زخمه الإبداعي على مدى العقود الماضية.

نجحت المنظومة في توظيف الانهيار الاقتصادي ثم الجائحة لتحسين مواقعها، بل استفادت من التطييف الذي أصاب مسألة التحقيق بانفجار المرفأ للمزيد من التترس وراء خلافات تمكنها من شدّ العصب وتعزيز سيطرتها على قواعدها، وصولاً إلى تمرير ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، هذا التفريط السافر بحقوق الأجيال القادمة والذي تفوح منه رائحة فساد جامع عميق، على أنه إنجاز وانتصار يكلّل عودتها إلى موقع صاحب القول الفصل دون منازع. أما شبه المنازع الذي يمثّله عدد قليل من النواب التغييريين، فالتعويل الصائب كان على انتظار أن يؤدي افتقادهم إلى الخبرة، وضياعهم في طموحاتهم الشخصية إلى فرط عقدهم.

هذه الاستعادة لواقع قدرة المنظومة على تجيير ما يبدو لغير صالحها ضروري لتجنب تكرار المسألة في جزئية مرتبطة بهمّ السعي إلى دولة حديثة، وهمّ العمل على رسم بناء لمعالم الهوية الوطنية، أي العمل على تحقيق "الذاكرة الجماعية"، أو توضيحها أو تنقيتها.

بل يمكن إدراج هذا الجهد في إطار أوسع، هو الإصلاحات البنيوية التي يحتاج إليها النظام السياسي اللبناني ككل، من تخفيف قبضة زعماء الطوائف على البنى الحكومية (حين لا يكون الكلام عن إنهاء هذه القبضة)، وإعادة النظر بالنظام التربوي، والاعتماد على الكفاءة لا المحاصصة في الوظائف، وغيرها من الخطوات التي من شأنها العودة إلى المشروع الشهابي، أي ما حقّقه أو سعى إلى تحقيقه الرئيس الأسبق فؤاد شهاب في الستينيات.

في الإعلان عن هذه المقاربة توق صريح إلى "دولة عميقة" تكون قادرة على التصدي للزعامات التي يرذلها معظم دعاة الإصلاح، في تصويرهم للتناقض بين مصالح الطبقة السياسية وعموم المجتمع اللبناني.

العلة الأساسية في هذا التصوير، وفي رجاء الإصلاح الذي يصحبه، هي في تحديد الجهة العاملة، الفاعلة، والتي من شأنها تحقيق الإصلاح المطلوب. هل يُنتظر أن تعترف الطبقة الحاكمة بذنبها وأن تعلن تخليها عن السلطة، وأن تولي دعاة الإصلاح مسؤولية إدارة دفة البلاد نحو الغد المشرق؟ لن يحدث طبعاً.

ولكن العلة لا تقتصر على مقتضيات التصوير، بل على مضمونه ابتداءً، حيث أن هذه الطبقة الحاكمة، مهما أشبعها دعاة الإصلاح شتائم ونعوتا، تعبّر بالفعل عن مصالح فئة واسعة من المواطنين، ليس بالشكل الكامل حتماً ولا حتى اللائق، ولكن بما يسمح بتغليب هؤلاء المواطنين لولائهم لها على الميل إلى مغامرة الانتفاضة عليها.

أما معالجة الطبقة الحاكمة لمطالب الإصلاح فأسلوبها جلي، وقد سبق اختباره بنجاح، أي إفراغ المطالب من مقتضياتها المعاكسة لمصالح المنظومة، والإقدام على تنفيذ خطوات شكلية عديدة، بعد طول تلكؤ، مع الاستفادة عند كل خطوة من كل هذا لمضاعفة السلطة والمدخول.

من وجهة نظر المنظومة، قد تكون مسألة "الذاكرة الجماعية" هنا تفصيلا وحسب يمكن إخضاعه لهذا المنحى الفعّال.

ما يبدو منطقياً وموضوعياً وما يُطرح بالفعل من جانب قوى مدنية في هذا الشأن هو أن المطلوب توضيح معالم "الذاكرة الجماعية" للمجتمع اللبناني من أجل التأكيد على المشترك ولتفنيد ما يمكن توظيفه للشحن الفئوي، وقد ينضوي الأمر على حاجة ضمن "الجماعات" (أي الطوائف)، لتوضيح "الذاكرة الخصوصية" قبل الشروع بخوض غمار "الذاكرة الجماعية".

الخطورة في هذا الطرح تتمثل في الدعوة الصريحة إلى ذاكرة واحدة، "جماعية"، وإن جرى تلطيف أحاديتها بالتشديد على إمكانية أن تكون "مقارنة"، والتدرّج بمفهوم "الذاكرة التاريخية" إلى مقولة "التاريخ الموحّد"، و"السردية الوطنية". 

لبنان، كما أي وطن، بحاجة ماسة طبعاً إلى "رواية وطنية" لناشئته (ربما حتى "قصة رومانسية وطنية")، يترجمون فيها حبهم الفطري لبلادهم، يفتخرون بإنجازاته، ويألمون لمصاباته. شرط أن تكون هذه الرواية الابتدائية إجمالية صراحة، وأن يجري تفصيلها في المراحل الدراسية التالية نقدياً حيناً وتفكيكياً أحياناً، وصولاً إلى مساءلتها العميقة في المستويات الجماعية.

أي أن ترسم هذه الرواية وحسب الإطار الحاضن للرؤى والتجارب المختلفة التي أنتجت مجتمع اليوم في لبنان، لا أن تكون تقريراً لتاريخ موحّد لا سبيل إلى فرضه إلا بالقهر الصامت أو بالاختزال المجحف.

الواقع هو أن لبنان قد شهد منذ قيام الجمهورية الثانية جهداً ملحوظاً لتوحيد مادة التاريخ دراسياً، بما يتجاوز بأشواط الحاجة إلى "الرواية الوطنية"، وإن جاءت النتائج ملتبسة. فالتوجه التلقائي هو بالتالي إلى إدراج مهمة توضيح "الذاكرة الجماعية" في هذا السياق ليمسي مسؤولية عامة، أي بعهدة لجان تشرف عليها وزارة التربية أو غيرها من الأجهزة الحكومية، وإن بمشاركة من خارجها.

وقد يكون بالفعل ثمة فائدة، وإن على خلاف، في توحيد كتاب التاريخ المدرسي، على أن يتضمن الأبعاد النقدية. أما "الذاكرة"، فهي شأن شخصي فردي بامتياز، يمكن أن ترتفع تراكمياً إلى حالات "جماعية" مختلفة، قد يكون لبعضها أبعاد طائفية وقد لا يكون.

فالدعوة إلى ذاكرات خصوصية للجماعات يلزم الذاكرة الشخصية بأن تنضوي ضمن إطار طائفي، وإلا فالإهمال. أي أن هذه المقاربة، والمرجّحة، مهما كان مضمونها أن توظّف عند تولي الجهات الرسمية مسؤوليتها مباشرة أو خلافه، لتعزيز مصالح المنظومة، تشهر بذاتها اندراجاً في الإطار العامودي الداعم للطبقة الحاكمة.

للذاكرة الشخصية عصمة لا بد من تقريرها واحترامها. تنقيحها وتصحيحها ومراجعتها هي من صلاحية صاحبها حصراً. والثروة الوطنية المتمثلة باستمرار تواجد صيغها المختلفة، قبل أي مراجعة وبعدها، مستقاة من أنها المعقل الأول للتعددية. والنسيج الوطني يصاغ من خيوط التعدديات المتداخلة، لا من مشروع الرؤية الموحدة، أو الذاكرة الجماعية بعد تنقيتها.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.