في خضمّ الأزمة المعيشية التي ترتقي إلى مستوى الخطر الوجودي، يستمر لبنان اليوم بمواجهة موضوعين أساسيين متناقضين، غالباً ما يتضارب منحى معالجة أحدهما مع اعتبارات الآخر، الأول يتعلق بمسار بناء الدولة الفاعلة القادرة على التعبير عن مصلحة المواطن والمجتمع، والثاني يطال مسيرة توضيح الهوية الوطنية المؤطرة للتعدديات المختلفة المتواجدة على أرض الوطن.
بعد قرن كامل على قيام "لبنان الكبير"، لا يمكن زعم النجاح في أي من الموضوعين، غير أن الركون إلى افتراض كامل الفشل ليس مجرّد رأي، بل هو بحدّ ذاته جزء من المواجهة القائمة حول كل من طبيعة الدولة ومضمون الهوية الوطنية. والإشكالية الدقيقة في هذين الموضوعين المتداخلين تجعل حتى من مسعى إيجاد المخرج في السعي إلى توضيح "الذاكرة الجماعية" وتنقيتها أداة إضافية لتحبيد الصيغة المهيمنة الحالية، والناقضة لإمكانية التقدم المستدام.
أشكال السلطة القائمة في لبنان، قبل تأسيسه كدولة حديثة، ويوم إعلانه، ومنذ قيامه، هي استمرار لعلاقات عامودية، أبوية زبائنية طائفية تبدّلت معالمها بحكم الحقبات التاريخية المتوالية ولكنها حافظت على استمرارية طويلة الأمد، ما أضفى عليها طابع الديمومة التي يمكن الاطمئنان إليه، وإن كانت حصة "الرعية" فيه ضئيلة جداً بالمقارنة مع ما يجنيه "الرعاة"، أي رؤساء الطوائف من زعامات ورجال دين.
الإطار الوطني الجديد الذي أرساه "لبنان الكبير" أتاح المجال لمواجهة تلقائية لهذا الواقع، بل ألزم الزعامات الطائفية ذاتها، بعد أن ارتدت ثوب ريادة الدولة الحديثة، بإشهار استعدادها للانتقال إلى صيغة سياسة قائمة على سيادة المواطن، لا على الولاءات الانتفاعية أو الانتماءات للطائفة.
لم يكن التزام هذه القيادات بالتبديل كفيلا بأن يطيح بسلطتها بطبيعة الحال صادقاً (على الأقل كمجموعة، مع صلاح افتراض حسن نوايا لعدد متبدل من أفرادها) غير أن الإطار الجديد مكّن، على مدى العقود، من تعزيز التواصل الأفقي والطبقي الثقافي المناطقي العقائدي، بين شرائح مختلفة عابرة للطوائف، ما قدّم سوابق يمكن البناء عليها، وإن نجح النظام الطائفي الضمني بتبديدها موضعياً والإطاحة بها.
هكذا كان التواصل ضمن طبقة أرباب العمل ثم العمال بدءاً من عشرينيات القرن الماضي، ثم الحركة الطلابية في الستينيات، وحركة المجتمع المدني في التسعينيات، وصولاً إلى ثورة ١٧ تشرين الأول (أكتوبر) عام ٢٠١٩.
ما لا يمكن زعمه هنا هو أن تكرار الظهور هذا أنتج أقداراً من التدرج التراكمي، بنيوياً وتنظيمياً، بل العكس هو الصحيح، أي أن حركة التاريخ على مدى القرن اللبناني المنصرم لم تشهد تراجع العامودي لمصلحة الأفقي، بل تمرّس العامودي في التصدي لتكرّر بروز الأفقي، وتطويره الأساليب الفورية والطويلة الأمد لقمعه وتبديد أي نجاعة لصعوده أو استمرارية لبقائه.
غير أن غلبة العامودي هنا لم تكن لسمات موضوعية فيه، بل جاءت من باب قوة الأمر الواقع القادرة على الاستمرار بحسن الاستشفاف والمناورة والمغامرة والاستباق، رغم تضافر العوامل الناقضة لها، هذه العوامل التي يؤكدها تكرّر الظواهر الأفقية رغم انعدام الإطار السياسي والقيادي والتنظيمي لها.
آخر الانتصارات العامودية كان تشتيت ثورة ٢٠١٩ والتلكؤ بتنفيذ أي خطوات إصلاحية اقتصادية، بل الإمعان باستنزاف المجتمع اللبناني يوم مصابه كما يوم ثروته، مع إعادة تجيير قدر من المستنزَف زبائنياً، لتثبيت أقدام منظومة "الفساد والسلاح". واقع الأمر أن المستفيد من هذه المنظومة ليس الطبقة الحاكمة، بشقيها "الممانع" و"المعتدل" فحسب، بل كذلك، وإن بدرجات متدنية، كل من بقي ضمن دائرة الولاء للزعامات العامودية.
المتانة الحالية للمنظومة تتجسد في هذا النجاح الدقيق في تحويل أحد أخطر التحديات التي واجهتها، أي ثورة ٢٠١٩ الراسخة في أفقيتها العابرة للطوائف، إلى فرصة جديدة للمزيد من الاستيلاء على الموارد وإطالة أمد ديمومتها، وإن كان العارض، والمفيد لها على أي حال، الإطاحة بالطبقة الوسطى التي منحت لبنان زخمه الإبداعي على مدى العقود الماضية.
نجحت المنظومة في توظيف الانهيار الاقتصادي ثم الجائحة لتحسين مواقعها، بل استفادت من التطييف الذي أصاب مسألة التحقيق بانفجار المرفأ للمزيد من التترس وراء خلافات تمكنها من شدّ العصب وتعزيز سيطرتها على قواعدها، وصولاً إلى تمرير ترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، هذا التفريط السافر بحقوق الأجيال القادمة والذي تفوح منه رائحة فساد جامع عميق، على أنه إنجاز وانتصار يكلّل عودتها إلى موقع صاحب القول الفصل دون منازع. أما شبه المنازع الذي يمثّله عدد قليل من النواب التغييريين، فالتعويل الصائب كان على انتظار أن يؤدي افتقادهم إلى الخبرة، وضياعهم في طموحاتهم الشخصية إلى فرط عقدهم.
هذه الاستعادة لواقع قدرة المنظومة على تجيير ما يبدو لغير صالحها ضروري لتجنب تكرار المسألة في جزئية مرتبطة بهمّ السعي إلى دولة حديثة، وهمّ العمل على رسم بناء لمعالم الهوية الوطنية، أي العمل على تحقيق "الذاكرة الجماعية"، أو توضيحها أو تنقيتها.
بل يمكن إدراج هذا الجهد في إطار أوسع، هو الإصلاحات البنيوية التي يحتاج إليها النظام السياسي اللبناني ككل، من تخفيف قبضة زعماء الطوائف على البنى الحكومية (حين لا يكون الكلام عن إنهاء هذه القبضة)، وإعادة النظر بالنظام التربوي، والاعتماد على الكفاءة لا المحاصصة في الوظائف، وغيرها من الخطوات التي من شأنها العودة إلى المشروع الشهابي، أي ما حقّقه أو سعى إلى تحقيقه الرئيس الأسبق فؤاد شهاب في الستينيات.
في الإعلان عن هذه المقاربة توق صريح إلى "دولة عميقة" تكون قادرة على التصدي للزعامات التي يرذلها معظم دعاة الإصلاح، في تصويرهم للتناقض بين مصالح الطبقة السياسية وعموم المجتمع اللبناني.
العلة الأساسية في هذا التصوير، وفي رجاء الإصلاح الذي يصحبه، هي في تحديد الجهة العاملة، الفاعلة، والتي من شأنها تحقيق الإصلاح المطلوب. هل يُنتظر أن تعترف الطبقة الحاكمة بذنبها وأن تعلن تخليها عن السلطة، وأن تولي دعاة الإصلاح مسؤولية إدارة دفة البلاد نحو الغد المشرق؟ لن يحدث طبعاً.
ولكن العلة لا تقتصر على مقتضيات التصوير، بل على مضمونه ابتداءً، حيث أن هذه الطبقة الحاكمة، مهما أشبعها دعاة الإصلاح شتائم ونعوتا، تعبّر بالفعل عن مصالح فئة واسعة من المواطنين، ليس بالشكل الكامل حتماً ولا حتى اللائق، ولكن بما يسمح بتغليب هؤلاء المواطنين لولائهم لها على الميل إلى مغامرة الانتفاضة عليها.
أما معالجة الطبقة الحاكمة لمطالب الإصلاح فأسلوبها جلي، وقد سبق اختباره بنجاح، أي إفراغ المطالب من مقتضياتها المعاكسة لمصالح المنظومة، والإقدام على تنفيذ خطوات شكلية عديدة، بعد طول تلكؤ، مع الاستفادة عند كل خطوة من كل هذا لمضاعفة السلطة والمدخول.
من وجهة نظر المنظومة، قد تكون مسألة "الذاكرة الجماعية" هنا تفصيلا وحسب يمكن إخضاعه لهذا المنحى الفعّال.
ما يبدو منطقياً وموضوعياً وما يُطرح بالفعل من جانب قوى مدنية في هذا الشأن هو أن المطلوب توضيح معالم "الذاكرة الجماعية" للمجتمع اللبناني من أجل التأكيد على المشترك ولتفنيد ما يمكن توظيفه للشحن الفئوي، وقد ينضوي الأمر على حاجة ضمن "الجماعات" (أي الطوائف)، لتوضيح "الذاكرة الخصوصية" قبل الشروع بخوض غمار "الذاكرة الجماعية".
الخطورة في هذا الطرح تتمثل في الدعوة الصريحة إلى ذاكرة واحدة، "جماعية"، وإن جرى تلطيف أحاديتها بالتشديد على إمكانية أن تكون "مقارنة"، والتدرّج بمفهوم "الذاكرة التاريخية" إلى مقولة "التاريخ الموحّد"، و"السردية الوطنية".
لبنان، كما أي وطن، بحاجة ماسة طبعاً إلى "رواية وطنية" لناشئته (ربما حتى "قصة رومانسية وطنية")، يترجمون فيها حبهم الفطري لبلادهم، يفتخرون بإنجازاته، ويألمون لمصاباته. شرط أن تكون هذه الرواية الابتدائية إجمالية صراحة، وأن يجري تفصيلها في المراحل الدراسية التالية نقدياً حيناً وتفكيكياً أحياناً، وصولاً إلى مساءلتها العميقة في المستويات الجماعية.
أي أن ترسم هذه الرواية وحسب الإطار الحاضن للرؤى والتجارب المختلفة التي أنتجت مجتمع اليوم في لبنان، لا أن تكون تقريراً لتاريخ موحّد لا سبيل إلى فرضه إلا بالقهر الصامت أو بالاختزال المجحف.
الواقع هو أن لبنان قد شهد منذ قيام الجمهورية الثانية جهداً ملحوظاً لتوحيد مادة التاريخ دراسياً، بما يتجاوز بأشواط الحاجة إلى "الرواية الوطنية"، وإن جاءت النتائج ملتبسة. فالتوجه التلقائي هو بالتالي إلى إدراج مهمة توضيح "الذاكرة الجماعية" في هذا السياق ليمسي مسؤولية عامة، أي بعهدة لجان تشرف عليها وزارة التربية أو غيرها من الأجهزة الحكومية، وإن بمشاركة من خارجها.
وقد يكون بالفعل ثمة فائدة، وإن على خلاف، في توحيد كتاب التاريخ المدرسي، على أن يتضمن الأبعاد النقدية. أما "الذاكرة"، فهي شأن شخصي فردي بامتياز، يمكن أن ترتفع تراكمياً إلى حالات "جماعية" مختلفة، قد يكون لبعضها أبعاد طائفية وقد لا يكون.
فالدعوة إلى ذاكرات خصوصية للجماعات يلزم الذاكرة الشخصية بأن تنضوي ضمن إطار طائفي، وإلا فالإهمال. أي أن هذه المقاربة، والمرجّحة، مهما كان مضمونها أن توظّف عند تولي الجهات الرسمية مسؤوليتها مباشرة أو خلافه، لتعزيز مصالح المنظومة، تشهر بذاتها اندراجاً في الإطار العامودي الداعم للطبقة الحاكمة.
للذاكرة الشخصية عصمة لا بد من تقريرها واحترامها. تنقيحها وتصحيحها ومراجعتها هي من صلاحية صاحبها حصراً. والثروة الوطنية المتمثلة باستمرار تواجد صيغها المختلفة، قبل أي مراجعة وبعدها، مستقاة من أنها المعقل الأول للتعددية. والنسيج الوطني يصاغ من خيوط التعدديات المتداخلة، لا من مشروع الرؤية الموحدة، أو الذاكرة الجماعية بعد تنقيتها.