مظاهر فشل الجماعة في حكم السودان لا يمكن حصرها
مظاهر فشل الجماعة في حكم السودان لا يمكن حصرها

استضاف برنامج "موازين" الذي تبثه قناة الجزيرة الشهر الماضي السياسي والأستاذ الجامعي وعضو جماعة الإخوان المسلمين السابق بالكويت، عبد الله النفيسي، في حلقة بعنوان "قراءة في تجربة الحركات الإسلامية بالعالم العربي"، تناولت أسباب إخفاق تلك الحركات في الحكم وانعكاسات ذلك على الواقع العربي.

وقد سئل النفيسي السؤال التالي: التجربة في السودان فشل فيها الإسلاميون في تحقيق مشروع حضاري كانوا يتحدثون عنه، فأصبحنا أمام تجربة وصلت عن طريق الانقلاب وفشلت في إدارة الدولة أيضاً في نفس الوقت، الا ترى أن ذلك يلقي بالعبء على التجربة الإسلامية أو الحركات الإسلامية عموما في العالم؟

فأجاب قائلاً: "هو ترى من الاستعجال القول بإن الإخوان المسلمين في السودان فشلوا، حكموا تلاتين سنة، ولو تقرأ يعني كتب عديدة عن إنجازات هذه التجربة، في مجال النفط، في مجال المياه، في مجال الجسور، في مجال الكهرباء، في مجال التوطين، لا يعني نكون منصفين يعني، العسكر في السودان صحيح أخطأوا أخطاء كبيرة في دارفور وفي الجنوب خاصة، وانفصل هذا الجنوب، لكنهم كان لهم إنجازات".

الإجابة أعلاه تحتوي على الكثير من التمويه والتضليل، ذلك أن النفيسي يرفض وصف حكم الإخوان في السودان بالفشل لأنهم أقاموا بعض المشاريع بينما يتجاهل أن الجماعة عندما استلمت الحكم عبر الانقلاب العسكري وقالت إنها جاءت لإقامة الدولة الربانية التي ستقيم العدل وتبسط الحريات وتنشر قيم الدين ليس في البلد فحسب، بل في جميع أرجاء المعمورة، وبالتالي فإن معيار النجاح أو الفشل يجب أن يقاس بهذا المقياس.

لقد كان ميدان القيم هو أكثر الميادين الدالة على فشل دولة الإخوان التي ادعى أصحابها أنهم ينطلقون في الأساس من المبادئ الأخلاقية المُتضمنة في الدين الإسلامي، وقد تم الترويج لتلك الدولة في مقابل الدعوات السياسية الأخرى من منصة ربط قيم السماء بالأرض وبناء الفردوس الدنيوي بسواعد الأطهار والأنقياء من أصحاب الوجوه النورانية والأيادي المتوضئة!

فبمجرَّد نجاحها في الاستيلاء على الحكم شرعت الجماعة في تطبيق استراتيجية متكاملة للسيطرة على المجتمع السوداني أطلقت عليها اسم "المشروع الحضاري" كما أحكمت قبضتها على الدولة عبر تنفيذ إستراتيجية "التمكين" في مجالات السياسة والاقتصاد والأمن، وقد مثلت كلتا الخطوتين تنزيلاً للشعارات والمبادئ والأفكار التي ظل ينادي بها الإخوان.

وقد شيدت الجماعة عبر المشروع الحضاري واستراتيجية التمكين أعتى دولة مستبدة في تاريخ السودان بعد خروج المستعمر البريطاني عام 1956, وتجلت أكبر مفارقات سيطرتها على الحكم في أن الجماعة التي ظلت تدعي بأن هدفها الأهم هو تنزيل قيم السماء على الأرض، قد أقامت سلطة أقل ما وصفت به أنها كانت مزيجا من الشعارات الدينية والجريمة المنظمة.

لقد حكم الإخوان لمدة 30 عاما، وهي فترة لم تتح لأي نظام حكم آخر منذ خروج المستعمر البريطاني عام 1956، وكان حصاد ذلك الحكم هو انتشار الفساد بشكل غير مسبوق، وللمفارقة فإن الأجهزة ذات الطابع الديني مثل ديوان الزكاة، وهيئة الحج والعمرة، كانت الأكثر فساداً كما أن البلد ظل على رأس قائمة الدول الأكثر فساداً في العالم حتى سقوط حكم الجماعة بالثورة الشعبية في أبريل 2019.

قد رفعت دولة الإخوان منذ يومها الأول شعار "نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع"، وبعد انقضاء ثلاثين عاما من سيطرتها على البلاد استمرت في استيراد 84% من إجمالي استهلاكها السنوي من القمح والبالغ 2.2 مليون طن، فكيف يكون الفشل إذاَ؟

أما مشروع الجماعة الحضاري الذي سعت من خلاله إلى النهوض بالبلاد وانتشالها من الثالوث المرعب "الفقر، الجهل، المرض"، فضلاً عن إعطاء نموذج يحتذى من مختلف دول العالم الإسلامي، فقد كان يتم فيه الإنفاق على التعليم بنسبة 2% من ميزانية الدولة في أفضل الأحوال بما فيها أعوام الطفرة النفطية، فتأمل!

لقد أشعل حكم الجماعة الحرب في العديد من مناطق السودان، بما فيها إقليم دارفور الذي دمرت وأحرقت فيه آلاف القرى وقتل 300 ألف شخص إلى جانب نزوح ولجوء 3 ملايين آخرين بحسب إحصائيات الأمم المتحدة، حيث ماتزال البلاد تعاني من آثار تلك الحرب وستظل تعاني منها لسنوات طويلة قادمة.

أما حديث الدكتور عن النفط، فيكفي أن يعلم أن مداخيله التي قدرت بأكثر من 50 مليار دولار لم تعد على البلد بأي نفع يذكر، حيث قضى عليها الفساد وتبددت في الصرف البذخي، في الوقت الذي قامت فيه حكومة الجماعة بإنشاء مشروع لإنتاج الكهرباء غير مدروس بعناية (سد مروي) ومشاريع أخرى فاشلة عبر الاستدانة من المؤسسات المانحة، مما جعل منها عبئا على البلاد تسدده الأجيال القادمة.

إن مظاهر فشل الجماعة في حكم السودان لا يمكن حصرها، ويكفي أن التعبير الأسطع عنها تمثل في خروج الملايين من السودانيين في ثورة عارمة ما تزال فصولها مستمرة لأكثر من ثلاث سنوات لإسقاط نظام حكم الإخوان، كما تكفي كلمات أحد قياداتها التاريخية، يسن عمر الإمام، في وصف مآل حكم الجماعة:

"الحركة الإسلامية دخلت السلطة وخرجت مضعضعة وفيها فساد شديد وفيها ظلم وأدت مفاهيم معاكسة للقيم التي تحملها للناس، وزارني بعض الإخوان بالمنزل وكان من ضمنهم حسن الترابي وقلت لهم بأنني أخجل أن أحدث الناس عن الإسلام في المسجد الذى يجاورني بسبب الظلم والفساد الذى أراه وقلت لهم بأنني لا أستطيع أن أقول لأحفادي انضموا للإخوان المسلمين لأنهم يرون الظلم الواقع على أهلهم فلذلك الواحد بيخجل يدعو زول للإسلام في السودان، أنا غايتو بخجل".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.