100 نائب يدعمون ترشح سوناك لمنصب زعيم حزب المحافظين. أرشيفية
سوناك خلف تراس في رئاسة حزب المحافظين والحكومة.

ريشي سوناك يفضح تناقضاتنا جميعا. تناقضات العالم الغربي الأبيض في خطابه حول التنوع والتعدد، وتناقضات مجتمعات منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في نفاقها الديني والسياسي والثقافي.

في بريطانيا وعدد من الدول الأوروبية، عنونت وسائل الإعلام وصول ريشي سوناك لرئاسة الحكومة البريطانية بصيغ مختلفة تفيد معظمها بما يلي: "وصول أول بريطاني من أصول آسيوية لمنصب رئيس الوزراء في بريطانيا". 

عنوان موضوعي يعبر عن التعددية الإثنية والثقافية وعن عظمة الديمقراطية التي تسمح لأبناء المهاجرين بأن يترشحوا ويصلوا لمناصب سياسية مهمة، وهذا حقيقي إلى حد كبير، خصوصا حين نقارنه بأوضاع المهاجرين في بلداننا. لكن، هل قبل ريشي سوناك، كان هناك في بريطانيا رئيس وزراء من أصول إفريقية مثلا، أو من أصول لاتينية، ليحتفي الإعلام بوصول أول رئيس وزراء من أصول آسيوية؟ أم أنها فقط طريقة مؤدبة وتدخل ضمن إطار "politically correct" للاعتراف بأنه أول رئيس وزراء... غير أبيض، غير بريطاني قح و"pure"؟. 

احتفاء بالتعددية يخفي أنها أيضا تعددية جديدة وأنها لاتزال محط استغراب واحتفاء وربما أيضا عدم تقبل تام، مادامت لا تدخل ضمن البديهيات، ومادامت تستدعي أن نتوقف عندها!

ثم عندنا، في عوالم الإقصاء لكل ما هو مختلف، هل تساءلنا كفاية: لماذا لم تحتفل شعوبنا بشخصية ريشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا الجديد، كما احتفلت منذ سنوات قليلة بوصول صادق خان لمنصب عمدة لندن؟ البلد هو نفسه (بريطانيا) والنظام نفسه (ملكية)... كلا الفاعلين، صادق خان وريشي سوناكو، من أصول آسيوية (باكستانية وهندية)... فما الفرق؟ ولماذا استأثر صادق خان باهتمام الإعلام ووسائل التواصل أكثر مما حظي به ريشي سوناك؟ لأن خان كان أول آسيوي يصل لعمودية لندن؟ أم ببساطة وواقعية لأن صادق خان كان مسلما ولأن شعوبنا اعتبرت انتخابه لمنصب عمدة لندن انتصارا للإسلام وبداية الطريق نحو خلافة إسلامية في بريطانيا العظمى؟

في الكثير من المجتمعات الغربية التي توفر حظوظا أكبر للمهاجرين ولأبنائهم لكي يندمجوا في مجتعاتهم ويمارسوا السياسة، لاتزال وصولهم، تماما كما وصول فئات أخرى، محط نقاش وعناوين عريضة وأشكال محتشمة من الرفض غير المعلن. فئات يمثلها المسلمون، العرب، الأفارقة، المثليون، الآسيويون.. وحتى النساء أحيانا، وإن كن يملكن حظوظا أكبر من حظوظ نظيراتهن في بلدن الشرق الأوسط وشمال وإفريقيا. 

في نفس الوقت، يتم التصريح بهذه الأصول الأجنبية بدون تردد حين يتعلق الأمر بالجرائم. هنا، لا حديث عن "الأصول"، فالمجرم البريطاني أو الفرنسي أو الإيطالي، والذي لم يكن يزور بلد والديه وأجداده إلا مرة كل سنة أو عدة سنين، ورغم كونه ضمن الجيل الثالث أو الرابع من المهاجرين، إلا أن وسال الإعلام الغربية ستتحدث عنه بصفته الإرهابي أو المجرم المغربي/ السعودي/ المصري/ الهندي...  

في مجتمعاتنا، رفض الاختلاف يأخذ أشكالا أفظع، إذ من ناحية، فمعظمنا لا يحتفي بالتعدد إلا إذا استفاد منه شخص نحسبه منا عرقيا أو دينيا أو طائفيا. نجاح بلجيكي أو بريطانية أو هولندي من أصول مكسيكية أو نيجيرية لا يثيرنا ماداموا ليس عربا و/أو مسلمين (وحبذا لو كانوا سنيين). لكن الانتصار للتعددية كقيمة مطلقة، فهو مازال بعيدا عنا، للأسف.  

في نفس الوقت، ننسى أن وصول هؤلاء جميعهم لمناصب مسؤولية لم يأت بفضل أصولهم. لم ينجح صادق خان في انتخابات العمودية اللندنية لأنه مسلم، ولا تم تعيين حاجة لحبيب وزيرةً للشؤون الخارجية، القضايا الأوروبية والتجارة الخارجية ببلجيكا لأنها من أصول جزائرية، ولا تم انتخاب أحمد بوطالب عمدة لروتردام لأنه من أصول مغربية. الميكانيزمات الديمقراطية هي التي جعلت هؤلاء الأشخاص، أبناء وبنات المهاجرين، يترشحون ويساهمون في الفعل السياسي في بلدانهم. فهل نقبل نحن وصول أبناء المهاجرين في بلداننا إلى مناصب القرار أو ترشحهم في الانتخابات؟ 

هذا هو السؤال... 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.