ماذا بعد ميشال عون؟
ماذا بعد ميشال عون؟

تتضمّن الأدبيّات التي يستعملها الموالون لرئيس الجمهوريّة اللبنانيّة ميشال عون، في أحاديثهم التي يوجّهونها الى خصومهم السياسيّين، واحدة من أخطر العبارات:" سوف تعضّون أصابعكم ندمًا بعد خروج الجنرال من القصر الجمهوري". 

وتنتهي ولاية عون، منتصف ليل الحادي والثلاثين من أكتوبر الجاري، ولكنّه، في إشارة إلى استعجاله "التحرّر" من تبعات "المنصب"، قرّر رئيس الجمهوريّة أن يذهب الى منزله الفاخر الذي بناه أثناء ولايته الرئاسيّة، قبل ظهر يوم الأحد المقبل الواقع فيه الثلاثون من أكتوبر الجاري، بمواكبة "مهرجانات شعبيّة" ينظّمها "التيّار الوطني الحر" برئاسة صهره جبران باسيل عنوانها " معك مكملين"، الذي يُذكّر بشعار الحملة الانتخابيّة الأخيرة لرئيس النظام السوري بشار الأسد: "مكملين معك". 

ولكن، كيف يُعقل أن يأتي يوم يتأسّف فيه اللبنانيون على انتهاء ولاية متّهمة بالضلوع في واحدة من أسوأ الكوارث الماليّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والحياتيّة التي شهدها العالم، منذ مائة وخمسين سنة؟  

هذا السؤال يَشغل بال الكثيرين في لبنان، خصوصًا أنّه لا ينبع من فراغ، بل هو يواكب شغورًا رئاسيًّا مؤكّدًا، بعدما نجح "حزب الله" و"التيّار الوطني الحر" في الحيلولة دون انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة، في وقت لا تزال فيه شروط عون التي لا تتوافق مع تطلّعات رئيس الحكومة المكلّف نجيب ميقاتي، تمنع تشكيل حكومة جديدة تحلّ مكان حكومة تصريف الأعمال. 

وعليه، ماذا يُمكن أن يحصل في لبنان بعد الحادي والثلاثين من أكتوبر المقبل؟ 

إذا انقضى، يوم الاثنين المقبل من دون تشكيل حكومة جديدة تُدير مرحلة الشغور الرئاسي، فإنّ فريق عون، أعدّ العدّة للتعاطي مع حكومة تصريف الأعمال، كما لو كانت حكومة فاقدة للشرعيّة. 

وقد بدأ "التيّار الوطنيّ الحر" الضغط على الوزراء الذين كان قد اختارهم لهذه الحكومة، حتى يمتنعوا عن حضور أيّ جلسة يمكن أن يُدعى مجلس الوزراء إليها، وأن يمتنعوا عن توقيع أيّ مرسوم يمكن أن يُعرض عليهم. 

وفي مرحلة الفراغ الرئاسي الطويلة التي أعقبت نهاية ولاية الرئيس ميشال سليمان "ابتدعت" حكومة الرئيس تمّام سلام "عرفًا" حوّلت فيه جميع الوزراء الى رئيس للجمهوريّة، بحيث إذا امتنع واحد فقط منهم عن التوقيع، يسقط مشروع المرسوم. 

وهذا يعني أنّ حكومة تصريف الأعمال، حتى لو احتمت بالشرعيّة التي يمنحها إيّاها الخبراء الدستوريون من توقيع عون، في "ربع الساعة" الأخير مرسوم استقالتها، فهي ستكون غير قادرة على الحكم، وتاليًا على اتّخاذ القرارات الضروريّة تصديًا للكوارث التي تتلاحق على اللبنانيّين وآخرها انتشار الكوليرا. 

وفي ظلّ فراغ رئاسي وحكومة عاجزة، يُخشى من ارتفاع حدّة الخطاب الطائفي في البلاد، بحيث يثير الفريق العوني مسألة "التعدّي" على حقوق المسيحيّين في السلطة على يد "حكومة غير شرعيّة"، في وقت يمكن أن تتصدّى له، دفاعًا عنها، شخصيات ومرجعيات سنيّة. 

ويُخشى أن يخلق هذا السجال الطائفي أرضية لإيقاظ "متعمّد" لـ "خلايا إرهابيّة" نائمة، بحيث تكون مقدّمة للعبث بالأمن اللبناني. 

وقد سبق أن حذّرت تقارير نُسبت الى مرجعيات دولية من إمكان حصول اضطرابات أمنية واسعة في الشمال اللبناني. 

ويعرف اللبنانيون أنّ "الخلايا" التي يمكن أن يُعهد إليها بتعكير الأمن اللبناني، ليست "مستقلة" بل هي مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بمرجعيات سياسية وأمنيّة وميليشياوية لها كلمتها الوازنة في البلاد. 

و"صناعة الفوضى" هذه لن تكون من دون تداعيات مالية واقتصادية في البلاد، إذ من شأنها أن تؤثّر سلبًا على سعر صرف الليرة اللبنانيّة لتشهد انهيارات جديدة، الأمر الذي سوف يرفع منسوب الحاجة بين اللبنانيّين، ويضاعف مشاعر الإحباط التي تجتاحهم. 

وهكذا، يُمكن أن يبكي اللبنانيون دمًا على انتهاء ولاية عون، إذ إنّهم سوف يخسرون آخر ما كان قد بقي لهم. 

هل هذا "السيناريو" ممكن؟ 

من يعتقد بإمكانيته يربطه بموافقة "حزب الله" عليه. 

و"حزب الله" لن يوافق على هذا السيناريو حبًّا بالسيناريو، بل من أجل تحقيق أهداف يرسمها لمستقبل لبنان الذي يريده. 

و"حزب الله" يريد "توافقًا" لبنانيًا على الشخصيّة التي سوف يَسمح بوصولها الى القصر الجمهوري لخلافة عون. 

و"التوافق" في قاموسه هو الموافقة على انتخاب رئيس للجمهوريّة يلتزم بتوفير تغطية شرعية لسلاحه ولا يعترض على المهام التي يتمّ تكليفه بها من "الحرس الثوري الإيراني"، مهما كانت تبعة ذلك على الوضع اللبناني وعلى علاقات لبنان العربيّة والدوليّة. 

وهو يعتبر أنّ القوى السياسيّة الوازنة في البلاد التي ترفض هذا التوافق تُنفّذ "أجندة" سعوديّة من بند واحد: إدخال البلاد في مواجهة مع "حزب الله". 

وفي محاولة منه لتحقيق أهداف "حزب الله" و"احتواء" سيناريو "التيّار الوطني الحر"، بكّر رئيس المجلس النيابي نبيه برّي في دعوة الكتل النيابيّة الى "حوار وطني" يتضمّن بندًا وحيدًا: التوافق على رئيس جديد للجمهوريّة. 

وفي حال استطاع برّي إنجاح مبادرته باستقطاب القوى الرافضة لمنطق "فرض التوافق" والداعية إلى إعمال "منطق الانتخابات"، ومن ثم تثمير طاولة الحوار، فإنّ "السيناريو الأسود" يوضع، فورًا في الدرج، ويخسر عون "رهان التأسّف عليه"، ولكن، إذا فشلت مبادرة برّي يبدأ تنفيذ هذا السيناريو، ولكن على مراحل، ليكون عامل ضغط على القوى الرافضة ل"التوافق المفروض" والمتّهمة بتنفيذ "التعليمات السعوديّة". 

ومنذ بدأ الاهتمام بالإستحقاق الرئاسي فعّلت السعوديّة، من خلال سفيرها في لبنان وليد بخاري، نشاطها، ورفعت لواء احترام "اتّفاق الطائف" وساهمت مع القوى الحليفة لها في نسف دعوة السفارة السويسريّة في بيروت إلى بدء حوار لبنانيّ-لبنانيّ. 

ويُعتقد على نطاق واسع في لبنان أنّ الإنتهاء إيجابًا، بالوساطة الأميركية، من المشاكل الحدوديّة البحريّة مع إسرائيل، سوف يجرّ كلّ الأطراف الى الاهتمام بترتيب أوراقها الداخليّة اللبنانيّة. 

وفي رأي هؤلاء، فإنّ "حزب الله"، ومن البوابة الفرنسيّة، قد زوّد ترسانته بعدّة جديدة، وهو سوف يصرف ما جمّعه من "التنازلات الحدوديّة" في حصد مكتسبات داخلية جديدة. 

ولهذا، فهو سوف يستعمل كلّ ما يملك من أدوات، حتى يأتي رئيس للجمهوريّة يناسبه ويلتزم بدفتر شروطه، على أن يقوده ذلك، لاحقًا إلى حصد ما يريده من مكتسبات في تشكيل حكومة العهد الجديد الأولى. 

وهذا ما سوف يُشجّع دولًا خارجيّة للدخول على الخط، من أجل إيجاد تسوية من شأنها أن تنتهي إلى اتفاق يقضي بإيصال رئيس للجمهوريّة يريح "حزب الله" ومعه رئيس للحكومة لا يُزعج خصوم الحزب. 

وعليه، أي طريق سوف يسلكه لبنان، بدءًا من يوم الاثنين المقبل: الرضوخ للتوافق المفروض، وقد أعدّ منصّته الرئيس نبيه برّي، أو استدعاء الخارج الى "الوساطة"، أو المواجهة التي من شأنها إدخال البلاد في المجهول؟  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.