طهران
العاصمة الإيرانية طهران

تحظى الانتاجات الدرامية وكذلك الروايات وكتب السيرة الذاتية المتعلقة بمواضيع الجاسوسية، بجاذبية جماهيرية كبيرة ومشاهدات عالية لأسباب عدة من أبرزها بناؤها القائم على عنصري الإثارة والتشويق الأساسيين لصناعة محتواها بالشكل المقنع. وبسبب الانجذاب الإنساني الفطري لمعرفة الأسرار والخفايا، أضف أن عدداً منها يستلهم قصصاً حقيقية لعمليات تجسس دولية كبرى وقصص عملاء احتوتها ملفات استخباراتية رفعت عنها السرية الأمنية.  

لا ينحصر التجسس في استهداف نظام ما بأبعاده السياسية أو العسكرية أو الأمنية، بل يمكن أن يشمل طبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصاد والبيئة والتكنولوجيا والأبحاث العلمية والطبية وغيرها. وفي العقود الأخيرة التي شهدت قفزات تقنية نوعية، تراجعت نسبياً طبيعة التجسس التقليدية بسبب سهولة اصطياد الجواسيس في ظل تطور أجهزة المراقبة والتنصت والاتصالات وغيرها، وباتت الأقمار الصناعية والاختراقات السيبرانية تتكفل بنسب كافية من مهام التجسس. 

بيد أن تجنيد عملاء من الداخل أو إرسال جواسيس من الخارج لمهام خاصة يصعب القيام بها عن بعد مثل الاغتيالات أو زرع المتفجرات، مازال أمراً قائماً رغم مخاطره وتحظى قصصه  بإثارة كبيرة، وبشكل خاص حين تتم محاكاتها في الدراما التي يتخذ فيها الخيال مساحته الوافية، وأيضا ماتضيفه العناصر الفنية من جماليات مثل التصوير والموسيقى والمونتاج وتنجح في حبس أنفاس المشاهد وزيادة تشوقه. 

أحد أبرز مقومات نجاح هذه الأعمال، يرتبط بالتوقيت بشكل كبير، أي حين يتزامن العرض مع مرحلة عداء سياسي ساخن بين بلدين، كمثل مرحلة الحرب الباردة بين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الأميركية التي شهدت إنتاجات سينمائية متفوقة تتعلق بالجاسوسية. ومثل العداء العميق القائم اليوم بين إسرائيل وإيران، والذي لايتوقف على مدار الساعة في التصعيد الإعلامي والتهديدات المتبادلة بين الجانبين. 

وهو عداء عميق ولد بعد سقوط الشاه، يهدف عقائدياً من الجانب الإيراني إلى محو إسرائيل عن الخارطة بوصفها "الشيطان الأصغر"، فيما تركيز الجانب الإسرائيلي على شيطنة كل ما يتعلق بالنظام الإيراني، وكيفية التخلص من برنامجه ومفاعله النووي كأولوية. وفي ظل هذا المناخ السياسي المشحون، خرج المسلسل التلفزيوني الذي حمل اسم"طهران" بموسميه، المنتج من تلفزيون (ِApple+) الأميركي وانتهى عرض موسمه الثاني قبل أشهر قليلة.  

بحيث تماهت اللعبة الدرامية المتخيلة مع المخاوف القائمة، ومهدت لنجاحه وتقبله جماهيرياً، وفي بعض الأحيان تمكنت الدراما من تشويش الجمهور وإثارة شكوكه حول ما إن كان ما يتابعونه حقيقياً أم متخيلاً. وهي نقطة تسجل للعمل في التوثيق وتمكنه من محاكاة طبيعة الحياة في طهران عبر الاستعانة بشوارع مدينة أثينا، إضافة إلى الاقناع في عملية "الكاستينغ" التي استعانت بممثلين يهود من أصول إيرانية، وفي مقدمهم بطلة العمل نوف سلطان بدور تمار. 

(تمار) عميلة الموساد التي تدخل طهران بوصفها مقرصنة (هاكر) مهمتها تعطيل الكهرباء والرادار الإيراني تمهيداً لاختراق الطائرات الإسرائيلية وقصف المفاعل النووي، فيما تتحول مهمتها في الجزء الثاني إلى ثأر شخصي بسبب إعدام خالتها بتهمة الخيانة والتخلص من الجنرال"محمدي" رئيس الحرس الثوري. وهما مهمتان دراميتان خياليتان، لكنهما تتقاطعان مع ما يحدث في الواقع من استهداف إسرائيلي دائم لمواقع إيران العسكرية في الخارج، واختراقات سبيرانية واغتيال شخصيات ايرانية رفيعة كان أبرزهم الجنرال قاسم سليماني مطلع 2020.  

عدد من الملاحظات التي تسجل في هذه الدراما، أبرزها احترافية السيناريو في خلق أجواء الإثارة التي تتطلبها دراما الجاسوسية، رغم كونها دراما مبالغا بها وغير مقنعة من حيث المبدأ ومخاطر دخول عميلة للموساد إلى طهران وتجولها طوال العمل بشكل علني رغم علمها أنها ملاحقة وأن أمرها قد كشف منذ اللحظات الأولى لدخولها، وهو مرتكز درامي بنيت عليه لاحقاً سلسلة مفتعلة لنقلات تبادلية تظهر تارة تفوق الموساد وتارة أخرى تفوق الأمن الإيراني.  

أبرز العمل أيضاً الذكاء الحاد والتفوق التقني والعسكري لإيران، وهو توجه من المفترض أنه يرضي غرور الجانب الإيراني، وبخاصة أن المسلسل أظهر عميلة لإيران على أعلى المستويات زرعت داخل الموساد.  لكنه من الجانب الإسرائيلي بدا أنه موجه لإظهار مقدرات العدو وعدم الاستخفاف بها، وبالتالي نشر مخاوف نفسية أكبر لدى الجمهور الإسرائيلي بسبب مدى مهارات العدو وأهمية منح الدعم الشعبي للحكومة للتخلص من هذا (البعبع).  

صيغ العمل من وجهة نظر إسرائيلية، وانصب تركيزه على إظهار المجتمع الإيراني الشاب بوصفه تواقاً للحريات بشكل عام، ومررّ مظاهرة عابرة ضد الحجاب تقمعها مسيرة من عناصر الباسيج، بحيث بدت في تفاصيلها مشابهة لما يحدث باستمرار من احتجاجات شبابية ونسوية ضد الحجاب، وآخرها الاحتجاجات المستمرة منذ مقتل الشابة مهسا أميني  قبل أكثر من أربعين يوماً.  

كما أبرز –بحسب رؤيته- فساد الطبقة المقربة من النظام الإيراني، وتمتعها بالثراء الفاحش وحياة  الرفاهية وهوسها في اقتناء السيارات الغربية الفارهة وتعاطي الكحول والمخدرات والانغماس في أجواء حريات وممنوعات سمحت لهذه الطبقة فيما حُرّمت جذرياُ على باقي الشعب، الذي عبر عن صوته بمشهد مقتضب للغاية وعلى لسان سائق التكسي الذي يعاني مثل باقي أفراد الشعب من تأثير العقوبات الغربية والغلاء بسبب انهيار العملة.   

كثيرة هي الملاحظات، لكن أهم ما يمكن التوقف عنده في مسلسل (طهران) هو إبراز تفاصيل دقيقة ومهمة في سلوكيات الأجهزة الأمنية وآلياتها وتأثيرها ومدى اختراقها للحياة العامة والشخصية، ليس فقط ما يخص الجهاز الأمني الإيراني، بل الحديث عن جهاز الموساد أيضاُ، وعدم الوثوق به، واستعداده للتخلص من أهم عملائه في أي وقت تقتضي فيه المصلحة بذلك، مهما كانت مكانة هؤلاء العملاء، ومهما قدموا له من تضحيات أو من خدمات جسيمة.      

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.