نحن أمام جيل جديد يعكس رؤية جديدة لعصر جديد بكل ما فيه - صورة تعبيرية
نحن أمام جيل جديد يعكس رؤية جديدة لعصر جديد بكل ما فيه - صورة تعبيرية

مقابلة سفيرة السعودية في واشنطن الأميرة ريما بنت بندر التي تحدثت بها إلى قناة الـCNN  لافتة جدا، والأميرة بحديثها باللغة الإنكليزية المتقنة حد الاكتمال تثير الإعجاب لا بمهاراتها اللغوية وحسب، بل بقدرتها السياسية على المناورة الذكية وتسديد الأهداف المرتدة امام أسئلة تشبه كمائن من حقول الألغام.

نحن أمام جيل جديد يعكس رؤية جديدة لعصر جديد بكل ما فيه، الأميرة عبرت عن ذلك بوضوح في تلك المقابلة وبلغة غاية في الفصاحة أكدت أن أي تحليل سابق قبل خمس سنوات لم يعد صالحا اليوم لتحليل العلاقات مع السعودية (وهذا قد ينعكس على دول أخرى في المنظومة الخليجية)، وتضيف الأميرة السعودية الأنيقة بحضورها وكلامها في تعريف مختصر شامل وجامع ومانع أنهم مجموعة من الشباب بقيادة شابة يريدون التعامل مع العالم بقواعد جديدة!!

هذا ينطبق على الإمارات أيضا، التي تلعب السياسة بقواعد جديدة سمعتها شخصيا قبل عامين في أبوظبي، وقد فهمت حينها من محدثي أن الإمارات تبحث عن رؤيتها ومصالحها ضمن منظومة إقليمية قائمة على الشراكة والتنمية التشاركية.

نحن أمام عالم جديد يأخذ شكله الجديد بتسارع مستمر، وإقليم كان اسمه "الشرق الأوسط" بدأ يبحث عن هويته "الإقليمية التشاركية" كشريك في العلاقات الدولية لا متلقيا لتبعاتها كما اعتاد في سيرة تاريخه المتخم بالأزمات، حتى العراق الذي كان إلى وقت قريب بعد سقوط نظامه الدكتاتوري حالة يائسة، بدأ الأمل يتشكل فيه رغم كل الصعاب التي تواجه عملية تنظيف كل هذا الركام من الفوضى الدموية فيه، هناك بين كل تلك الأنقاض تبرز رؤية "عراقية" تحاول أن تثبت نفسها ومرتهنة بالدعم الإقليمي البعيد عن إيران.

طبعا، إسرائيل جزء من هذه المنظومة الجديدة، وهذا لا يعني "هيمنة إسرائيلية" كما يحلو لإنشائيات المقاومجية أن تتحدث، بل بالأحرى ولمن يراقب ويتابع فعلا، دخول إسرائيل لتلك المنظومة الجديدة يخضعها لشروط المنظومة نفسها بالشراكة الندية وهذا يعني أن إسرائيل العالقة برؤية يمينية متشددة لا يمكن أن تنجح في العبور إلى منطقة الأمان الإقليمي إلا بتغيير مزاجها السياسي العام وهذا ما ستقرره الانتخابات القادمة والوشيكة.

لبنان الذي وقع اتفاقية ترسيم الحدود مع جارته إسرائيل فعليا اعترف بالحدود الدولية، وهذا ليس انتصارا لأحد أكثر من اللبنانيين أنفسهم في تحصيل حقوقهم من ثروات طبيعية في مياه إقليمية وحدود معطلة ومشلولة بخطوط هدنة أسقطتها الاتفاقية واقعيا فلم يعد هناك "خطوط هدنة" مما يعني تباعا حدود دولية معترف بها تحتاج إدارة مشتركة بين الدول ذات السيادة مما يعني بالضرورة تفاهمات ولو بالحد الأدنى من "تطبيع" العلاقات بين دول تجاوز بعضها، أو الحرب من جديد!

سوريا، المعضلة التي تبحث عن حلولها المرتهنة في كل الحلول الإقليمية المتبقية، مصير تلك الحلول ليس في دمشق التي لم تعد تملك قرارها، بل في التسويات الإقليمية وعلى رأسها التسوية "القريبة جدا" مع إيران، مما يجعل حزب الله وباقي مليشيات "المقتلة السورية" مجرد عصابات تهريب خطيرة أمنيا تحتاج معالجة أمنية إقليمية موحدة.

الضفة الغربية - وهذه لها مقال موسع آخر بعد اكتمال المعلومات التي تتابع بسرعة- أمام خيارات محدودة مرتبطة بإسرائيل أكثر من غيرها، فإما استمرار سياسة التعنت في إدارة الاحتلال عبر وكلاء أمنيين تمت صياغتهم على شكل سلطة انتهت فعليا صلاحيات قياداتها، أو البحث عن حلول مبتكرة تماما مع شركاء "أيضا مبتكرين تماما" او مواجهة انفجار موجات عنف ارتدادية ليست في مصلحة أحد.

هنالك حديث عن تفاهمات بأقصى الحدود الدنيا ومن بعيد بين "غزة بكل مكوناتها" وتل أبيب من ناحية تسييس الأزمة امام هجمة مضادة "مقاومة" تسعى لعسكرتها، مما قد يضع غزة في سيناريو منفصل عن رؤية جديدة لوضع الأراضي المحتلة في الضفة الغربية، وقد لا يكون ذلك كله أمام هوية فلسطينية مكتملة كل ما تحتاجه لترتاح "وتريح من حولها" كيان دولة!

الأردن، المنشغل بأزماته الداخلية بين إصلاح متعثر واقتصاد مختنق وملفات إقليمية تضيع فرصه بريادتها تباعا بحاجة إلى جرعة ثقة في قراره السياسي للتقدم نحو الأمام بدون رهانات الانتظار، وهي رهانات خاسرة بحكم أن التغيرات لا تملك ترف الانتظار نفسه.

نعم، هناك إقليم جديد يتشكل في العالم الجديد الذي يتشكل أيضا، والشراكة هي عنوانه والتاريخ إما أن يكون درسا للعبرة أو يبقى إرثا ثقيلا على أكتاف من يحمله في جغرافيا معظم سكانها جيل شباب يبحث عن فرصته في هذا العالم، وقادر على التواصل مع نفسه بعيدا عن كل الحدود والمحددات والموروث المتهالك.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.