موجات الحر والجفاف تساعد على انتشار الحرائق والأمراض والأوبئة والمجاعات
موجات الحر والجفاف تساعد على انتشار الحرائق والأمراض والأوبئة والمجاعات

ترافقت الثورة الصناعية والتكنولوجية في المائتي سنة الأخيرتين مع وتيرة عالية من النمو السكاني. ما أدى إلى استهلاك الموارد الطبيعية وتدمير البيئة، بسبب الإسراف في استهلاك الوقود الأحفوري في المصانع والمعامل ومختلف أدوات الإنتاج وفي المنازل. فازداد معدل انبعاث الغازات المسببة للاحتباس الحراري، وتسارعت ظاهرة التصحر وتقليص المساحات الخضراء والغابات، ناهيك عن الأمطار الغزيرة، والفيضانات المدمرة، والعواصف والأعاصير التي تهدد بتدمير مناطق واسعة وتهجير سكانها، وموجات الحر والجفاف التي تساعد على انتشار الحرائق والأمراض والأوبئة والمجاعات والتهجير أيضا.

ويشكل كل ذلك تهديدا أمنيا على الصعيد العالمي، خصوصاً عندما نوسع مفهوم الأمن ليشمل الأمن البيئي والاقتصادي والبشري.

وتفاقم الوضع في الصيف الفائت مع ما حمله من موجات جفاف استثنائية وصلت إلى أوروبا وأشعلت غاباتها وتسببت بأضرار بحيث باتت تستدعي تدابير طوارئ. في المقابل تنشغل القوى السياسية والحكومات  بالتسابق على السلطة وعلى الهيمنة، وعلى مزيد من إنتاج السلاح وتسويقه، خصوصاً بعد الحرب المتفاقمة على أوكرانيا.

فالحكومات تنشغل دائما بمواجهة ما يستجد من مشاكل وتهمل ما يهدد مستقبل الكوكب والبشرية. أوروبا الآن تعاني من نقص في مادتي الغاز والفيول، ما يهدد اقتصادياتها. فبدأ التقنين الكهربائي في المؤسسات الحكومية وبعض المرافق ليلا، ويتخوفون من شتاء قارص.  

لكن المواطن الأوروبي لا يبدي الاستعداد اللازم لتغيير أنماط سلوكه واستهلاكه. لفت نظري في هذا السياق خبر عن اقتراح قدمه رئيس وزراء ولاية "بادن فورتمبيرغ" الألماني، وينفرد كريتشمان، أعطى نموذجاً للاستهلاك الرشيد للطاقة، فنصح باستخدام، ما كان شائعاً في السبعينات في أوروبا، بمسح الأجسام بمنشفة مبللة مع الصابون بدلاً من الاستحمام، مضيفاً أنه يستخدم سيارة كهربائية، ولديه لوح شمسي ضخم على سقف بيته لتسخين المياه على مدار ربع قرن، كما يقوم بتدفئة غرفة واحدة فقط بمنزله الضخم.

نُعت اقتراح المسؤول الألماني السابق "بالغريب" من قبل وسيلة الإعلام التي أوردت الخبر. ونقل أنه أثار جدلاً واسعاً بين المواطنين. لأن الرفاه أصبح ضرورة، ناهيك عن الإسراف على جميع المستويات، في الاستهلاك عموما وفي التدفئة والتكييف.

وتسببت الحرب على أوكرانيا في نقص إنتاج الطاقة والاضطراب في توزيعها، بحيث بات الوضع في أوروبا يطرح مشاكل اقتصادية واجتماعية جمة، لكنها تتسبب أيضا بنقص في الموارد الغذائية واضطراب توزيعها، ما يهدد شعوب البلدان الفقيرة بالمزيد من الفقر والمرض إلى حد المجاعة وتهديد الأرواح.

وما نلاحظه على هذا الصعيد أن من يستهلك أكثر ويتسبب بتلوث أكبر يعاني أقل ممن يستهلك القليل من الموارد ويتسبب بالحد الأدنى من الأضرار. وهذا ينطبق على المستوى "الماكرو" بين البلدان، و"الميكرو" داخل كل بلد.

سأعطي المثل من مونريال، التي تنشغل كثيراً بأثر الاحتباس الحراري على البشر وعلى "الإيكوسيستم"، الذي يهدد التوازن البيئي والتنوع البيولوجي للكائنات الحية. إضافة الى أنه يعدّ محفزاً لزيادة اللامساواة الاجتماعية.

خصصت صحيفة 24 ملحقاً خاصاً عن أثر موجات الحر هذا العام على السكان في مونريال. الأمر الذي أثار حزني وشجني عند مقارنة حكومتهم بحكومتنا، لأن معاناتهم أخف بما لا يقاس من جهنم التي رمي فيها اللبنانيون، فبعد أن سرقتهم، حرمتهم من الكهرباء للإضاءة ومن مياه الشرب، مع لذلك من آثار صحية هائلة، وآخر مثل على ذلك سهولة تفشي الكوليرا حالياً.

أقامت الصحيفة مقارنة بين الأحياء المختلفة في مونريال، الغنية التي تحظى بأشجار ظليلة وبيوتها واسعة ومرفهة ومكيفة، والأحياء الفقيرة المكتظة قليلة الأشجار (وليس المعدومة بالطبع كما في بيروت)، عبر قياس درجات الحرارة في تلك المناطق. فوجدوا فارق 8 درجات بين المناطق. والاستنتاج أن العيش في قصر أو في فيلا في (المون رويال) مكيفة مختلف عن العيش في مناطق أخرى، حيث البيوت مكتظة وضيقة ولا تحتوي التكييف، ونسبة المساحات الخضراء لا تتعدى فيها 3,9% مقارنة بنسبة 11,4% في المناطق الأغنى. إضافة إلى أن المناطق الأفقر تكون أقرب إلى المصانع والمعامل، وتتسبب بتدهور صحة ساكني الجوار. وهنا أشارت الصحيفة إلى أن الأكثر تعرضاً للحرمان على هذا الصعيد هم المهمشون من السكان المحليين والنساء والمهاجرين.

إذن التدهور المناخي والظلم البيئي لا يؤثر على الجميع بنفس الطريقة لأنه مرتبط بعائد الأسر ووضعها الاجتماعي. طبعاً عرض المتخصصون لكثير من الاقتراحات التي تعالج المشكلة وتحفظ العدالة، كي لا تعاني تلك الأسر من الآثار الصحية المرتبطة بالحرارة وبوجود عوامل تلوث إضافية تتسبب بها معامل لا تراعي الشروط الصحية.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن التفاوت بين البيئات الاجتماعية واللاعدالة ينطبق أيضا على مستوى التفاوت بين البلدان الفقيرة وتلك الغنية. والبلدان الغنية كالأسر الغنية، تستهلك طاقة أكبر وتلوث بنسبة أعلى بكثير وتعاني أقل.

تشير التقارير إلى أن نسبة 1% من السكان الأكثر غنىً في جميع أنحاء العالم مسؤولين عن 50% من انبعاثات غاز ثاني أكسيد الكربون (CO2). بينما توزع نسبة الـ 50% الباقية على 99% من السكان.

في منطقتنا نجد مناطق عطشى وحكومات عاجزة أو فقيرة لا تخطط ولا تتخذ التدابير اللازمة لتوفير الأمن بالمعنى الشامل لمواطنيها. مقابل حكومة بلد غني مع ثروات بيئية متنوعة ككندا تبحث وتخطط كيف تحافظ على البيئة وعلى راحة السكان وصحتهم.

لقد بدأ الحديث في مونريال عن اعتماد نماذج لبناء منازل صديقة للبيئة في السنوات القليلة المقبلة، ستكون باختصار كالتالي: بيوت أصغر لتستهلك طاقة أقل وأقرب من بعضها البعض في أحياء أكثر كثافة لتوفير الحاجة إلى استخدام الطرق وبالتالي الطاقة، وبيئة خضراء حول المنزل وفي داخله.

كما ستكون البيوت من مواد معاد تدويرها أو قابلة للتدوير لأنها قابلة للتفكيك وإعادة استخدام موادها. استخدام التدفئة عبر الكهرباء المنتجة من الماء أو اعتماد المياه الجوفية الساخنة، واستخدام الدعائم الخشبية والتقليل او الاستغناء عن الباطون المسلح.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.