ظهرت تسريبات عن محاولات أردنية لتشجيع الأحزاب العربية على خوض الانتخابات
ظهرت تسريبات عن محاولات أردنية لتشجيع الأحزاب العربية على خوض الانتخابات

تترقب الأوساط السياسية والإعلامية الأردنية، انتخابات الكنيسيت الإسرائيلي المقررة في الأول من نوفمبر المقبل، وعلى مبعدة بضعة، تدور نقاشات وتكهنات حول ما الذي ستأتي به الانتخابات المبكرة الخامسة في إسرائيل في غضون ثلاث سنوات، وهل ستختلف النتيجة هذه المرة، وكيف ستنعكس نتائجها على الوضع الفلسطيني، واستتباعاً على مصالح الأردن وحساباته؟ 

لكن اهتمام النخبة الأردنية بالانتخابات الإسرائيلية، لا يوازيه اهتمام مماثل من قبل الرأي العام، الذي يلخص لسان حاله الموقف في مناسبة كهذه بالقول: "الخل أخو الخردل"، تعبيراً عن قناعة راسخة بانعدام الفوارق بين الأطراف الإسرائيلية، إذ حتى حين تتباين أقوال المسؤولين الإسرائيليين ونبرات تصريحاتهم، فإن أفعالهم على الأرض، تكشف المستور، والمستور هنا، هو تنكر تام لحقوق الفلسطينيين في دولتهم وعلى أرضهم، واستعداد للدفع بحلول بديلة في الأردن وعلى حسابه. 

وفقاً لمختلف التقديرات التي تأتي بها استطلاعات الرأي المتكاثرة في إسرائيل، فإن غالبية مقاعد الكنسيت القادمة، ستكون من حصة اليمين واليمين المتطرف، دينياً وقومياً (الليكود 31-32 مقعد، الصهيونية الدينية _12- 14 مقعد، شاس ويهودوت هاتوراة 7-8 مقاعد لكل منهما، المعسكر القومي 12-13 مقعد، إسرائيل بيتنا 6-7 مقعد)...أما ما يسمى تيار الوسط "يش عتيد" بزعامة يئير لبيد، فمن المتوقع أن يحصد على ما يقرب من 25 مقعداً، في حين يحظى اليسار (العمل وميريتس) بأربعة إلى خمسة مقاعد لكل منهما، وستهبط حصة العرب إلى ما دون العشرة مقاعد وفقاً لنسبة إقبال الناخب العربي على الاقتراع، وقد تغيب واحدة أو اثنتين من قوائمهم الثلاث المتنافسة، من دون استبعاد سيناريو أن نكون لأول مرة، أمام كنيست خالٍ من النواب العرب، إذا ما تدنت نسبة الاقتراع في أوساطهم. 

معنى ذلك أولاً: أن اليمين الإسرائيلي سيسيطر على 75 مقعداً في الكنسيت من أصل 120 مقعداً، وربما يصل الرقم إلى ثمانين مقعداً فما فوق، مع ملاحظة، أن ما يسمى بـ"الوسط" في إسرائيل اليوم، ليس من قماشة الوسط قبل عشرين عاماً، واليسار الصهيوني اليوم، تائه وفاقد لهويته، وهو ينزاح بدوره صوب اليمين، ولا يجد غضاضة في التحالف مع أكثر مكوناته تطرفاً، وابتلاع مواقفه وسياساته التي اشتهر بها وروّج لها، بالذات في تسعينات القرن الفائت. 

ويعني ذلك ثانياً: أنه إن قُدّر للمعسكر اليميني بزعامة نتنياهو، تشكيل ائتلافٍ يتجاوز حاجز الستين مقعداً، وهذا أمر محتمل، ومرجح إن تراجعت معدلات تصويت العرب، فليس مستبعداً أن يكون "الكهانايون الجدد" المنضوين في إطار "الصهيونية الدينية"، ركناً ركيناً في الحكومة الإسرائيلي، وهم الذي كانوا حتى الأمس القريب، مدرجين في قوائم الإرهاب الإسرائيلية، بعد جريمة الاعتداء على المصلين العزل في المسجد الإبراهيمي في الخليل، وأن يصبح الرمز الأكثر عدوانية وتطرفاً للاقتحامات والانتهاكات المتكررة للحرم الشريف، وزيراً للداخلية في حكومة نتنياهو القادمة، كما تقترح عدة تسريبات عن المفاوضات الائتلافية المبكرة التي تجريها الأحزاب. 

أما المعنى الثالث لخريطة الكنيست المقبل، كما تلوح في أفق الاستطلاعات، فهو أن ثمة غالبية تلامس الثلثين، تلتقي حول العناوين السياسية والعقائدية الرئيسة ذاتها، وأن خلافاتها وانقساماتها، إنما تندرج في سياق التنافس على السلطة وحول شخص نتنياهو أساساً، فهذه القوى، مُجمعة على رفض "حل الدولتين" ومؤمنة بزيادة وتائر الزحف الاستيطاني، وتؤيد انتهاج "قبضة حديدة"، ليس ضد غزة وحماس فحسب، بل وفي الضفة الغربية وضد السلطة الفلسطينية ذاتها، كما تَبدّى في مواجهات الأسابيع الأخيرة...أما الإجماع الإيديولوجي الأعمق، فيتمحور حول تعزيز السيادة الإسرائيلية على "العاصمة الأبدية الموحدة"، من خلال تسريع برامج التهويد والأسرلة وطرد العائلات الفلسطينية وتهديم منازلها، ودائماً على حساب الرعاية الهاشمية للمقدسات، وبما ينتقص منها يوما إثر آخر. 

هنا، لا يختلف أداء حكومتي نفتالي بينت ويائير لبيد، عن أداء حكومات نتنياهو المتعاقبة، بل أن تقارير المنظمات الحقوقية الإسرائيلية والأممية المستقلة، لَحظت ارتفاع وتائر الاستيطان في القدس والضفة، وزيادة أعداد المنازل المهدمة، وتشريد العائلات، وارتفاع أعداد القتلى والجرحى في الضفة (حوالي 185 قتيل منذ بداية العام الحالي)، حتى أن مندوبة الولايات المتحدة في مجلس الأمن، صرحت بأنها فاقت أعدادهم منذ العام 2006، أي منذ نهاية انتفاضة الأقصى (الانتفاضة الثانية). 

أما بخصوص الوضع في المسجد الأقصى، فإن "التقسيم الزماني" للمسجد، قد حدث بالفعل في عهد حكومتي "الوسط"، وليس في عهد حكومات نتنياهو، إذ تّعمد القوات الإسرائيلية على نحو روتيني ومتكرر مؤخراً، على إخلاء باحات المسجد وساحته من المصلين المسلمين، توطئة لإدخال المصلين (وليس الزائرين) اليهود إلى حرمه، حيث يقوم هؤلاء بأداء الصلوات اليهودية داخل المسجد، واستعراض الطقوس التلمودية على نحو استعراضي واستفزازي، من دون أن تتمكن "الأوقاف الإسلامية" من فعل شيء، لرعاية المسجد وحماية المصلين، وصيانته من أضرار الاقتحامات.

أول ما يعنيه، أن فرص قيام دولة فلسطينية "قابلة للحياة"، حتى لا نقول مستقلة وسيّدة، قد تراجعت، إن لم نقل انعدمت، بوجود 750 ألف مستوطن في الضفة، وهو رقم يفوق بثلاثة أضعاف، ما كان عليه تعدادهم، عند توقيع اتفاق أوسلو واتفاقية وادي عربة... والدولة الفلسطينية كما يعلم القاصي قبل الداني، هي "مصلحة أردنية وطنية عليا" كما تؤكد مراراً وتكراراً دوائر القصر والحكومة في عمان، وهي خط الدفاع الأردن، عن "الكيان" و"الهوية" الأردنيين، وسقوط هذا الجدار، سيفتح الباب أمام شتى أنواع المخاطر على الأمن والاستقرار الأردنيين.

قبل أيام قلائل، كنت في حوار مع وفد أوروبي كبير زائر، وبعد محاضرة حملت عنوان هذه المقال – تقريباً – سألني أحدهم، ماذا في ظل رفض إسرائيل لحل الدولتين، والدولة الواحدة بحقوق متساوية، هل ثمة فرصة لمشاريع من سلة "الخيار الأردني"... قلت: إن البديل لهذا الانسداد، هو تفاقم العنصرية "والأبارتيد" في إسرائيل، أما بالنسبة للأردن، فإن أي خيار، لا يلحظ نهاية الاحتلال الإسرائيلي وقيام دولة سيدة على خطوط 67، لن تكون مقبولة، لا من الفلسطينيين على ضفتي النهر، ولا من الأردنيين بخاصة، وأن أي ضغوط ستبذل على الأردن للانصياع لسيناريو من هذا النوع، ستكون وصفة خراب وعدم استقرار في الأردن، وسيتحول الصراع من كونه فلسطينياً – إسرائيلياً، إلى صراع أردني – فلسطيني، لا يريده أحدٌ ولا يشتهيه، اللهم باستثناء اليمين المهيمن على المشهد الإسرائيلي.

ويعني "الانسداد" أردنياً كذلك، تفشي حالة عدم الاستقرار في الضفة الغربية، وإضعاف منهجي منظم لحليف عمان فيها، السلطة الفلسطينية، وتعزيز مكانة الفصائل الأكثر راديكالية، من يسارية وإسلامية، وربما تفاقم موجات المواجهة العنيفة كما حصل في الأسابيع الأخيرة، بدءاً بجنين ونابلس، وربما في مدن أخرى، وهذا أمر ستكون له تداعياته المباشرة على حالة الاستقرار في الأردن، فحالة الغضب والاحتقان الناجمة عن الضائقة الاقتصادية والانسداد السياسي الداخلي في البلاد، لا ينقصها للاشتعال، سوى "شرارات" و"شظايا" تتطاير عليها من الضفة الأخرى للنهر المقدس. 

وإذا كانت إسرائيل لا تدخّر جهداً لتحطيم فرص قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، فإن إجماع أحزابها من يمين ووسط ويسار (بطبعاتها الجديدة الأكثر تشدداً) ينعقد حول رفض حق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي أخرجوا منها....وثمة تقدير بوجود أربعة ملايين لاجئ فلسطيني في الأردن، ثلاثة ملايين منهم يحملون الجنسية الأردنية، وقرابة المليون (بدون)، وهؤلاء من سكان المناطق التي يتعين أن تكون جغرافيا / إقليم الدولة الفلسطينية العتيدة...وهذا عبء يتحمله الأردن، ويسهم في تخليق أزمات حول "الهوية" و"الاندماج" ويقف عقبة في وجه مشاريع الإصلاح بعامة...عودة هؤلاء اللاجئين، بدءاً بالذين لا يحملون الجنسية الأردنية منهم، هو مصلحة أردنية عليا، لا يبدو أنها تحظى باهتمام القوى المتنافسة على المقاعد في انتخابات الأول من نوفمبر القادمة، ولا يجد الأردن شريكاً إسرائيلياً له لمعالجة هذا الملف الثقيل. 

أما المصلحة الثالثة، بعد الدولة والعودة، فتتجلى في الحفاظ على "الوصاية الهاشمية" على المقدسات، الإسلامية والمسيحية، وهي مهمة تبدو مستحيلة في ظل حالة "الهوس" التي تجتاح جموع اليمين الديني – القومي - الاستيطاني للتعدي على الأقصى وأملاك الوقف الكنسي والإسلامي، وأسرلة القدس وتهويدها، وعندما سئلت في اللقاء المذكور، عمّا إذا كانت هناك منافسة سعودية للأردن على الوصاية، أجبت: بإن إسرائيل قررت الاحتفاظ بهذه المهمة لنفسها، وعلى طريقتها، وبما يخدم أهدافها، وهدفها النهائي، هو محو الطابع العربي الإسلامي – المسيحي للمدينة، وفرض طابع يهودي عليها، بالضد من قرار الأمم المتحدة واليونيسكو والشرعية الدولية ومرجعيات عملية السلام.

ليس خافياً على أحد، أن دوائر صنع القرار لا تريد أن ترى نتنياهو وقد عاد إلى مكتب رئاسة الحكومة في إسرائيل، ليس لأن خلفائه من بعده، سينتهجون سياسات وممارسات مغايرة، بل لأن "الكيمياء" تكاد تكون منعدمة بين القيادة الأردنية ورئيس الوزراء الأطول خدمة في إسرائيل... لا أظن أن القيادة الأردنية غافلة عن حقيقة أن بيت – لبيد، أو لبيد – غانتس، لن يأتوا بما لم يستطعه نتنياهو أو لم يرغب فيه... فقد اتضح لكل أعمى وبصير في عمان، أن "الخل أخو الخردل"، لكن خيارات الأردن في التعامل مع تطورات المشهدين الإسرائيلي والفلسطيني تبدو محدودة للغاية، أو أنه قرر إبقائها في حدود تجبنه الصدام والمواجهة، ليس مع إسرائيل فحسب، بل ومع الولايات المتحدة، وربما بعض العواصم الأوروبية.

لقد ظهرت تسريبات عن محاولات أردنية لتشجيع الأحزاب العربية على خوض الانتخابات، والعمل على رفع نسبة الاقتراع العربي، وتطورت العلاقات بين عمان والحركة الإسلامية الجنوبية "راعم" التي انخرطت في تحالف مع حكومتي بينت ولبيد، وكل ذلك بهدف تبديد شبح نتنياهو، الذي تدهورت الاتصالات السياسية بينه وبين عمان، كما لم يحدث منذ توقيع المعاهدة قبل 28 عاماً.

لكن مهما كان مصير هذه المحاولات، "تكتيكية" الطابع، فإن عمان مطالبة بالإجابة عن سؤال استراتيجي حين يتعلق الأمر بمصالحها العليا في أي حل نهائي للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي (الدولة والعودة والرعاية والاستقرار الداخلي من بين مصالح أخرى أقل أهمية): أين تتجه العلاقات بين الأردنية – الإسرائيلية؟... نحو مسار صدامي ومواجهات لاحقة، أم نحو مسار تعاوني، يميز بين ما هو ثنائي في هذه العلاقات، وما يرتبط منها بالملف الفلسطيني بفصوله الساخنة والمتفجرة؟ 

حتى الآن، لا يبدو أن عمان قد حسمت أمرها، فالعلاقات على المستوى الرسمي في حالة جيدة، والاتفاقات المبرمة في السنوات الأخيرة، تزيد في "اعتمادية" الأردن على إسرائيل، وفي مجالات حيوية واستراتيجية كالمياه والطاقة، وتلكم قضية يجد الرأي العام بمكوناته المختلفة، صعوبة في فهمها أو الموافقة عليها.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.