الرهان على شرعية المنجز هو طوق النجاة للسوداني
الرهان على شرعية المنجز هو طوق النجاة للسوداني

ما إن أعلنت القائمة النهائية لتشكيل حكومة السيد محمد شياع السوداني، حتى تذكرت المقطع الشهير للممثل المصري عمرو عبد الجليل في فيلم "كازابلانكا"، حيث يقول: "دعونا ننسى أخطاء الماضي، ونعمل أخطاء جديدة!".

وهذا هو التعبير الأدق لإصرار قادة الكتل على ترشيح الوزراء في حكومة السوداني، إذ كان الترشيح إعلانا صريحا عن إعادة تكرار أخطاء الماضي بإعادة تدوير الوزراء، أو ترشيح آخرين بعيدين عن التخصصات المهنية للوزارة، وحتى تقديم وزراء تدور حولهم الكثير من الشبهات في الدورات الحكومية الماضية أو في المناصب التي كانوا يشغلونها قبل أن يرشحوا كوزراء. لكن الأكثر مرارة هو القصدية التي تعمد من خلالها بعض زعامات الكتَل السياسية على إهانة مؤسسات وشرائح واسعة من الطبقة الوسطى عندما جرى ترشيح شخصيات سياسية من حاشية "الزعيم" المقربين ليتولى الوزارة.

في حكومتي عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي تحايلت الكتل السياسية على الجمهور بطرح وزراء تكنوقراط كمحاولة لتغيير وجه المحاصصة مع الإبقاء على المنهج المعتاد، وكانت تجربة مسيئة جدا لعنوان التكنوقراط الذي يفترض أن يمثله الخبراء والمختصون الذين لديهم رؤية وقدرة على إدارة مؤسسات الدولة. لكنهم لم يكونوا أكثر من واجهات لإدارة الوزارات من قبل مكاتب اقتصادية تابعة للأحزاب التي رشحتهم. وفي حكومة الكاظمي تحديدا كان بعضهم مجرد شخصيات ديكورية مهمتها الموافقة على القرارات التي يصدرها رئيس مجلس الوزراء، وتنفيذ الصفقات التي يعقدها رئيس الحكومة وحاشيتها، ولعل فضائح الفساد التي كشفت أو التي ستكشف لاحقا خير دليل على ذلك. 

وبعد هذا النجاح الباهر الذي حققته القوى السلطوية في تشويه سمعة "التكنوقراط"، عادت مزهوة مرة أخرى إلى المحاصصة الحزبية في تقديم مرشحيها للوزارات، والمعيار الأول والأخير هو الولاء لزعيم الحزب أو التيار السياسي. وقد تكون هذه أولى الخطايا التي سوف تحسب على حكومة السوداني. ولكن قد يعتبرها البعض تبريرا مسبقا للسوداني على اعتبار أنه لم يكن مطلق اليد في اختيار فريقه الحكومي، بيد أنه سيبقى المسؤول الأول عن الأداء السياسي للحكومة، وهذا ما صرح به في أول جلسة لمجلس الوزراء، بقوله: "المسؤولية تضامنية في مجلس الوزراء، الكل معنيون بالقرار والدفاع عنه".

لقد برهنت المحاصصة -سواء أكانت بوجهها الصريح أو المتخفي تحت ستار التكنوقراط- على أنها آلية للنكوص لا التقدم، وأنها لا يمكن أن تنتج إدارة كفوءة للبلاد، وكل ما تنتجه إدارة مأزومة لعلاقات الكتل غير المنسجمة، حيث تتحول الحصة إلى غنيمة وأداة لتعظيم المكاسب، والتخطيط إلى وسيلة لاستثمار الحصة سياسيا، فتغدو كل المصطلحات الإدارية المرتبطة بالأداء للوزارات مندرجة في إطار الصراع السياسي، لتصبح الحكومة موضوعا للصراع على تحقيق المصالح الحزبية، لا أداة لتحقيق متطلبات الشارع واحتجاجاته.

ربما ينطلق محمد شياع السوداني من تصور واقعي، ولا يريد تجميل الواقع القبيح للمحاصصة السياسية في تشكيل الحكومة، فهو أولا وأخيرا لم يصل إلى المنصب بالانتخاب المباشر من قبل الشعب، وليس زعيما لكتلة سياسية حصلت على أغلبية المقاعد حتى يختار فريقه الوزاري ويمرر حكومته بأريحية داخل مجلس النواب. فهو مرشح قوى الإطار التنسيقي وحكومته تعبر عن تحالف إدارة الدولة الذي يتكون من كتل وأحزاب سياسية متعددة، وليست من لون سياسي واحد. 

لم ينجح السوداني في إقناع الكتل السياسية بأن تشكيل "حكومة خدمات"، (كما رفعت شعارها قوى الإطار التنسيقي)، يحتاج إلى فريق وزاري يتمتع بمعايير الكفاءة والمقبولية لدى الجمهور، وليس لترضية الحاشية المقربة من زعماء الإطار التنسيقي. وقد تكون أولى مؤشرات الضعف على حكومة السوداني فقدانها الثقة بين المواطن والحكومة، لا سيما أن شخصيات عدد من الوزراء ستكون مرتبطة بكتلها السياسية وتخدم مصالحها ومصالح زبائن الأحزاب وليس المواطن.

الاختبار الحقيقي الذي ينتظر السيد السوداني هو كيفية التصرف كرجل دولة، وليس كرجل يبحث عن ترسيخ بقائه بالسلطة. وعليه أن يستفيد من فشل تجربة رؤساء الحكومات السابقة الذين رهنوا مصيرَهم السياسي بتقديم التنازلات تلو التنازلات للزعامات السياسية على أمل تجديد الثقة بهم والحصول على ولاية حكومة ثانية، حتى بلغت تضحياتهم إلى مستوى التضحية بهيبة الدولة وسيادتها، وحتى كرامتهم الشخصية! لذلك فإن السوداني يواجه تحدي التوازن بين ما يريده الشارع ويُعد من أولويات حياته اليومية، وبين رغبات الكتل السياسية التي تعودت التنمر على الدولة وسرقة مواردها والتعامل مع وزارات الدولة كدكاين لها ولأحزابها.

التحديات أمام السوداني خطيرة، ولكن الاستجابة لها ممكنة ومقومات النجاح متوفرة. فحكومته حصلت على الدعم والمباركة من أهم الدول التي يرتبط معها العراق بمصالح إقليمية ودولية، وإن ارتفاع أسعار النفط الذي أسهم بوفرة مالية تجعل الحكومة قادرة على البدء بتنفيذ مشاريع اقتصادية وتنموية تكون نتائجها ملموسة على المدى القريب. بالإضافة إلى دعم برلماني من تكتل سياسي كبير مشارك في هذه الحكومة.

لكن كل تلك المقومات، لا يمكن أن تراهن عليها حكومة السوداني إذا لم تكن لديها القدرة على تقديم المنجز الخدمي والاقتصادي للمواطن العراقي الذي ينتظر الكثير منها. ولا يمكن أن تستعيد ثقته إلا بخطوات جدية وفاعلة لاستعادة هيبة الدولة من جماعات السلاح المنفلت ومافيات الفساد والتدخلات الخارجية التي تعبر عن تجاوز خطير على سيادة الدولة العراقية. 

إن محاربة الفساد باستراتيجية واضحة وإرادة قوية، وعدالة توزيع موارد الدولة لخدمة الطبقات الهشة، واستعادة خطاب الدولة، ستكون أولى المعايير للحكم على نجاح حكومة السوداني أو فشلها. رئيس الحكومة الجديدة بين يديه فرصة حقيقة ليكون رقما صعبا في معادلة الزعامات السياسية الشيعية في الانتخابات القادمة، إذا عمل على تحقيق المنجَز السياسي والاقتصادي وتوفير الخدمات الأساسية للمواطن. فالرهان على شرعية المنجز هو طوق النجاة للسوداني ومفتاح الأبواب نحو الزعامة السياسية. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.