مشهد من الاحتجاجات على مقتل مهسا أميني في طهران. أرشيف
مشهد من الاحتجاجات على مقتل مهسا أميني في طهران. أرشيف

أطلق النظام الإيراني حملته الأمنية الأضخم والأعنف، الأحد، في محاولة تبدو أنها مفصلية لإنهاء الاحتجاجات قبل أن تكمل شهرها الثاني، فقد جهز النظام الأرضية لعملية قمع موسعة، مستثمرا الاعتداء المشبوه في توقيته على أحد المزارات الدينية في مدينة شيراز والذي تبناه مباشرة تنظيم داعش الإرهابي، وذلك في تحميل المحتجين ومن يقف خلفهم مسؤولية الفوضى الأمنية، الأمر الذي سمح للإرهابيين استغلال فوضى الاحتجاجات وتنفيذ اعتدائهم على زوار المرقد. وهذا ما سيوفر له ذريعتين الأولى الفوضى والثانية الإرهاب في عملية القمع.

عمليا، مهد قائد الحرس الثوري الجنرال، حسين سلامي، لخطة النظام الأمنية في كلمة ألقاها أثناء مشاركته في تشييع ضحايا اعتداء شيراز الإرهابي، السبت، حيث خاطب المحتجين قائلا: "تخلوا عن الأعمال الشريرة، اليوم يوم انتهاء أعمال الشغب، لا تنزلوا إلى الشوارع مرة أخرى".

موقف سلامي الحاسم جاء مدعوما ببيان مشترك صدر عن كافة أجهزة النظام الأمنية اتهم دولًا خارجية وعملائها في الداخل الإيراني بافتعال الاضطرابات وتحريض المواطنين على الفوضى، إذ أكد بيان الأجهزة المشترك أن هناك "معلومات تؤكد وجود تعاون بين المخابرات الأميركية والبريطانية والموساد الإسرائيلي في التمهيد لإثارة الاحتجاجات في إيران".

الأخطر في إجماع الأجهزة وفي لهجة الجنرال سلامي وفي المواقف التي صدرت عن رموز النظام، نوعية الاتهام، الذي سيكون ذريعة لعملية قمع غير مسبوقة في تاريخ الاحتجاجات الإيرانية، الأمر الذي يرجح دخول إيران في مرحلة عدم استقرار ودورة عنف خطيرة، وذلك ردا على قرار النظام التمسك بالخيار الأمني لحل أعقد قضية داخلية يواجهها النظام الإسلامي منذ تأسيسه.

فعليا بهذا القرار حشر النظام نفسه بزاوية واحدة هي القمع، وهو خيار غير مضمون النتائج وتداعياته السلبية قد تظهر مباشرة ولو بعد فترة وجيزة، حيث أن أمام النظام أياما معدودة للقضاء على الاحتجاجات بعد كل هذا التحشيد والذرائع، ما يعني أن السقف الزمني الذي أمامه في أبعد حد هو يوم الجمعة المقبل حتى يعلن عن قضائه شبه النهائي على ما يسميه الفوضى، لذلك قام بنشر مجموعات من الباسيج والحرس الثوري إضافة إلى عناصر أمنية أخرى داخل الجامعات الإيرانية وفتح مكاتب تنسيق أمنية في داخلها، وقامت أجهزة وزارة الداخلية بتطويقها حتى يتمكنوا من السيطرة على حركة الطلاب داخل الجامعات ومنعهم من تنظيم الاحتجاجات.

الواضح في هذه المواجهة العقائدية ما بين النظام الإيراني والشعب أن الأول في مأزق حقيقي لجأ إلى خيارات أمنية لمعالجة قضية جوهرية تمس واحدة من أهم مظاهره العقائدية، فهو أمام حالة تمرد نسوية لم تشهدها إيران ويعجز الأمن عن إخمادها، وهو سيصبح عمليا عدوا لكل امرأة إيرانية ترتدي الحجاب أو تريد خلعه لكنها لن ترضى بالإهانة التي تتعرض لها نساء إيران في الشارع على يد رجال الأمن، وفي المقابل فإن شابات وشبان إيران قد كسروا حاجز الخوف وهم بعد اليوم الأول من تهديدات سلامي وغيره من المسؤولين خرجوا إلى الشوارع والساحات وأكدوا على استمرار احتجاجاتهم مهما بلغت التضحيات.

أمام هذه التعقيدات تظهر صعوبة أن يتطبع النظام مع المطالب النسائية والشعبية لأنه يعلم أن أي خطوة إلى الوراء خصوصا في هذه المرحلة الانتقالية فإنه سيضطر مستقبلا إلى القيام بخطوات أخرى تحت ضغط الشارع، كما أن المحتجين تعلموا من انتفاضات سابقة أساليب النظام في التعاطي مع الاحتجاجات إضافة إلى الانتباه لهفواتهم السابقة التي مكنت النظام من إنهاء الحالة الاعتراضية حيث يدور الكلام العلني بين الطلاب والمحتجين أن مصير، مهسا أميني، لن يكون كمصير، ندا اقا سلطان، لذلك فإن التصعيد يبدو في الجانب الأول أي النظام أنه لا خيار إلا المواجهة وفي الجانب الثاني أي المحتجين أنه لا خيار إلا التحدي.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.