"فيزيائياً" ولدتُ في دمشق، لكن ولدتُ مجدداً في برلين. هكذا أقول، أقلّه في رأسي.
أشعر بجسدي وكأنه مكون من عشرة أجساد وأكثر، أتلمّس وجودي بكل ثقله وخفته، أتحسس عبثية الوجود إلى أقصاه، حد التأزم، وأتمنى أحياناً التلاشي.
أعترف أنني شفيت من وسواس النظافة القهري، مرغمةً، باستنشاق رائحة البول المجفف بفعل الشمس، على جدران محطات القطار والحمامات العامة وثياب المشردين، وغيرها من الروائح المنبعثة من "الكوندومز" (الواقيات الذكرية) المستخدمة، المرمية على استعجال هنا وهناك، إلى جانب روائح محلات الشاورما التركية.
روائح مختلطة من البول، الرغبة، الكره، الحب، العنصرية، التنوع، التنافس، الجنس، التزيف، الإدمان، الطعام المنكّه، الخدر، الانتشاء، الحزن، الصوابية السياسية وضياعها. جميعها مجتمعة، مشكلة مزيجٍ لا متناه من الانبعاثات الممسوسة.
رائحة برلين كرائحة أجساد الساحرات المحترقة على الأعواد. مربكة، لكن كافية في مس عقلك وروحك. الروائح قرينة السحر والتعويذات، لا ترى، لا تلمس، لكن تنخز أكثر الخلايا ظلاماً في الدماغ، باعثة فيها سطوعا حارقا قادراً على إذابة شرايين الحدقة وما حولها.
برلين نبشت عميقاً في داخلي كل الرغبات والشهوات والمخاوف المهجورة عن قصد في عقلي، ووضعتهم جميعاً أمامي لترتيب وشفاء ما يمكن.
في بعض الأساطير الإسكندنافية، الجحيم هو الجليد، البرودة القارصة، يعاقب الآثم بولادات وموت مكرر. ولادة بجسد حي، دافئ، يبرد هبوطاً إلى أن يتفشى الصقيع في مسام الجلد والدم ثم العظام، إلى أن يتشقق الجسد ككرة من الكريستال، قطع لحم من الدم المتجمد. خلال سبع سنوات أعيش الجحيم المتجمد. صعوداً وهبوطاً. المفارقة هنا بأني مغرمة بهذا الجحيم.
2015، منطقة شونيفايديه، شرق برلين، بدأت الساعات الأولى في برلين في شقة "أم صبحي".
ممددة على سرير رجل، كان قد مات فوقه قبل أسابيع قليلة من وصولي، منذ ذلك الوقت وأنا أمدد جسدي كفستان من الساتان فوق الأسرّة، من سرير إلى آخر دون أن تلمس أصابع قدمي الأرض، تجنباً من الالتصاق على حافته، وحافة أصابع أصحابه.
2016، منطقة ليشتينبيرغ، شرق برلين، تشاركت مع صديقي السوري ورفيق سكن ألماني "كريس" منزلاً جميلاً محاذياً لشارع "ماري كوري".
كان يؤمن كريس بأن القمر مقر تجسس يدار من قبل قوى خفية تمتلك مفاتيح كوكب الأرض. كل ما نراه من كوارث عالمية وحروب هو نتيجة مؤامرات محاكة من قبلهم، وبأن اللغة الإنكليزية سبب بلاء وخراب العالم والاحتباس الحراري. كان يدعي بأن إنكليزيته سيئة للغاية درءاً لتهمة الانبهار بالثقافة الأميركية التي يمقتها.
دائماً ما كنت أتخيل احتمالية فقدان كريس لعقله نهائياً، بإغلاق باب غرفتي من الخارج، وصب القليل من البنزين من شق الباب السفلي وإضرام النار بي وبالمنزل وبنظريات المؤامرة الشاغلة في عقله. لم يفعل، ولم أنج في جميع الأحوال.
يثيرني فعل الـ "Reborn" (الولادة المتجددة)، كما يثيرني اللهو الخفي وتبعاته الكارثية، أعترف أن برلين أخرجت أسوأ ما بداخلي. في السنوات الأولى، أصبتُ بشره ونهم غير مسبوقين. نهم جسدي، نهم للمهلوسات، للتجربة وإن كانت على حساب أقرب الأشخاص إلي، وكأنني كنت منومة مغناطيسياً.
يقول لي صديقي السابق إن "الفيتش" الخاص بي (أي أبرز ما يميزني) هو الأسرار والحيوات المزدوجة، الآن أفكك نفسي وأدرك صحة جزء كبير من كلامه، شفيتُ من وسواس النظافة القهري، لكن أصبتُ بحمى اللهو الخفي.

