مهاجرة تحمل رضيعتها قرب الحدود الكرواتية السيبيرية في عام 2015 (تعبيرية)
مهاجرة تحمل رضيعتها قرب الحدود الكرواتية السيبيرية في عام 2015 (تعبيرية)

"فيزيائياً" ولدتُ في دمشق، لكن ولدتُ مجدداً في برلين. هكذا أقول، أقلّه في رأسي.

أشعر بجسدي وكأنه مكون من عشرة أجساد وأكثر، أتلمّس وجودي بكل ثقله وخفته، أتحسس عبثية الوجود إلى أقصاه، حد التأزم، وأتمنى أحياناً التلاشي.  

أعترف أنني شفيت من وسواس النظافة القهري، مرغمةً، باستنشاق رائحة البول المجفف بفعل الشمس، على جدران محطات القطار والحمامات العامة وثياب المشردين، وغيرها من الروائح المنبعثة من "الكوندومز" (الواقيات الذكرية) المستخدمة، المرمية على استعجال هنا وهناك، إلى جانب روائح محلات الشاورما التركية.

روائح مختلطة من البول، الرغبة، الكره، الحب، العنصرية، التنوع، التنافس، الجنس، التزيف، الإدمان، الطعام المنكّه، الخدر، الانتشاء، الحزن، الصوابية السياسية وضياعها. جميعها مجتمعة، مشكلة مزيجٍ لا متناه من الانبعاثات الممسوسة.
 
رائحة برلين كرائحة أجساد الساحرات المحترقة على الأعواد. مربكة، لكن كافية في مس عقلك وروحك. الروائح قرينة السحر والتعويذات، لا ترى، لا تلمس، لكن تنخز أكثر الخلايا ظلاماً في الدماغ، باعثة فيها سطوعا حارقا قادراً على إذابة شرايين الحدقة وما حولها.

برلين نبشت عميقاً في داخلي كل الرغبات والشهوات والمخاوف المهجورة عن قصد في عقلي، ووضعتهم جميعاً أمامي لترتيب وشفاء ما يمكن. 

في بعض الأساطير الإسكندنافية، الجحيم هو الجليد، البرودة القارصة، يعاقب الآثم بولادات وموت مكرر. ولادة بجسد حي، دافئ، يبرد هبوطاً إلى أن يتفشى الصقيع في مسام الجلد والدم ثم العظام، إلى أن يتشقق الجسد ككرة من الكريستال، قطع لحم من الدم المتجمد. خلال سبع سنوات أعيش الجحيم المتجمد. صعوداً وهبوطاً. المفارقة هنا بأني مغرمة بهذا الجحيم. 

2015، منطقة شونيفايديه، شرق برلين، بدأت الساعات الأولى في برلين في شقة "أم صبحي".

ممددة على سرير رجل، كان قد مات فوقه قبل أسابيع قليلة من وصولي، منذ ذلك الوقت وأنا أمدد جسدي كفستان من الساتان فوق الأسرّة، من سرير إلى آخر دون أن تلمس أصابع قدمي الأرض، تجنباً من الالتصاق على حافته، وحافة أصابع أصحابه. 

2016، منطقة ليشتينبيرغ، شرق برلين، تشاركت مع صديقي السوري ورفيق سكن ألماني "كريس" منزلاً جميلاً محاذياً لشارع "ماري كوري".

كان يؤمن كريس بأن القمر مقر تجسس يدار من قبل قوى خفية تمتلك مفاتيح كوكب الأرض. كل ما نراه من كوارث عالمية وحروب هو نتيجة مؤامرات محاكة من قبلهم، وبأن اللغة الإنكليزية سبب بلاء وخراب العالم والاحتباس الحراري. كان يدعي بأن إنكليزيته سيئة للغاية درءاً لتهمة الانبهار بالثقافة الأميركية التي يمقتها.

دائماً ما كنت أتخيل احتمالية فقدان كريس لعقله نهائياً، بإغلاق باب غرفتي من الخارج، وصب القليل من البنزين من شق الباب السفلي وإضرام النار بي وبالمنزل وبنظريات المؤامرة الشاغلة في عقله. لم يفعل، ولم أنج في جميع الأحوال. 

يثيرني فعل الـ "Reborn" (الولادة المتجددة)، كما يثيرني اللهو الخفي وتبعاته الكارثية، أعترف أن برلين أخرجت أسوأ ما بداخلي. في السنوات الأولى، أصبتُ بشره ونهم غير مسبوقين. نهم جسدي، نهم للمهلوسات، للتجربة وإن كانت على حساب أقرب الأشخاص إلي، وكأنني كنت منومة مغناطيسياً.

يقول لي صديقي السابق إن "الفيتش" الخاص بي (أي أبرز ما يميزني) هو الأسرار والحيوات المزدوجة، الآن أفكك نفسي وأدرك صحة جزء كبير من كلامه، شفيتُ من وسواس النظافة القهري، لكن أصبتُ بحمى اللهو الخفي. 

لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية
لوحة فنية بالخط العربي - تعبيرية

(السير على حبل مشدود بين القناعات الشخصية والموضوعية يتطلب الكثير من التوازن، وهكذا المقال أحيانا، تُقدم فيه عرضا أمام "جمهور" من القراء، وتمشي على الحبل المشدود منذ أول كلمة حتى آخر نقطة، محاولا ضبط توازنك فلا تهتز، أو تقع). 

كانت تلك كلماتي الأولى في أول مقال كتبته في موقع "الحرة"، في أغسطس من عام ٢٠١٧، واليوم في نهايات فبراير من عام ٢٠٢٣، أجدني بارعا في القفز على ذلك الحبل المشدود، ممتهنا ضبط التوازنات ومعتادا على كل اهتزاز ولم أقع. 

لا يمكن أن تجد حالة موصوفة كتلك في مقال كاتب غربي، فالكاتب العربي فقط يمكن له أن يفهم ما أقوله وهو الذي يمشي يوميا على حزمة حبال مشدودة ويسعى في كل ما يكتبه أن يصل إلى الطرف الآخر، الطرف الذي يقف عليه المتلقي دون خسارات فادحة من أي نوع، في عالمنا العربي كما قال الراحل نزار قباني يوما: "الكتابة فعل انتحار". 

منذ عام ٢٠١٧ حتى هذا المقال، كتبت في مساحات شاسعة تغطي العالم العربي كله وشيئا من ضواحي باقي العالم، كتبت في الأنظمة والسياسات والدول والعلاقات الدولية والتاريخ وانتقدت الموروث بقسوة وعرضت ما تيسر لي من معرفة في عالم الأفلام ومررت على التاريخ لأقرأ الحاضر، وقلت كلمتي في حقوق الإنسان وكثير من المواضيع التي أثارت جدلا بقدر ما كانت تثير الأسئلة في داخلي بحثا عن أجوبة قدر الإمكان. 

في كل ما أكتب كان مخزوني دوما هو كل ما قرأت وسمعت وشاهدت، وهدفي الأساس، وسيبقى، احترام ذلك المتلقي الذي أكرمني بوقته ولا يضيرني إن كان متفقا معي أم مختلفا، وكنت مؤمنا أن الكتابة فعل تثوير كما هي "عمل انتحاري". 

في العامين الأخيرين، كتبت أكثر عن "الأردن"، بلدي الأم وقد رأيته باتساع أكبر من مهجَري البلجيكي، وكانت سقوف مؤسستي الحاضنة لي "الحرة" لا حدود لها في الحرية التي كتبت بها، وهي حرية مرعبة جعلتني "مسؤولا" أمام من يقرأني وهذا رعب تحفيزي لتقديم الأفضل. 

حقول الألغام في عالمنا العربي كثيرة، وكلما ارتفع السقف انخفض عدد المطارات العربية التي يمكن لي أن أدخلها باطمئنان، لكنها ضريبة "احترام القارئ" التي لا تقارن بأي ثمن، والأثمان كانت دوما معروضة. 

مع هذا المقال، تنتهي رحلة الكتابة المحترفة على منبر "الحرة من واشنطن" وقد تعلمت الكثير فيها، ومدين أنا لهذا المقال النوعي الذي علمني أن أكتب بعقل بارد كما أن أقرأ بأعصاب أكثر برودة أي حدث، وممتن أنا للقارئ أينما كان وقد منحني من وقته وعقله وردوده لأتعلم منه مواطن عثراتي وزلاتي، وممتن أكثر "للعشرة المبشرين بالمسودة" كما كنت أسميهم، وهم ذوات من سيدات وسادة من أصدقاء موثوقين لدي في العالم العربي وأوروبا، لا يعرفون بعضهم شخصيا، وكنت أرسل – حسب موضوع المقال- مسودته إلى من أستشيره منهم ليعينني على تهذيبه وتصحيح المعلومات فيه وضبط إيقاعه وتنبيهي على مواضع الخلل فيه، ليكون جاهزا للنشر أمام قارئ أحترمه مهما كان اختلافي معه.  

الصحافة جزء من بحر الإعلام الواسع، والإعلام تطورت أدواته إلى حد أكبر من قدرتنا على الإدراك، وثورة تكنولوجيا المعرفة بكل دفقها المعلوماتي اجترحت أدوات جديدة في التواصل بين المقدم المعلومة ومتلقيها، والحرة قررت أن تفتح صفحة جديدة في هذا العالم "الثوري" الجديد عبر أدوات جديدة ضمن نفس القواعد في احترام الحرية والتمسك بالمهنية، وهو ما دفعني منذ زمن أن أدخلها أنا "الخمسيني" الذي واكب آخر عصر الطباعة الورقية بالرصاص في المطابع مرورا بالطباعة الحديثة ومنها إلى العصر الرقمي والإنترنت وليس انتهاء بالبودكاست ( والذي أعد من الآن تأهيل نفسي في عوالمه المشوقة). 

ولا تزال هناك حبال مشدودة أمشي عليها في منابر متعددة أخرى، لكن "حبل الحرة" كان أكثرها ارتفاعا، مما يجعل الحفاظ على التوازن مهارة مكتسبة وسهلة، فشكرا للزملاء الكرام بصبرهم وحرفيتهم في مكاتب الحرة. 

نلتقي في تلك المنابر المتعددة حيث أكتب، وربما قريبا وقريبا جدا عبر الصوت في أثير تم تعليبه محمول في الجيب ومع من يحمله القدرة على أن يطلق سراحه في التوقيت الذي يريده. 

إنها حرية مرعبة ومدهشة تلك التي وصلنا إليها.