هناك بيئة اجتماعية حاضنة للعنف السياسي اللفظي وحتى العنف الفعلي
هناك بيئة اجتماعية حاضنة للعنف السياسي اللفظي وحتى العنف الفعلي

صباح يوم الجمعة اقتحم رجل منزل رئيسة مجلس النواب الديمقراطية نانسي بيلوسي في مدينة سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، واعتدى على زوجها بول بيلوسي البالغ من العمر 82 عاما بضربه على رأسه بمطرقة وهو يصرخ "أين نانسي، أين نانسي"، في مؤشر فسرته الشرطة بأنه كان يريد استهداف رئيسة مجلس النواب التي حّولها اليمين الأميركي إلى عدوته الاولى. صراخ المعتدي "أين نانسي" ذكّر الأميركيين بالهتافات المماثلة الحاقدة التي صرخ بها مقتحمو مبنى الكابيتول في يناير 2021 وهم يحاولون "اصطياد" نانسي بيلوسي حين احتلوا مكتبها وعاثوا فيه الخراب. التحقيقات الأولية أظهرت أن المعتدي الذي كاد يقتل بول بيلوسي واسمه دافيد ديبايب هو من المؤمنين بنظريات المؤامرة التي يبشر بها المتطرفون من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب. الهجوم على منزل نانسي بيلوس جاء بعد سنوات عديدة من "شيطنة " الحزب الجمهوري لنانسي بيلوسي وتحويلها إلى العدو الأكبر للجمهوريين.

هذه جزئية صغيرة من المشهد السياسي العام في الولايات المتحدة قبل أيام من الانتخابات النصفية الأولى بعد الهجوم على مبنى الكابيتول، والتي تأتي على خلفية ارتفاع صاعق وغير مسبوق في معدلات التهديدات الموجهة للمشرعين والقضاة والمسؤولين عن الانتخابات في مختلف الولايات، خاصة وأن بعض هذه التهديدات تحولت إلى اعتداءات أو محاولات اعتداء ضد عدد من المشرعين والقضاة. في بعض الولايات لجأ المسؤولون عن الانتخابات إلى ارتداء السترات الواقية من الرصاص، بينما قام آخرون بحمل المسدسات للدفاع عن أنفسهم.

خلال الحملة الانتخابية الراهنة حاول عدد كبير من المرشحين الجمهوريين ربط منافسيهم الديمقراطيين بنانسي بيلوسي، وقام بعضهم بنشر دعايات تلفزيونية ظهروا فيها وهم مسلحين بالبنادق الهجومية وهم يهددون القادة الديمقراطيين وفي طليعتهم نانسي بيلوسي أو يطلقون النار على شخصيات تشبهها أو تشبه الرئيس بايدن. ما يحدث منذ بروز ظاهرة ترامب، وتحديدا ما يحدث في أعقاب اقتحام مبنى الكابيتول هو محاولة "تطبيع" استخدام العنف من قبل الرئيس السابق ترامب وأنصاره لخدمة أغراض سياسية أو انتخابية.

للعنف السياسي في أميركا تاريخ عريق يتماشى أيضا مع مسيرة ديمقراطيتها العريقة أيضا. الولايات الثلاثة عشرة الأصلية في الاتحاد الفدرالي حررت نفسها من الاستعمار البريطاني عبر المقاومة المسلحة. كما تم فتح الغرب الأميركي وهزيمة قبائل السكان الأصليين بمزيج من القوة واستيطان المهاجرين الاوروبيين. ونمت مؤسسة العبودية لتصبح مؤسسة اقتصادية استغلالية بشعة على نظام من العنف الشرس تسبب بحرب أهلية هي الأكثر دموية في التاريخ الأميركي. في العقود التي تلت الحرب الأهلية فرضت الولايات الجنوبية المهزومة في الحرب نظام تمييز عنصري كان مبنيا على العنف والترهيب حيث تقدر بعض الدراسات أن عدد الأميركيين من أصل أفريقي الذين تم شنقهم ظلما وصل إلى 6400 منذ نهاية الحرب الأهلية وحتى سنة 1950. وخلال ستينات القرن الماضي شهدت البلاد أعمال عنف وشغب واسعة ناتجة عن حركة الحقوق المدنية وحركة معارضة الحرب في فيتنام وأدت إلى حرق أحياء بكاملها في عدد من كبريات المدن الأميركية. وخلال ذلك العقد تم اغتيال الرئيس جون كينيدي وشقيقه السناتور روبرت كينيدي والقس مارتن لوثر كينغ قائد حركة الحقوق المدنية السلمية. واستمرت أعمال العنف في سبعينات القرن الماضي ضد الحرب في فيتنام بما في ذلك تفجيرات لمراكز حكومية. معظم أعمال العنف في ستينات وسبعينات القرن الماضي كانت بمعظمها من قبل عناصر يسارية مع استثناءات بارزة مثل اغتيال القس مارتن لوثر كينغ.

ومنذ ترشح دونالد ترامب لمنصب الرئاسة وانتخابه في 2016 شهدت البلاد ارتفاعا ملحوظا في حدة السجال السياسي والتوتر العنصري صاحبه عنف سياسي من قبل عناصر وتنظيمات يمينية وعنصرية متشددة وجدت تشجيعا وقبولا في الخطاب السياسي للرئيس السابق ترامب وبعض قادة الحزب الجمهوري واعلاميين يمينيين بارزين، ادعوا أن سياسات وطروحات الحزب الديمقراطي متطرفة أو "اشتراكية" وتخدم مصالح المهاجرين والملونين على حساب السكان المتحدرين من أصول أوروبية، لا بل رأى هؤلاء أن هناك مؤامرة يسارية "لاستبدال" السكان البيض بسكان ملونين ومسلمين. هذا الجو ساهم في تشجيع ونمو عدد من التنظيمات اليمينية - العنصرية المسلحة التي وجدت تشجيعا مباشرا وضمنيا من الرئيس السابق ترامب وقبولا ضمنيا من قيادات جمهورية عديدة. وكان لهذه التنظيمات دور هام في التحضير لاقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021.

هذه الاستقطابات والانقسامات السياسية والثقافية والتوترات العنصرية دفعت ببعض المحللين إلى القول إنها تشبه بلغتها السياسية الشرسة وسهولة "شيطنتها" للخصوم السياسيين والطروحات السياسية "المطلقة" التي ترفض أي تسويات أو حلول وسط بعقد الخمسينات في القرن التاسع عشر والذي سبق الحرب الأهلية التي بدأت في أبريل 1861. تلك السنوت القاتمة تميزت بأعمال عنف قامت بها تنظيمات مسلحة للحفاظ على مؤسسة الاستعباد، ولترهيب دعاة عتق المستعبدين كما وصلت حدة الخلافات إلى قاعة الكونغرس التي شهدت أعمال عنف قام بها بعض الأعضاء ضد بعضهم البعض.

التهديدات باستخدام العنف منذ بروز ظاهرة ترامب في 2015 ارتفعت بنسبة 10 مرات حتى وصلت في 2021 الى 9625 تهديد. في الفصل الأول من 2022 فتحت شرطة الكونغرس تحقيقات بأكثر من 1820 تهديدا لأعضاء الكونغرس. أجواء الترهيب السائدة في الكونغرس، دفعت بعضو مجلس الشيوخ الجمهورية سوزان كولينز التي تم الاعتداء على منزلها، للقول "لن استغرب إذا تم قتل سناتور أو عضو في مجلس النواب. ما يبدأ كتهديدات هاتفية بذيئة يتم ترجمته إلى تهديدات عملية بالعنف أو ارتكاب أعمال العنف".

وفي الأيام التي سبقت اقتحام منزل نانسي بيلوسي صدر حكم بسجن ثلاثة أعضاء في إحدى الميليشيات المسلحة في ولاية ميتشغان بتهمة محاولة اختطاف حاكمة الولاية الديمقراطية غريتشن ويتمور في 2020 بسبب استيائهم من القيود التي فرضتها خلال جائحة كورونا. وفي الأسبوع الماضي قبض عناصر من مكتب التحقيقات الفدرالي (أف بي آي) على رجل هدد النائب الديمقراطي أريك سوالويل بالقتل. اللافت هو أن التهديدات تستهدف القيادات النسائية الديمقراطية البارزة في الكونغرس مثل النائبة التقدمية براميلا جايابال التي هددها رجل مسلح أمام منزلها، والنائبة الكساندريا أوكاسيو كورتيز التي أرغمتها التهديدات على تغيير إقامتها بشكل دوري والحصول على حماية مكثفة.

معظم التهديدات ومحاولات الاعتداء على أعضاء الكونغرس تأتي من أفراد يؤمنون بادعاءات الرئيس السابق ترامب بأن انتخابات 2020 الرئاسية كانت مزورة وأن بايدن ليس رئيسا شرعيا، ومن عنصريين يؤمنون بتفوق العنصر الأبيض. ولكن هذا لا يعني أن جميع التهديدات أو الاعتداءات استهدفت مشرعين أو قضاة ديمقراطيين فقط، كما يتبين من محاولة اغتيال عضو المحكمة العليا المحافظ بريت كافانو في يونيو الماضي، أو محاولة الاعتداء على النائب الجمهوري  لي زيلدن المرشح لحاكمية ولاية نيويورك في يوليو الماضي، أو محاولة اغتيال النائب القيادي في الحزب الجمهوري ستيف سكاليز في 2017 . بعض أعضاء الكونغرس الذين تعرضوا لتهديدات خطيرة حصلوا على حماية من شرطة الكونغرس، ولكن آخرين اضطروا إلى إنفاق مبالغ مالية ضخمة من مدخراتهم لإنفاقها على حرس خاص.

ما هو واضح ومقلق في الحياة السياسية الأميركية الراهنة هو أن هناك بيئة اجتماعية حاضنة للعنف السياسي اللفظي وحتى العنف الفعلي في أوساط مؤيدي الرئيس السابق ترامب وداخل شريحة هامة من قاعدة الحزب الجمهوري وخاصة تلك التي لا تعتبر الرئيس بايدن رئيسا شرعيا للبلاد. ويلاحظ انه في اعقاب أعمال العنف ضد المشرعين الديمقراطيين، تصدر تنديدات غير جدية أو غير حازمة ضدها من قبل المشرعين الجمهوريين أو يتعامل معها معظم هؤلاء بصمت مريب. هذا "التسامح" في أوساط الجمهوريين مع "شيطنة" الآخر أو قبول "تطبيع" العنف لخدمة أغراض سياسية أو انتخابية هو من أخطر ما يميز الحياة السياسية الأميركية قبل أيام من انتخابات نصفية هي الأهم منذ عقود، وقبل سنتين من انتخابات رئاسية من المتوقع أن تكون مصيرية لمستقبل الديمقراطية الأميركية.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.