مناصر لحزب "العدالة والتنمية" يرفع صورة إردوغان قرب مقر الحزب في إسطنبول عام 2019
إلادوغان أعلن نية حكومته تحويل سجن دياربكر إلى صرح ثقافي وفني

كان مشهدا سرياليا للغاية: فبينما كان الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، يعلن عن نية حكومته "تحويل سجن دياربكر إلى صرح ثقافي وفني"، باعتباره مكانا "مورس فيه الظلم الفظيع"، حسب تعبيره، كانت أجهزته الأمنية تعتقل رئيسة نقابة الأطباء في البلاد سبنيم فينكانسي، لأنها طالبت عبر وسائل التواصل الاجتماعي بإجراء "تحقيق مستقل وشفاف حول الاتهامات التي تطال الجيش التركي بشأن استخدامه للأسلحة الكيماوية ضد المقاتلين الأكراد"!!. 

تبدو تلك الثنائية تعبيرا مكثفا عن تاريخ وحاضر الدولة التركية، التي ستحتفل بذكرى مرور مئة عام على تأسيسها بعد أيام قليلة: فسجن دياربكر هو الصرح المادي الأكثر وضوحاً ودلالة على "نهج الإبادة" الذي قامته عليه البنية المركزية لهذه الدولة، وحافظت على نفسها عبره. فيما تشكل حادثة اعتقال نقيبة الأطباء كشفا عن السلطة الفعلية داخل هذه الدولة وديناميكيات فعلها. فكل الوعود والتباشير الانتخابية التي تبذلها مختلف الأحزاب السياسية في البلاد راهنا، غير قادرة على حماية شخصية مدنية واحدة في البلاد، تملك موقعا رمزيا مميزا، وفقط لأنها تطالب بحق مدني دستوري بسيط، هو "إجراء تحقيق". 

سجن دياربكر كان التجسيد المرئي الوحيد لثلاثة أشكال من الإبادة، تأسست عليها الدولة التركية وراكمتها طوال مئة عام من تاريخها: الإبادة العرقية والجغرافية لمسيحي الدولة التركية، الأرمن والسريان واليونان، الذين كانوا يشكلون ثُلث سكانها في سنوات التشكل الأولى، فصاروا أقل نصف بالمئة بعد شهور قليلة من ذلك الوقت. والإبادة الرمزية التي طالت أبناء المذهب العلوي من مواطني البلاد، عبر إنكار وجودهم وحقهم في حرية الضمير والحضور والمساواة مع المذاهب الأخرى في المجال العام والاستفادة من خيرات الدولة. وأخيرا الإبادة السياسية لأكثر من 25 مليون مواطن كردي، عبر منعهم مطلقا من أي اعتراف أو تعبير عن هويتهم وحقوقهم القومية والثقافية والجغرافية والرمزية. 

السجن المريع الذي يتوسط أكبر المدن الكردية جنوب شرق البلاد، الذي يهيمن على الذاكرة الجمعية للسكان المحليين، باعتباره تجسيدا لكل أشكال الفاشية الإيديولوجية والعنف البارد الذي كان يمارسه جلادو السجن على مئات آلاف المعتقلين، طوال قرابة قرنٍ كامل، كان بمثابة المراقب والحارس الشخصي لتلك التركة المريعة من التأسيس والاستمرارية التي انبلجت عنهما الدولة التركية.

فقد كانت زنازينه متخمة على الدوام بثلاثة أنواع من المعتقلين، الذين كانوا يُعبرون عن تلك الإبادات التأسيسية الثلاث: الحقوقيون المدنيون، الذين بقوا على الدوام يطالبون بفتح ملفات الماضي، بشأن الإبادة الأرمنية السريانية اليونانية. واليساريون الثوريون، الذين كانوا بأغلبيتهم المطلقة من تعبيرات وأبناء الطائفة العلوية. والقوميون الأكراد، من أعضاء الحركة التحررية الكردية.

قليلة هي المنتجات الأدبية والأرشيفية والسينمائية عن تلك البقعة/الوصمة، لكن مرويات المئات من شاغليها، وعلى مختلف الأجيال، تؤكد على وجود ثنائية واضحة ودائمة داخل ذلك الصرح المريع: السجناء، الذين يمثلون تلك النزعات والدعوات. والسجانون، المنحدرون بالضرورة من العصب الرئيسي للدولة التركية، من بنيتها ونواتها القومية الطائفية النخبوية الصلبة، الذين يملكون وعياً مركزياً بالذات، يعتبر هؤلاء السجناء عدواً وخطراً جسيماً على ما يتخيلونه ملكهم الخاص "تركيا". 

تغيرات حكومات وحدثت انقلابات ودخلت تركيا حروباً وبدلت ولاءات، إلا أن الثنائية المتقابلة تلك بقيت ثابتة، صامدة وجبارة، مرتبطة ومتأتية مما هو أعمق من كل ذلك، شاخصة أمام أعين الملايين من الأكراد وسكان جنوب شرق تركيا، كعقاب وتذكير يومي بجبروت وحشٍ اسمه "الدولة". 

كان السجن، وما يجري داخله، واحداً من "التابوهات الكبرى"، التي ما استطاعت أي تيار سياسية أو مدني أو ثقافية تداوله بوضوح وشفافية، بقي على الدوام شيئاً غامضاً ومستتراً ومسكوتاً عليه، يشبه تلك السجون الاستثنائية في الكثير من بلدان منطقتنا: سجن تدمر في سوريا وتزمامرت في المغرب و"نقرة السلمان" في العراق. تلك التي تشغل مكان تواطؤ ومساكتة بين عصب الدولة والقوى السياسية والثقافية والمدنية في البلاد. ولأجل ذلك، فأنها تُعبر عن اللعبة والمعادلة الحقيقة في البلاد. 

بعد قرنٍ كامل، ما يزال سجن دياربكر تعبيراً عن راهن الدولة التركية، نواتها ومعانيها الأكثر تجسيداً لحقيقتها العارية. 

فالسجن هذا، يعبر عن الطبيعة الحقيقية لخلافات الأحزاب والقوى السياسية في البلاد، التي تتصارع على ما هو دون عصبية الدولة واستقرارها وحقها في إخضاع غير المركزيين منها، دولة هي مُلك مطوب لأبناء جهوية وعرق وطائفة بذاتها، لا تملك إلا العنف لطمر تطلعات الآخرين. 

كذلك فأن السجن بالنسبة للحاكمين هو مجرد مكان، كتلة من الإسمنت والحديد فحسب، وليس آلية حُكم ونوعية من العدالة. فالسجن لن تتم تصفيته كبؤرة ووصمة مورست فيه أبشع أنواع العار الإنساني، بل فقط سيُنقل سجنائه إلى ما قد يناظره تماماً. الدليل على ذلك استبعاد الاعتذار والشعور بالعار، رفض كشف سجلاته وحولياته ومروياته الداخلية. 

فوق الأمرين، فإن السجن هو مجرد داعية انتخابية، وليس مساً بالضمير وتغيراً في الوجدان، في تطابق متناهي الدقة مع تاريخ هذه الدولة، التي كانت عنيفة واقصائية على الدوام، لكنها تجهد وتلهث لأن تُظهر نفسها كأبنٍ بارٍ للحداثة الديمقراطية الغربية، وإن شكلاً فحسب. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.