السودانيون أسقطوا نظام عمر البشير عام 2019
حكمت جماعة الإخوان السودان لمدة ثلاثة عقود بالظلم والعدوان وسلب حقوق الناس والاعتداء على الأنفس والأموال

"أهل الذمة" هو مصطلح أطلقه الفقهاء المسلمون على غير المسلمين من أصحاب الديانات الأخرى مثل النصارى واليهود والمجوس والصابئة وغيرهم من الذين يعيشون تحت الحكم الإسلامي، والمقصود بأنهم أهل ذمة هو كونهم قبلوا أن يدفعوا "الجزية" وأصبحوا بالتالي تحت مسؤولية وحماية الدولة الإسلامية.

فقد جرى التقليد الإسلامي أنه كلما فتحت جيوش المسلمين مِصراً من الأمصار خيَّروا أهله بين القتل أو اعتناق الإسلام أو دفع الجزية، وكان المسلمون يصالحون من يختارون البقاء على دينهم ودفع الجزية على ما يأمرهم به دينهم من طقوس ومعتقدات، وما يحله لهم من عادات وتقاليد وأكل وشراب ولباس وغيره. 

والعشور هى ضريبة تؤخذ من تجار غير المسلمين "الكفار" إذا دخلوا ببضاعتهم ليتاجروا في بلاد المسلمين، وقد قال الفقهاء بصحة أخذ العشور من التجار غير المسلمين استنادا إلى حديثين رواهما أحمد وأبوداؤود, يشيران إلى أن الرسول الكريم قال (ليس على المسلمين عشور، إنما العشور على اليهود والنصارى).

وقد أورد إبن القيم في كتابه "أحكام أهل الذمة"، في باب ذكر أحكام أهل الذمة في أموالهم، فصلاً بعنوان "هل تؤخذ العشور المضروبة على الذمي من الخمر والخنزير" قال فيه: (واختلفت الرواية عن أحمد في الذمي يمر على العاشر بخمر وخنزير، فقال في موضع: قال عمر: ولوهم بيعها لا يكون إلا على الآخذ منها، يعني: من ثمنها، وقد ذكرنا نصه في الجزية وقول عمر ووافقه على ذلك مسروق والنخعي ومالك وأبوحنيفة ومحمد في الخمر خاصة). 

(قال أبو عبيد: ومعنى قول عمر - رضي الله عنه -: "ولُّوهم بيعها، وخذوا أنتم من الثمن": أن المسلمين كانوا يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنازير من جزيتهم، وخراج أرضهم بقيمتها، ثم يتولى المسلمون بيعها، فأنكره عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا من أثمانها، إذا كان أهل الذمة المتولين بيعها).

الكلام أعلاه يوضح أن التجار من أهل الذمة كانوا يبيعون الخمر والخنزير بكميات كبيرة مما استوجب أن يأخذ منهم القائمون على أمر الدولة الإسلامية العشور وفقاً لعقد الذمة المضروب بين الطرفين، وكان جباة العشور يأخذونها منهم في صورة عينية، أي خمور وخنازير، ومن ثم يقومون (أي الجباة) ببيعها وتحصيل أموالها، ولكن الخليفة عمر أنكر عليهم ذلك وسمح لهم بتحصيل المال بعد أن يبيع التجار الخمور والخنازير.

وعندما حكمت جماعة الإخوان المسلمين السودان بالحديد والنار لمدة 30 عاماً حتى سقط نظامها بثورة شعبية في أبريل 2019، قالت إنها حكمَّت شرع الله وأن البلد أصبح قبلة للمسلمين من جميع أنحاء العالم، وكان مما قامت به الجماعة تحريم "التجارة" في الخمر حتى على غير المسلمين، مع الأخذ في الاعتبار أن الأخيرين لم يعودوا أهل ذمة بل أشخاص يتمتعون بالمواطنة الكاملة بحسب دستور البلاد. 

ولم تك الخطوة كما رأينا تتوافق مع الممارسة التاريخية للدولة الإسلامية التي رأينا خليفتها الثاني يرخص في أخذ العشور على تجارة الخمر والخنزير، وكان واضحاَ أن الإخوان قد اعتبروا ذلك المنع المؤشر الأهم لنجاح طرحهم في ميدان "الأخلاق والقيم"، غير أن حكمهم الطويل كانت حساسيته شبه معدومة في مواجهة موبقات أخرى أكثر تهديداً للقيم العليا للدين من الخمر مثل السرقة والكذب والرشوة والمحسوبية.

غير أن التاريخ الإسلامي يعلمنا أن موضوع الخمر لم يك يشكل أولوية قصوى ضمن القضايا الكبرى التي جاء بها الإسلام مثل الحرية والمساواة والعدل والكرامة الإنسانية، وهي القضايا التي يفترض أن تمثل جوهر الدين، وليس أدل على ذلك من أن تحريمها على المسلمين لم يتم إلا بعد 16 عاما من مجيء الإسلام (السنة الثالثة بعد غزوة أحد) في أغلب الأقوال أو 21 عاما في بعض الأقوال (عام الفتح).

وكان للفقهاء في موضوع الترخيص "للكفار" بشرب الخمر والمتاجرة فيها آراء عجيبة، ومنها ما قاله بن تيمية في حديثه عن أهمية العقل للمسلمين وعكس ذلك للكفار، يقول (فأما المؤمنون فالصحو خير لهم فإِن السُكر يصدهم عن ذكر الله وعن الصلاة ويوقع بينهم العداوة والبغضاء وكذلك العقل خير لهم لأنه يزيدهم إيمانا، وأما الكفار فزوال عقل الكافر خير له وللمسلمين، أما له فلأنه لا يصده عن ذكر الله وعن الصلاة، بل يصده عن الكفر والفسق، وأما للمسلمين فلأن السكر يُوقع بينهم العداوة والبغضاء فيكون ذلك خيرا للمؤمنين وليس هذا إباحة للخمر والسكر ولكنه دفع لشر الشرين بأدناهما).

وكذلك تحدث بن تيمية عن ضرورة عدم منع غير المسلمين شرب الخمر، وقال: (ولهذا كنت أأمر أصحابنا أن لا يمنعوا الخمر عن أعداء المسلمين من التتار والكرج ونحوهم، وأقول إذا شربوا لم يصدهم ذلك عن ذكر الله وعن الصلاة بل عن الكفر والفساد في الأرض، ثم إنه يُوقع بينهم العداوة والبغضاء وذلك مصلحة للمسلمين، فصحوهم شر من سكرهم فلا خير في إعانتهم على الصحو).

ومضى أبعد من ذلك مؤكداً  استحباب أو وجوب تجنب شر الكفار عن طريق بيع الخمور لهم، وقال (بل قد يستحب أو يجب دفع شر هؤلاء بما يمكن من سكر وغيره). ليس هذا فحسب، بل ذهب بن تيمية إلى استحباب شرب الخمر للفساق الظلمة من المسلمين أنفسهم ذلك أنه (من الفساق الظلمة من إذا صحا كان في صحوه من ترك الواجبات وإعطاء الناس حقوقهم ومن فعل المحرمات والاعتداء في النفوس والأموال ما هو أعظم من سكره).

وقد حكمت جماعة الإخوان السودان لمدة ثلاثة عقود بالظلم والعدوان وسلب حقوق الناس والاعتداء على الأنفس والأموال بغير حق، مما يدخل أصحابها وقادتها في تصنيف شيخ الإسلام "الفساق الظلمة" الذين وجب دفع شرهم بما يمكن من سُكر !   

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.