الانتخابات الرئاسية البرازيلية أسفرت عن فوز اليساري لولا دا سيلفا
الانتخابات الرئاسية البرازيلية أسفرت عن فوز اليساري لولا دا سيلفا

للانتصاريين من خصوم الولايات المتحدة معادلة محصّنة للتأكيد على فوزهم الحتمي. هم يفترضون، دون الحاجة إلى دليل، وبناء على أهواء مزمنة عضال ووقائع منتخبة منتقاة خارج السياق من سجل طويل عفا عليه الزمن، أن الولايات المتحدة، وهي التي يجري تقريرها ابتداء على أنها صاحبة المخططات والمكائد والأغراض، هي التي نصّبت الرئيس اليميني جاير بولسونارو في البرازيل في انقلاب أعدّته ونفّذته قبل أعوام، كما هي التي أوصلت غيره من اليمينيين إلى مناصب الرئاسة في مختلف الدول الأميركية اللاتينية.

وإذ بالشعوب تستفيق لتكرّ سبحة الإطاحة بالانقلابيين المأجورين للولايات المتحدة، بدءاً من المكسيك، مروراً ببوليڤيا والأرجنتين وتشيلي، ووصولاً إلى مسك الختام في البرازيل، حيث عاد المناضل اليساري لولا دي سيلڤا إلى الرئاسة رغم أنف واشنطن. هو مدّ يساري جارف يقوّض الإمبراطورية الأميركية ويهيئ لعالم جديد متعدد الأقطاب. بل إن تهنئة الرئيس الأميركي جو بايدن للولا بفوزه ليست إلا دليلاً على الإقرار الأميركي بالخيبة والفشل.

بصدق، كم هم سعداء خصوم الولايات المتحدة هؤلاء، إذ ينتقلون من انتصار إلى انتصار. الشرط الوحيد لسعادتهم، وهو شرط يبدو بالفعل متحققاً، هو بركة النسيان العميق التي تجري في أعقاب كل انتصار، إذ يتجوّف ويتلاشى، ما يسمح لهم بإعادة استعمال المعادلة اللطيفة مراراً وتكراراً، دون أسف للنتيجة المتبخرة، ودون مساءلة للمقاربة الفاسدة، ودون قلق، ودون سهاد.

التفاصيل ليست مهمة. أن تكون الانتخابات البرازيلية قد حسمت بنسب متقاربة (أقل من 51 بالمئة للولا وأكثر من 49 بالمئة لبولسونارو)، بما ينفي الكلام عن مد كاسح، لا يشار إليه إلا ضبابياً. أن تكون هذه الانتخابات قد منحت السلطة التشريعية لليمين كذلك لا حاجة لذكره. بل أن يكون نائب لولا نفسه من يمين الوسط ليس ذا شأن. وأن يكون الهمّ الأول، في البرازيل كما في كافة دول أميركا اللاتينية، داخلياً اقتصادياً معيشياً، يجري التغاضي عنه لجعل المسألة استفتاءاً على الإطاحة بالولايات المتحدة وإقامة نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب، على هوى الانتصاريين.

دوماً ودائماً، في التصور الانتصاري المنقطع عن الذاكرة، هذا النظام المتعدد الأقطاب هو على قاب قوسين أو أدنى. هو كذلك منذ عقود، وحظوظه بإصرار هي في غده المنزلق خلسة. ولكن لا بأس. ليس هذا هو التجاوز الأكثر فساداً في القراءة الانتصارية، بل ثمة مغالطات ثلاث كل واحدة منها كفيلة بحالها أن تطيح التصور، لولا أنه محصّن بالأهواء.

المغالطة الأولى هي بافتراض طبيعة أحادية ودائمة للولايات المتحدة وسياساتها في القارة والعالم. نعم، في زمان ما، كان أحد المبادئ الحاكمة في صياغة واشنطن لسياستها التفرد بالنفوذ في النصف الغربي للكرة الأرضية، وهو ما جرى اختباره، في التاريخ الحديث خلال أزمة الصورايخ الكوبية في مطلع الستينات، بل هو ما رسم معالم التحركات إزاء كوبا ونيكاراغوا وغرينادا على مدى العقود التالية. على أن العولمة، بمختلف أشكالها، أوهنت أهمية هذا المبدأ، وأنشأت من يرى في اعتراضه لاستقدام الشراكات عقبة أمام التفاعل الاقتصادي.

وكما أن المصالح تصنع السياسات، فإن السياسات بدورها تصنع المصالح. أي أن الالتزام بقاعدة النفوذ الأوحد في النصف الغربي للكرة الأرضية أطّر بدوره مصالح اقتصادية مختلفة، حتى بعد أن تآكل صواب منطقه الأمني. ثم كانت اعتداءات الحادي عشر من أيلول عام 2001 لتكشف تهافته. المصالح الاقتصادية والأمنية القائمة على أساس هذا المبدأ لم تختفِ بالكامل، وثمة إصرار لدى المستفيدين منها للمحافظة عليها، كما أنه للمستفيدين مع انحسارها رغبة بزوالها. ولكن لا هذا المبدأ بحدّ ذاته هو اليوم الأساس الأول للسياسة الخارجية لواشنطن، ولا هلع في هذه العاصمة لتوغل الاستثمارات الصينية في ما كان في السابق حكراً عليها.

ونعم، في زمان ما، ارتكبت وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية شتّى الأعمال العنفية والتخريبية، وصولاً إلى الإجرامية والجنائية، بذريعة المصلحة الوطنية، دون رقيب أو حسيب، في إطار الحرب الباردة والصراع على النفوذ. للتذكير فإن هذه الوكالة نشأت في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وعلى مدى ربع قرن كان تأطيرها الرقابي ضعيفاً. على أن النظام السياسي في الولايات المتحدة استدرك الأمر في منتصف السبعينات، أي قبل زهاء نصف قرن، وبعد جلسات استماع طويلة في الكونغرس وتقارير مستفيضة، أعيد تأطير الوكالة بضوابط منسجمة مع الأسس. هل التزمت المنظومة الاستخباراتية هذه الضوابط بالكامل؟ بالطبع لا، والشاهد الأول قضية إيران الكونترا في الثمانينات، والتي حصلت إيران فيها على العتاد الإسرائيلي خلال حربها مع العراق، على أن هذه القضية كادت أن تودي برئاسة رونالد ريغان، أي أن الرادع قد تحقق.

والفارق بين الولايات المتحدة والدول التي يتغنّى بها خصومها الانتصاريون هي أنه ثمة شفافية هنا، فيما الموضوع منتفٍ من أساسه هناك. بالطبع، الشفافية في الولايات المتحدة ليست كاملة، ولكن فيما سجل دولهم، الصين وروسيا وإيران وغيرها من حواضن الخير، ناصع نصاعة الإنكار والكتمان والنفاق، فإن في الولايات المتحدة من يساءل ويحاسب ويوثّق وينشر، ليتمكن الجهابذة، إذ يتلقفون الوثائق المنشورة بموجب هذا الجهد الداخلي الأميركي وانطلاقاً من الحق بالوصول إلى المعلومة، من الحديث عن "فضائح" و"تسريبات"، لا هي مسائل كشفوها بجهودهم ولا هي معلومات كانوا هم مقصدها.

أما في خطابياتهم المتعبة، فالولايات المتحدة تُعاب بهيروشيما وناغاساكي، ثم بڤيتنام والعراق. وإن هي بالفعل تستحق أن تعاب بها وبأكثر منها، فإن كل من روسيتهم وصينهم ليست بريئة، كغيض من فيض، هذه من "هولدومار"، المقتلة عبر التجويع التي أودت بحياة الملايين من الأوكرانيين في الثلاثيات، وتلك من "الثورة الثقافية" والتي شهدت إبادة أضعاف ذلك في الستينات. ثم يسهبون بالحديث عن ازدواجية المعايير.

وفي نهاية المطاف، بدلاً من متابعة الطبيعة الجدلية التصاعدية لمجتمع الولايات المتحدة وحكوماته المنتخبة، يختزلونها بأوصاف جرى تثبيتها في القرن الماضي، ربما هي أقرب إلى مزاجهم السياسي (لا واقعهم الفعلي بالتأكيد) من الاستعلاء والاستكبار. المغالطة الأولى هي في افتراض الأحادية والشر في سلوكيات الولايات المتحدة، والتجاهل لأحوال مجتمع الولايات المتحدة، إذ يرتقي ويتراجع، يحاسب ويغفل، ليسطّح ويختزل بشرٍّ منسوب إلى حكومته، فيما الأوطان السجون التي يطرحونها بدائل، من روسيا والصين إلى إيران وكوريا الشمالية، محمية بتعاميهم.

أما المغالطة الثانية، فهي في احتقارهم للشعوب التي يزعمون مناصرتها. في أميركا اللاتينية وكل العالم. فهي بنظرهم قطعان يجري أخذها يميناً ويساراً بفعل الإعلام والتأثير. حال هذه الشعوب، على ما يبدو، كحال مواطني الولايات المتحدة من وجهة نظرهم، أي أن القوى الفاعلة المؤثرة المتحكمة بمصائر الأميركيين وغيرهم هي التي تصيغ آرائهم، ثم توهمهم بأنها لهم، فيما هي تخدم مصالح تلك الأيادي الخفية القادرة المقتدرة.

قادرة مقتدرة على ما يبدو على كافة الشعوب والمجتمعات، مهما ارتفعت درجات العلم والاطلاع والمعرفة والإبداع فيها، ولكنها عصيّة على تلك الحفنة القليلة من العباقرة عند الهوامش في بلاد الواق واق، المبلية مؤقتاً ربما بالعجز الفعلي، من أصحاب الدراية عبر الشاشات والشبكات بالمؤامرة التي يغفل عنها العالم.

لا بد لهم من افتراض أن الولايات المتحدة مؤامرة شر، وشعوب العالم مادة خام قابلة للتدليك والصياغة كيفما شاء الأشرار، وإلا كيف يمكن تفسير استمرار زخم الحراك في إيران بعد أكثر من أربعين يوماً على وفاة مهسا أميني، أو هروب الشباب الروسي من الخدمة العسكرية الإلزامية وحاجة الجيش الروسي إلى تجنيد الغرباء مكرهين، أو أن كل بلاد ينتصر لها الانتصاريون إما خراب أو مشروع خراب؟ مسؤولية الفشل هنا بالتأكيد على عاتق الشعوب وسهولة التأثير عليها لا على فساد الرأي والرؤية لدى الانتصاريين والمستبدين على حد سواء. على أن السؤال المحيّر، بما أن هذه الشعوب تتشرب التأثير بهذه السهولة، لِمَ لَمْ تنجح حكوماتها المهيوبة باستيعابها. إيران تشهد الانتفاضات سنوياً في مختلف مدن البلاد ونواحيها. ما هذه المخابرات الخارجية العظيمة التي تعجز جمهورية العصر عن احتواء نشاطها السافر؟

وهنا المغالطة الثالثة، هذا الإصرار المتعصّب والعصبي على النظر إلى أحوال العالم من وجهة نظر فئوية، فيها الغالب بعقيدته والمغلوب بها، يمين ويسار، نحن وهم، خطوط التماس تقسم العالم إلى معسكرين، أحدهما فيه الولايات المتحدة وكل من نجحت بإخضاعه وإكراهه واحتلاله، والثاني فيه هذه القوى الرشيدة العاقلة، والتي إن قتلت فلا بد من إهمال الفعل والاستهجان للإدانة الصادرة من الغرب الكاذب الذي لم يعترض على قتل غيرها لآخرين، وإن اجتاحت فلسبب ما لا شك هو هام جداً وقائم ربما في مكان ما. المغالطة أكثر حدة لأن العالم منقسم اليوم بالفعل إلى فريقين، بين أهل الوقائع المعنيين بأحوال مجتمعاتهم وذريتهم ومن ثم بأحوال العالم، وأهل الأهواء المنشغلين بانتصارياتهم.

خطوط التماس بين الفريقين تخترق كل الدول وكل المجتمعات. عسى أن يتمكن أهل الوقائع في بلاد هيبة القادة والطغاة، أي الصين وروسيا وإيران وكوريا الشمالية، والسعودية ومصر وتركيا وغيرها، من رفع الصوت ومد اليد إلى من يقابلهم في بلاد سيادة المواطن، أكثر من أن ينجح أصحاب الطموح بالتسلط في هذه الأخيرة، يميناً ويساراً، في توقهم إلى التماهي مع نظم الاستبداد.

لولا فاز في البرازيل، ليشهد على أن النظام السياسي في بلاده حيّ قائم على سيادة المواطن. ليس في انتصاره هزيمة لهذه الغالبية العظمى من الأميركيين، في المجتمع كما في الدولة والإدارة، التي تريد للنظم العاقلة القائمة على مصالح المواطن وقيمه، لا على أهواء القادة وطغيانهم، أن تكون هي الأساس في السعي المتكامل إلى بناء غد أفضل للجميع، للكوكب، للإنسانية.

في فوزه كذلك طبعاً انتصار آخر، فتاك داحر داحض للجبروت والتعجرف والهيمنة الكامنة في واشنطن، ربما. على الأقل في تصور الانتصاريين من خصوم الولايات المتحدة. إلى أن تتشتت هذه الأوهام ويأتي غيرها ليحلّ محلها.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.