إنهم مختلفون.. إنهم طائشون!
إنهم مختلفون.. إنهم طائشون!

منهم من لا يريد الإنجاب. ومنهم من يركز اهتمامه على قضايا البيئة بشكل يؤثر في اختياراته الحياتية اليومية وفي التفاصيل البسيطة لأكله ولباسه وتنقله. منهم من يرفض مؤسسة الزواج. ومنهم من يرفض التنميطات التقليدية المتعلقة بشكل النساء والرجال في اللباس أو طول الشعر مثلا. منهم من يعيش حياته الجنسية بحرية وبدون قيود. منهم من فقد إيمانه بالأديان وألحَد عن قناعة ومنهم من يعتبر نفسه ربوبيا: يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بأي من الديانات. منهم من يفضل العيش بمفرده لأنه يعتبر العيش مع الزوج\الزوجة أو مع الأسرة أمرا مخالفا للطبيعة. منهم المثليون ومزدوجو الجنس والعابرون ومن يرفضون أساسا كل هذه التصنيفات لأنهم يعيشون الحب والجنس حسب اللحظة والشريك والإحساس الآني. منهم النباتيون ومنهم من لا يأكل إلا الخضر والفواكه النيئة ويرفض كل وجبة مطبوخة لأنها، بالنسبة له، تخالف الطبيعة وتنتهكها. منهم من يفضل العلاقات العابرة لأنه يعتبر أن كل علاقة بدون شغف البدايات يسكنها الملل ولا تحقق له الإشباع العاطفي. منهم من يعشق السفر وينفق أهم جزء من مداخيله على هذا العشق. منهم من اختار أن يكون "تقليليا" (minimalist) وألا ينخرط في مجتمعات الاستهلاك المفرط...

ببساطة، هناك نماذج كثيرة من الأفراد، نساء ورجالا، ممن لا يدخلون ضمن الإطار المجتمعي السائد الذي نعرفه. النماذج أعلاه ليست حصرية لأن الاختيارات المختلفة للأفراد لا تتوقف عند حدود معينة، بل قد تمس قضايا لا نفكر فيها أحيانا. 

ليس يهم أن نتفق مع هؤلاء أو أن نختلف، مادام أي من اختياراتهم لا يشكل اعتداءً على الآخرين. كما لا يهم عددهم، وإن كانوا أقلية أو أكثرية... لكنهم موجودون بيننا. لهم اختياراتهم الخاصة التي تختلف عن المتعارف عليه والتي قد تبدو لبعضنا عجيبة أو غريبة. مخالفة للمألوف. مثيرة للاستغراب ولعلامات الاستفهام. 

لكن المثير لكثير من علامات الاستفهام حول قدرتنا على استيعاب الاختلاف، هو أن عددا من الباحثين والأكاديميين، ممن يفترض فيهم محاولة فهم هذه الظواهر والاختيارات والفئات المجتمعية، يكتفون بتصريف مواقفهم الشخصية الرافضة لهذه التعبيرات المختلفة. 

بدل محاولة رصد هذه الظواهر والفئات المجتمعية، في محاولة لفهم تحولات المجتمع وتقديم قراءة موضوعية مجتمعية تساعدنا على الفهم، ينظرون إليها بشكل أخلاقوي أو محافظ يترجم مواقفهم الشخصية. 

هكذا، نجد باحثا معروفا يقول على أحد المنابر الإعلامية إن "وجود 30 ألف امرأة مطلقة يعني احتمال تحول 30 ألف امرأة لمهنية جنس"؛ علما أن التصريح الأصلي كان يستعمل عبارة "عاهرات"، دون مساءلة مفهومها القدحي بحمولته الأخلاقية والدينية المحافظة، في حين أن المفترض في الباحث أن يأخذ مسافة من التصنيفات الأخلاقوية الدينية وأن يتعامل مع الظواهر بموضوعية وحيادية تقتضي اختيار قاموس مختلف. لكن هذا الباحث لا يكتفي باستعمال عبارة لا علاقة لها بقواميس البحث العلمي، بل أنه يذهب حد اختزال كل امرأة مطلقة في مشروع مهنية جنس!

باحثون آخرون اعتبروا الشباب الذي يعبر عن إلحاده أو عن عدم رغبته في الإنجاب أو عن رفضه الزواج وغير ذلك من الاختيارات، مجرد شباب طائش متأثر بالعالم الغربي وبمواقع التواصل، وسيأتي يوم "يهديهم الله" فيه ويعودون لرشدهم، لأن "الفطرة السليمة" بالنسبة لهم هي الأسرة والأطفال والتدين المعتدل وغير ذلك من أساطير المجتمع المثالي. 

ليس مطلوبا منا أن نتفق مع كل هذه الاختيارات التي قد يبدو بعضها غريبا أو جديدا على البعض منا. لكن الأكيد أن المطلوب من الباحث والمحلل، ليس أن يعطي رأيه الشخصي أو أن يصرف مواقفه الإيديولوجية، بل أن يحاول فهم هذه الظواهر. 

كذلك، فالمطلوب منا جميعا أن نقبل وجود هؤلاء الأشخاص، رجالا ونساء، باختياراتهم المختلفة. تصوراتنا الخاصة لا تعنيهم كما أن اختياراتهم الخاصة لا تعنينا ولا يفترض أن نحاكمها. هم، أساسا، لا يطلبون رأينا في اختياراتهم قبل أن يعيشوا بناء عليها... لكن حقهم الأكيد أن يمارسوا هذا الاختلاف في تفاصيل حياتهم وفي اختياراتهم. وواجبنا أن نحترمها.. على الأقل لأن لديهم القدرة على مساءلة المعتاد والمألوف!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.