منهم من لا يريد الإنجاب. ومنهم من يركز اهتمامه على قضايا البيئة بشكل يؤثر في اختياراته الحياتية اليومية وفي التفاصيل البسيطة لأكله ولباسه وتنقله. منهم من يرفض مؤسسة الزواج. ومنهم من يرفض التنميطات التقليدية المتعلقة بشكل النساء والرجال في اللباس أو طول الشعر مثلا. منهم من يعيش حياته الجنسية بحرية وبدون قيود. منهم من فقد إيمانه بالأديان وألحَد عن قناعة ومنهم من يعتبر نفسه ربوبيا: يؤمن بالله لكنه لا يؤمن بأي من الديانات. منهم من يفضل العيش بمفرده لأنه يعتبر العيش مع الزوج\الزوجة أو مع الأسرة أمرا مخالفا للطبيعة. منهم المثليون ومزدوجو الجنس والعابرون ومن يرفضون أساسا كل هذه التصنيفات لأنهم يعيشون الحب والجنس حسب اللحظة والشريك والإحساس الآني. منهم النباتيون ومنهم من لا يأكل إلا الخضر والفواكه النيئة ويرفض كل وجبة مطبوخة لأنها، بالنسبة له، تخالف الطبيعة وتنتهكها. منهم من يفضل العلاقات العابرة لأنه يعتبر أن كل علاقة بدون شغف البدايات يسكنها الملل ولا تحقق له الإشباع العاطفي. منهم من يعشق السفر وينفق أهم جزء من مداخيله على هذا العشق. منهم من اختار أن يكون "تقليليا" (minimalist) وألا ينخرط في مجتمعات الاستهلاك المفرط...
ببساطة، هناك نماذج كثيرة من الأفراد، نساء ورجالا، ممن لا يدخلون ضمن الإطار المجتمعي السائد الذي نعرفه. النماذج أعلاه ليست حصرية لأن الاختيارات المختلفة للأفراد لا تتوقف عند حدود معينة، بل قد تمس قضايا لا نفكر فيها أحيانا.
ليس يهم أن نتفق مع هؤلاء أو أن نختلف، مادام أي من اختياراتهم لا يشكل اعتداءً على الآخرين. كما لا يهم عددهم، وإن كانوا أقلية أو أكثرية... لكنهم موجودون بيننا. لهم اختياراتهم الخاصة التي تختلف عن المتعارف عليه والتي قد تبدو لبعضنا عجيبة أو غريبة. مخالفة للمألوف. مثيرة للاستغراب ولعلامات الاستفهام.
لكن المثير لكثير من علامات الاستفهام حول قدرتنا على استيعاب الاختلاف، هو أن عددا من الباحثين والأكاديميين، ممن يفترض فيهم محاولة فهم هذه الظواهر والاختيارات والفئات المجتمعية، يكتفون بتصريف مواقفهم الشخصية الرافضة لهذه التعبيرات المختلفة.
بدل محاولة رصد هذه الظواهر والفئات المجتمعية، في محاولة لفهم تحولات المجتمع وتقديم قراءة موضوعية مجتمعية تساعدنا على الفهم، ينظرون إليها بشكل أخلاقوي أو محافظ يترجم مواقفهم الشخصية.
هكذا، نجد باحثا معروفا يقول على أحد المنابر الإعلامية إن "وجود 30 ألف امرأة مطلقة يعني احتمال تحول 30 ألف امرأة لمهنية جنس"؛ علما أن التصريح الأصلي كان يستعمل عبارة "عاهرات"، دون مساءلة مفهومها القدحي بحمولته الأخلاقية والدينية المحافظة، في حين أن المفترض في الباحث أن يأخذ مسافة من التصنيفات الأخلاقوية الدينية وأن يتعامل مع الظواهر بموضوعية وحيادية تقتضي اختيار قاموس مختلف. لكن هذا الباحث لا يكتفي باستعمال عبارة لا علاقة لها بقواميس البحث العلمي، بل أنه يذهب حد اختزال كل امرأة مطلقة في مشروع مهنية جنس!
باحثون آخرون اعتبروا الشباب الذي يعبر عن إلحاده أو عن عدم رغبته في الإنجاب أو عن رفضه الزواج وغير ذلك من الاختيارات، مجرد شباب طائش متأثر بالعالم الغربي وبمواقع التواصل، وسيأتي يوم "يهديهم الله" فيه ويعودون لرشدهم، لأن "الفطرة السليمة" بالنسبة لهم هي الأسرة والأطفال والتدين المعتدل وغير ذلك من أساطير المجتمع المثالي.
ليس مطلوبا منا أن نتفق مع كل هذه الاختيارات التي قد يبدو بعضها غريبا أو جديدا على البعض منا. لكن الأكيد أن المطلوب من الباحث والمحلل، ليس أن يعطي رأيه الشخصي أو أن يصرف مواقفه الإيديولوجية، بل أن يحاول فهم هذه الظواهر.
كذلك، فالمطلوب منا جميعا أن نقبل وجود هؤلاء الأشخاص، رجالا ونساء، باختياراتهم المختلفة. تصوراتنا الخاصة لا تعنيهم كما أن اختياراتهم الخاصة لا تعنينا ولا يفترض أن نحاكمها. هم، أساسا، لا يطلبون رأينا في اختياراتهم قبل أن يعيشوا بناء عليها... لكن حقهم الأكيد أن يمارسوا هذا الاختلاف في تفاصيل حياتهم وفي اختياراتهم. وواجبنا أن نحترمها.. على الأقل لأن لديهم القدرة على مساءلة المعتاد والمألوف!

