العهد الذهبي لحزب العدالة والتنمية قد انتهى هكذا يُروج معارضوه
العهد الذهبي لحزب العدالة والتنمية قد انتهى هكذا يُروج معارضوه

حظيت بحضور احتفالات عيد الجمهورية في إسطنبول قبل أيام، وتساءلت - والاحتفالات تعمّ كل شوارع هذه المدينة المزدحمة- إن كان هؤلاء يستعيدون "أمجاد" مصطفى كمال أتاتورك، مؤسس الجمهورية قبل 99 عاما.

كثيرة هي الأسئلة التي تجول في الخاطر قٌبيل ثمانية شهور على موعد الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية، ويزداد الالتباس في الوصول إلى إجابات وأنت تغرق في المتناقضات التي يمكن أن تراها، وتشاهدها في إسطنبول، فهذه المدينة التي تُفصح عن إسلاميتها مآذن مساجدها الشاهقة، تعيش أيضا حياة الليل التي لا تهدأ، وطوفان السواح الذي لا ينقطع، وكلما زرتُها تعرفتُ إلى أماكن مدهشة، واكتشفت أنها مدينة عصية على التطويع، والتابوهات، وتشي لك بمفاتنها، وعوراتها.

"ميدان تقسيم"، و"شارع الاستقلال" ربما أكثر الأماكن ازدحاما في العالم، والتنوع الذي تراه قد لا تجده في "تايم سكوير" في نيويورك، والحشود التي تمشي كتفا بكتف تقترب من مشهد الطواف حول الكعبة، وبين هذه التفاصيل ترى تركيا التي تتنازعها صراع أسلمة الدولة، أو علمانيتها.

بعد 100 عام تأسيس الجمهورية تُصبح الانتخابات في شهر يونيو من العام القادم 2023 أشبه باستفتاء على هوية الدولة، خاصة بعد أن مضى على وجود حزب العدالة والتنمية في السلطة ما يُقارب 20 عاما، وبعد أن استطاع الرئيس، رجب طيب إردوغان، أن يُحكم قبضته في السنوات الماضية، وأن يُغير نظام الحكم إلى رئاسي بعد أن كان برلمانيا.

العهد الذهبي لحزب العدالة والتنمية قد انتهى هكذا يُروج معارضوه، وخصومه، ويقولون إنه استنزف كل رصيده في الشارع، والأزمة الاقتصادية المتفاقمة، والتي تسببت في تآكل قيمة الليرة التركية، وتزايد معدلات التضخم بشكل خرافي ستُطيح به، وأن كل محاولات النظام لتلميع صورته، واستدارته الخارجية للوصول إلى صفر مشاكل، أو خصوم لن تحميه، ولن تُبقيه في سدة الحكم بالانتخابات القادمة.

هذا الانطباع الذي يريده معارضو إردوغان أن يترسخ، تقابله روايات، وشواهد أخرى على إنجازات حزب العدالة والتنمية، وزعيمه إردوغان في كل أنحاء تركيا، ولولا قوة، ومنعة النظام سياسيا، واقتصاديا خلال جائحة كورونا، وما تلاها في الحرب الروسية على أوكرانيا، وتصاعد أزمتي الطاقة والغذاء، لشهدت تصدعا، وانهيارا في أنقرة، وهنا يؤشرون إلى أنه حتى اللحظة لا يوجد مرشح للرئاسة في مواجهة إدوغان، وهو يعكس شعبية الحزب، والرئيس عند الشارع.

شعارات الانتخابات لا تُخفي بأي حال الواقع، فالأزمة الاقتصادية تُلقي بظلالها، وتداعياتها على الوضع السياسي، والمعلومات تقول إن الليرة التركية فقدت 40 بالمئة من قيمتها منذ منتصف عام 2021، وحتى منتصف العام الجاري، وارتفع منسوب التضخم إلى أكثر من 83 بالمئة، والمعطيات أن الاقتصاد التركي يقف على أرض هشة، وفاقم الأزمة ارتفاع أسعار الطاقة، وضغط الرئيس إردوغان على البنك المركزي التركي لخفض أسعار الفائدة عكس التوجهات العالمية.

أجبرت الظروف الاقتصادية الصعبة، وتغير الأوضاع السياسية في الإقليم "السلطان إردوغان" على الانحناء للريح، والمباشرة في استدارة، ومصالحات مع خصوم الأمس، وأدرك أن المكاسرة السياسية على كل الجبهات لن تؤمن نجاحه، أو نجاح حزبه الذي كثُر أعداؤه في الداخل، والخارج.

أكثر الدول التي كان يُناصبها العداء، وتحديدا في المنطقة العربية طوى صفحة الخلاف معها، ولغة التحشيد ضد الأنظمة التي سادت بعد "الربيع العربي"، والتحالف مع الإسلاميين الذين صعدوا إلى السلطة قبل الانقلاب عليهم، وهزيمتهم تخلى عنها، والبداية كانت مع الإمارات، ثم السعودية، والطريق يمضي نحو مصالحة مع القاهرة، وإن كانت تُطبخ على نار هادئة.

رغم هذه الاستدارات فإن الأزمات لم تنتهِ، والخلافات مع بعض دول الجوار باقية لأسباب متعددة، فهو ما زال يحتل أراضيَ سورية، وما تزال الصواريخ التركية تقصف أحيانا مناطق عراقية تحت يافطة محاربة، واستهداف "الإرهابيين الأكراد" كما يُسميهم، والمطاحنات مع اليونان مستمرة، ولا يوجد أفق لحلها في القريب.

بلا شك طوّق إردوغان الكثير من الخلافات، وأسدل الستار عليها، وهذا كلفه التنازل عن الكثير من الشعارات، والشعبويات، فملف مقتل الصحفي جمال خاشقجي سلمه إلى السعودية ولم يعد ورقة للمساومة، وإسرائيل التي كان يتوعدها، ويُغازل من خلال خصومتها الشارع العربي، والإسلامي فرش السجاد الأحمر لرئيسها في قصره الذي يُحيي بتقاليده تاريخ أسلافه العثمانيين.

ما بين أزمة الداخل والخارج تقترب الانتخابات الرئاسية، والبرلمانية، وهناك من يُطالب بتقديمها إلى شهر  مايو القادم بدلا من  يونيو لتلافي الامتحانات المدرسية، وعطلة عيد الأضحى، وحتى اللحظة فإن تحالف الشعب الذي يضم حزب العدالة والتنمية، وحزب الحركة القومية ما زال متماسكا، ومرشحه إردوغان بلا منازع، والذي أطلق شعار "القرن التركي" على حملة الانتخابات القادمة، ويعني بها انطلاقة اقتصادية، وجيوسياسية لتركيا ليكون القرن الـ 21 تركياً.

في مواجهة تحالف الشعب يدور الحديث عن تحالفين؛ الأول أطلق عليه "مائدة الستة" ويضم: الحزب المعارض البارز حزب الشعب الجمهوري، وحزب الجيد، وأحزاب السعادة الديمقراطي، الديمقراطية والتقدم، المستقبل، وباستثناء حزب الشعب الجمهوري الغريم الأساسي لحزب العدالة والتنمية، والحزب الجيد، فإن أحزاب التحالف ليس لها ثقل في الشارع، والأهم أن هذا التحالف لم يُعلن برنامجه، وتصوره السياسي للانتخابات، ولم يُعلن مرشحه للرئاسة، وإن كان زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليتشدار أوغلو، يطمح أن يكون بمواجهة إردوغان في معركة رئاسة الجمهورية.

تحالف العمل والحرية هو التحالف الثالث الذي يضم 6 أحزاب كردية، ويسارية، ومعظمها غير مؤثرة، وتعيش في ظلال حزب الشعوب الديمقراطي المتهم بأنه حزب انشقاقي كردي، وأن تحالفه مع الأحزاب الأخرى للتغطية على هويته.

لا يمكن اعتماد استطلاعات الرأي لإصدار توقعات حاسمة عن الانتخابات، ولكن المرجح أن حظوظ حزب العدالة والتنمية قد تراجعت مع شريكه حزب الحركة القومية، وهذا لا يعني أن أحزاب المعارضة قد تقدمت بالمؤشرات، والذين أعلنوا أنهم سيصوتون لإردوغان رئيسا لم يزيدوا عن 34 بالمئة، والنتيجة الأهم في القراءات الانتخابية أن تحالف الشعب قد يخسر الأغلبية البرلمانية.

الحملات الانتخابية المبكرة كشفت عن تسابق سافر في العداء اتجاه اللاجئين، الملف المقلق، والقابل للانفجار في أي لحظة، وحوادث قتل اللاجئين السوريين، وتصوير الاعتداءات عليهم ونشرها على السوشال ميديا تتزايد بشكل ملحوظ، والمعارض التركي المتطرف الذي يتزعم حزب النصر، أوميت أوزداغ يُجاهر في تغريدة له بالقول "حان وقت الرحيل" في تهديد مباشر لترحيل اللاجئين السوريين.

احتضنت تركيا منذ بدء الاحتجاجات السورية اللاجئين، ووفق التقديرات فإن عددهم يقترب من حاجز الـ 4 مليون، ولكن معاناة هؤلاء في السنوات الأخيرة تزايدت بفعل حملات العنصرية، وخطاب الكراهية، واستخدام ورقة اللاجئين في البازار الانتخابي، مما دفع إردوغان للتصريح بمشروع "إعادة تسكين" مليون لاجئ في المناطق السورية التي تُسيطر عليها القوات التركية.

يواجه اللاجئون السوريون صعوبات في الحصول على صفة اللجوء، وكذلك في الحصول على إقامات قانونية، أو تجديدها، وشبح الترحيل القسري لا يُفارقهم، واللجوء إلى بلد ثالث مهمة شاقة ليست سهلة.

هوية تركيا على مفترق سياسي بعد الاقتراب من المئوية الأولى للجمهورية؛ فهل يمضي إردوغان في مشروعه السياسي، ويكون الأب الجديد لتركيا بعد الأب الأول أتاتورك؟، أم أن معارضيه سيُنهون عصره، وينتفضون ضد عودة العهد العثماني، وسلاطينه بهويتهم الإسلامية، ويحيون مرة أخرى علمانية الدولة، ويرفعون رايتها، وينقلبون على الحكم الرئاسي الذي جاء به إردوغان إلى الحكم البرلماني مرة أخرى؟

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.