أعضاء في الكونغرس يقترحون لوقف مبيعات الأسلحة للسعودية
الانتخابات النصفية تنظم وسط انقسام جمهوري ديمقراطي حاد.

يتوجه الأميركيون إلى صناديق الاقتراع هذا الثلاثاء للتصويت في انتخابات نصفية للكونغرس سيعود لها تقرير الكثير في شكل وإطار السياسة الأميركية في العامين المتبقيتين من ولاية جو بايدن الأولى.

هذه الانتخابات، بخلاف غيرها، هي أكثر مفصلية نظرا لعمق الانقسام في الداخل الأميركي حول قضايا صغيرة وكبيرة من سعر غذاء الأطفال الى الإجهاض الى مستقبل الديموقراطية الأميركية بعد اقتحام أنصار دونالد ترامب الكابيتول في 6 يناير 2021. وعملية الاعتداء على بول بيلوسي، زوج زعيمة مجلس النواب نانسي بيلوسي، الأسبوع الفائت تشير حتما إلى المناخ السياسي المخيف والقاتم الذي وصل اليه التشنج الحزبي والاعلامي في الولايات المتحدة.

استطلاعات الرأي، ولو أنها تصيب وتخطئ أحيانا، ترجح فوز الجمهوريين في المجلسين -أي النواب والشيوخ- إنما بفارق ضئيل قد لا يتخطى المقعد الواحد في الشيوخ وقد يصل العشرين مقعدا في النواب. 

هكذا عودة لليمين الأميركي على رأس السلطة التشريعية لن تكون مفاجأة بالمعنى السياسي كون الكونغرس عادة يقلب الدفة طبقا للحزب الحاكم. فالديموقراطيون فازوا بالأكثرية خلال عهد جورج دبليو بوش قبل أن يخسروها مع باراك أوباما ويعودوا اليها خلال عهد دونالد ترامب. إذ إن النظام الرئاسي يضع الانتماء الحزبي للرئيس الأميركي في صلب رسم خطوط الموالاة والمعارضة في الرأي العام وبالتالي محاولة خلق توازن بين الحزبين بالتصويت لسلطة تشريعية من خارج الحزب الموجود في البيت الأبيض. 

مع ذلك سيكون لأي عودة للجمهوريين للكونغرس تداعيات ضخمة على الأجندة التشريعية الداخلية والخارجية لواشنطن وفي الشرق الأوسط. أهم هذه التداعيات:

1- محاولة تقويض سلطات الرئيس جو بايدن بفتح تحقيقات في مجلس النواب حول الانسحاب من أفغانستان، ملفات ابنه هانتر بايدن والتدقيق بالموازنة ودفتر حسابات البيت الأبيض.

2- خارجيا من المتوقع أن ينظر الكونغرس الجديد بالمساعدات الأميركية إلى أوكرانيا مع تململ الجمهوريين من تقديم واشنطن ما يزيد عن 17 مليار دولار من المساعدات لكييف منذ الغزو الروسي. التحول سيطال أيضا ملفات الصين والتضخم الاقتصادي من دون تقديم بالضرورة حلول ناجزة من اليمين الأميركي.

3- اقليميا سيعني فوز اليمين بأكثرية في الكونغرس صعوبات أكبر أمام بايدن بالعودة الى الاتفاق النووي مع إيران، وإعادة النظر بقوانين وتشريعات لضبط أسعار النفط. أما بالنسبة لإسرائيل والفلسطينيين فتقاطع الانتخابات التشريعية الأميركية مع فوز بنيامين نتانياهو في الانتخابات الإسرائيلية يعني شهر عسل ليكود-جمهوري واستمرار الجمود في عملية السلام.

أما لبنان، فمن غير المتوقع أن يغير لون الكونغرس من سياسات دعم الجيش والمؤسسات رغم إمكانية تحريك تشريعات للضغط على حزب الله. هذا ينطبق أيضا على ملفات مصر وليبيا وسوريا وتركيا والأردن والعراق وحيث هناك التقاء بين الحزبين على أعمدة سياسية مشتركة بضمان الحد الأدنى من الاستقرار في دول النزاعات وانتهاج سياسة براغماتية مع رجب طيب أردوغان وعبد الفتاح السيسي.

التداعيات الأصعب للانتخابات، وفي حال خسر الديمقراطيون، ستكون داخليا على بايدن بتقويض أجندته من تعيين قضاة الى إقرار الموازنة والاستعداد لمواجهته أو مرشح ديمقراطي آخر في معركة 2024. ففي حال خسارة المجلسين سيقلل ذلك من فرص بايدن بالترشح مرة أخرى إلا في حال أعلن دونالد ترامب خوضه المعركة الرئاسية. كل ذلك سيزيد حالة الانقسام أميركيا والشعبوية داخل الحزبين أمام تحولات دولية وإقليمية يتعين على واشنطن التأقلم معها.
 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.