قرارات القمة وكذلك بيانها الختامي لن تكون أكثر من حبر على ورق
قرارات القمة وكذلك بيانها الختامي لن تكون أكثر من حبر على ورق

قمة الجزائر كانت فاشلة حتى من قبل أن تبدأ. الفشل في القمم العربية عموما هو القاعدة فيما النجاح هو الاستثناء. والنجاح إذا حدث فهو بفضل دبلوماسية بعض الدول وتوافقها النسبي في بعض القضايا. وكان يمكن أن يعتبر حضور العاهل المغربي محمد السادس مثلا للجزائر نجاحا كبيرا يحسب لهذه القمة وللعلاقات بين البلدين. لكن للأسف فإن إدمان الفشل قد قضى على هذا الاحتمال. 

وقد فعلت الحكومة الجزائرية كل ما بوسعها لمنع العاهل المغربي من الحضور. فهي لم تكتف فقط بمعاملة وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة بصورة سيئة وغير دبلوماسية، وإنما أوعزت إلى وسائل إعلامها بمهاجمة المغرب وقامت قناة الجزائر الحكومية بنشر خريطة للعالم العربي على موقعها الإلكتروني تُخالف الخريطة التي درجت الجامعة العربية على اعتمادها، لجهة موضوع الصحراء.

هذا على الأقل ما قالته السلطات المغربية في شرحها لأسباب تغيب الملك محمد السادس عن حضور القمة، ولا يوجد سبب يجعلنا نكذب ما قالته.

العكس هو الصحيح، حيث إن الدبلوماسية الجزائرية بدت في السنوات الأخيرة نزقة وخاضعة للأهواء وباحثة عن العداوات وخلق المشاكل سواء مع دول الجوار أو في الإقليم، فضلا عن تحالفاتها واصطفافها مع المعسكر الخطأ، أي روسيا وإيران.

وبالعودة للقمة العربية، فالواقع أن غياب زعماء الخليج، باستثناء قطر، بالإضافة إلى عدد من الزعماء الآخرين، يكشف عن انقسامات وخلافات في السياسات والتوجهات. وهي خلافات لم تكن يوما خافية على أحد، فهي غالبا ما تطفو على السطح في كل اجتماع يعقده وزراء الخارجية العرب أو على مستوى السفراء.

لكن الملاحظة الأبرز في هذه القمة أن من حضروا من "الرؤساء" أو رؤساء الحكومات بدوا في معظمهم يمثلون دولا إما تعاني من حروب أهلية، أو اضطرابات سياسية، أو هي فاشلة، أو مقبلة على فشل سياسي واقتصادي.

بمعنى آخر فإن حكومات هذه الدول غير قادرة على أن تنفع مجتمعاتها بشيء فكيف تنفع غيرها، ففاقد الشيء لا يعطيه!

وقرارات القمة وكذلك بيانها الختامي لن تكون أكثر من حبر على ورق وكلام لا تأثير أو قيمة له.

لا تحتاج الدول العربية في الواقع إلى قمم أو اجتماعات، ولكنها تحتاج إلى إصلاح أوضاعها السياسية والاقتصادية المنهارة.

ولا يدور الحديث هنا عن إقامة أنظمة ديمقراطية وما شابه. فلا يمكن لشعوب معظمها جائع أو يعيش تحت خط الفقر وتنعدم لديه ظروف الحياة الطبيعية أو الإنسانية أن يحقق الديمقراطية. هذا مجرد شعار فارغ. الحقيقة أن المجتمعات العربية بحاجة إلى أمرين هما الأمن ويتبعه الاستقرار، والتنمية ويتبعها توفير حياة كريمة. أي حكومة تستطيع أن توفر ذلك لمجتمعها فهي حتما سوف تنقله إلى مرتبة أعلى. ومع استدامة الأمن واستمرار التنمية يمكن الحديث عن تغيير الثقافة السائدة المفارقة لروح العصر، وعن أشكال متدرجة من المشاركة السياسية ومظاهر الديمقراطية.

وما يحدث اليوم في بعض المجتمعات العربية من انتخابات لا علاقة له بالديمقراطية، وإنما هو شكل من أشكال توسيع القاعدة الاجتماعية لأنظمة الحكم بهدف تخفيف الاحتقانات السياسية وحل بعض المشاكل المجتمعية. لكن كثيرين، من حكومات ومؤسسات وغيرها، يساهمون في حملة تضليل سواء بصورة مقصودة أو غير مقصودة، حين يجري الحديث عن نظام ديمقراطي، وهذا التضليل موجه للغرب تحديدا الذي دأب على انتقاد هذه الدول بسبب غياب الديمقراطية وانتهاكات حقوق الإنسان، فيتم الرد عليه بأننا أيضا نطبق الديمقراطية ولدينا انتخابات وبرلمانات وما شابه.. الخ.

وبالعودة مجددا إلى القمة العربية فاللافت أن الحكومة الجزائرية قامت بحملة دعائية كبيرة طوال الأسابيع التي سبقت انعقادها، لإعطاء الانطباع بأن هذه القمة ستكون مختلفة وسوف تعمل على "لم شمل" الدول العربية، لكن الشيء الوحيد الذي نجحت فيه هو انعقادها في حد ذاته، وخلاف ذلك فهي لم تحقق شيئا يذكر. وهي بالتأكيد لم تلم شمل أحد. الذين تحمسوا للحضور هم ممن يتفقون مع التوجهات السياسية الجزائرية، فيما الآخرون جاءوا فقط لرفع العتب وكي لا يضطروا إلى تبرير غيابهم. لكن لو تم إلغاؤها أو تأجيلها لشعر معظم من حضروا بالارتياح.

بهذا المعنى فقد كانت القمة جهدا من الحكومة الجزائرية للهروب من استحقاق الإصلاح الداخلي، عبر التركيز على لعب دور دبلوماسي ما على الساحة العربية، وهو تكتيك تفهمه باقي حكومات المنطقة وتستخدمه هي الأخرى، أقل أو أكثر، كلما دعت الحاجة إلى ذلك.

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.