مبنى السفارة السعودية في بيروت
مبنى السفارة السعودية في بيروت

حوّل "حزب الله" استحقاق انتخاب رئيس جديد للجمهوريّة اللبنانيّة إلى معركة مع المملكة العربيّة السعوديّة التي عادت، بزخم الى "بلاد الأرز"، بعد طول إهمال، عشيّة الانتخابات النيابية التي شهدتها البلاد، في مايو الأخير.

و"حزب الله"، وإن كان يتناغم في "حربه الإعلاميّة" المركّزة على السفير السعودي في لبنان وليد بخاري الذي يجول على المناطق وشخصياتها وزعاماتها ويعدّ العدة لعقد مؤتمر وطنيّ، غدًا السبت ينظّمه للتمسّك والدفاع عن "اتفاق الطائف"، مع "حرب" مماثلة يشنّها "الحرس الثوري الإيراني" على القيادة السعوديّة بسبب عدم إلزامها وسائل الإعلام التابعة لها أو المتأثّرة بها بالتعتيم على فاعليات الانتفاضة المستمرّة في إيران منذ السادس عشر من سبتمبر الأخير، إلّا أنّ هذا التناغم بين "السيّد الإيراني" و"التابع اللبناني" لا يمنع من الالتفات إلى أنّ "حزب الله" يدافع، أيضًا وبشراسة، عن مكتسباته السلطويّة في لبنان.

وإذا كانت السعوديّة التي سبق أن تعرّضت لـ "ضغوط" لبنانيّة وإقليميّة ودوليّة حتى تعيد اهتمامها بـ"بلاد الأرز" ولا تتركها "لقمة سائغة في الفم الإيراني"، تريد أن تساهم مباشرة، في تهيئة الأرضيّة الملائمة لتنفيذ ما كانت قد اتفقت عليه من مبادئ مع فرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة، بحيث يتمكّن لبنان من تطبيق القرارات الدوليّة ذات الصلة وكلّها تتمحور حول نزع سلاح "حزب الله"، فإنّ "حزب الله"، من جهته، يخوض صراعًا، من أجل إحباط هذا المسعى السعودي، من جهة ومنع المسّ بمكتسبات فرضها على اللبنانيّين مع نجاحه في "توصيل" العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهوريّة في العام 2016، من جهة أخرى.

ودخول المملكة العربيّة السعوديّة على "الخط اللبناني" ليس مسألة بسيطة بالنسبة لـ"حزب الله"، إذ إنّه سبق أن بذل جهودًا كبيرة لإخراجها، حتى قيل إنّه ذهب إلى سفك دماء كلّ من الوزير السابق محمّد شطح واللواء وسام الحسن، من أجل "ترويع" حليف السعوديّة الأقوى لبنانيًّا في تلك المرحلة، أي "تيّار المستقبل" بزعامة الرئيس سعد الحريري الذي عاد و"اعتزل السياسة مرحليًّا"، عشيّة الانتخابات النيابيّة الأخيرة.

وعلى الرغم من أنّ الرياض، وخلافًا لإيران، ليس لديها ميليشيا قويّة في لبنان، إلّا أنّ لها تأثيرًا قويًّا لدى شرائح وازنة في لبنان، وتاليًا، فإنّ لكلمتها وقعًا كبيرًا في صناعة القرارات.

ويعرف اللبنانيّون، وسبق أن عبّر عن ذلك موفدون دوليّون، بمن فيهم الوسيط الأميركي آموس هوكستين، أنّ إنقاذ لبنان، وحتى لو كان في مياهه الإقليميّة كميّات استثماريّة من الغاز، أو توصّل إلى اتّفاق على برنامج مع "صندوق النقد الدولي"، يتطلّب احتضانًا من المملكة العربيّة السعوديّة.

وحين قرّرت فرنسا والولايات المتّحدة الأميركيّة الدخول على خطّ مساعدة الشعب اللبناني من أجل التخفيف من وطأة الكارثة الماليّة والاقتصادية التي عصفت به، لجأتا إلى الرياض من أجل أن تقف معهما في هذه المهمّة المكلفة جدًّا.

ولكنّ السعوديّة، طالما اشترطت على المجتمع الدوليّ أن يكون داعمًا لها في دفع لبنان الى استعادة نفسه من الهيمنة الإيرانيّة، حتى يكون للدور المطلوب منها، تأثير مستدام، الأمر الذي حصلت عليه، ولا سيّما من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الحريص على إبقاء قنواته الرسميّة مفتوحة مع "حزب الله".

وهذا يفيد بأنّ القوى اللبنانيّة التي تحالف السعوديّة، لا تنظر إليها، بصفتها "عامل توازن" مع "العامل الإيراني" فحسب، بل تجد فيها "حبل خلاص" محتمل من شأنه أن يلعب دورًا حاسمًا في "سحب لبنان من جهنّم"، أيضا.

وعليه، فإنّ العودة السعوديّة الى لبنان، بما تملكه من قدرات ذاتيّة، من جهة، وبما تحصّنت به من معطيات محليّة وإقليميّة ودوليّة، من جهة أخرى، يحوّلها الى خطر حقيقي على أهداف "حزب الله".

بطبيعة الحال، لن يقف "حزب الله"، وهو يملك ما يملكه من قدرات، مكتوف اليدين أمام هذه القوّة السعوديّة التي تُهدّد مكتسباته الكبيرة، بل سوف يُواجه، بأكبر قدر ممكن وبكل الوسائل المتاحة، حتى يحبط المسعى السعودي، بالحدّ الأقصى وحتى يُخفّف من وطأته، بالحدّ الأدنى.

ولكنّ مكوّنات المواجهة التي فتحها "حزب الله"، تبقى "ضبابيّة" حتى بالنسبة إليه، إذ إنّ القرار الإيراني النّهائي بخصوص طريقة التعامل مع السعوديّة لم يُتّخذ حتى تاريخه، فموقف "الحرس الثوري" لم يتلاق بعد مع موقف الحكومة الإيرانيّة التي لا تزال تتطلّع الى "تطبيع العلاقة" مع القيادة السعوديّة، لإدراكها أنّها في حال فتحت مواجهة معها لن يكون لها حليف واحد حتى ضمن المجموعة الدوليّة التي تنتسب إليها، فلا روسيا ولا الصين سوف يدعمانها، في وقت سوف تندفع فيه الولايات المتّحدة الأميركيّة إلى التراجع عن سياسة "خصومة الأصدقاء" لمصلحة "تعاضد الحلفاء".

وإذا بقيت إيران "عالقة" عند "نقطة اللاقرار"، فإنّ "حزب الله" لن يذهب إلى أبعد من "الحرب الإعلاميّة"، وسوف يعمل على "تسوية" يسوّق لها مقرّبون منه قوامها: انتخاب رئيس للجمهوريّة يكون لـ"حزب الله" فيه "حصّة وازنة"، في مقابل أن يكون لخصوم "حزب الله" المدعومين من السعوديّة حصّة وازنة في رئيس حكومة "العهد الجديد".

ولا يبدو، بالاستناد الى المعلومات من جهة وإلى مدلولات التصريحات، من جهة ثانيّة أنّ هذه التسوية المقترحة مرفوضة بالمطلق، بل حصلت على "موافقة مبدئية" ولكنّها بحاجة إلى "تحسين شروط" حتى تكون في الرئيس المقبل حصّة أكبر لدولة طبيعيّة أكثر، لا يحكمها، في الظاهر، الدستور ويهمين عليها، في الباطن، السلاح المستورد.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.