انطلاق اجتماعات القمة العربية الحادية والثلاثين في الجزائر
"غياب كثير من  القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية".

عام ١٩٤٣، وأمام مجلس العموم البريطاني صرح أنتوني إيدن، وزير خارجية بريطانيا "وكانت لا تزال في أوج قوتها كدولة عظمى" بأن الحكومة البريطانية تنظر بعين «العطف» إلى كل حركة بين العرب ترمي إلى تحقيق وحدتهم الاقتصادية والثقافية والسياسية. 

هذا "العطف" يشبه "عطف بلفور" على اليهود، مما يعطي إلى حد ما تصريح إيدن عنوانا تاريخيا لم ينتبه إليه أحد يمكن تسميته بوعد إيدن. 

وعطف لندن وقتها كان يعني سياسة مدعومة بالكامل لو توفرت الإرادة، فماذا نتج عن هذا العطف "البريطاني" وماذا تمخض عن "وعد إيدن"؟ 

في العام التالي من "وعد إيدن" أمام مجلس العموم والذي كان سبقه خطاب لإيدن نفسه يرجو فيه قادة ومفكري الدول العربية إلى تحقيق درجة وحدة أكبر من التي هم عليها، بدأت المراسلات العربية لتحقيق "الوحدة بحدها الأدنى" بين مصطفى النحاس رئيس وزراء مصر الملكية، و رئيس الوزراء السوري جميل مردم بك ورئيس الكتلة الوطنية اللبنانية بشارة الخوري "الرئيس اللبناني بعد شهور من تلك المراسلات" للتباحث معهما في القاهرة  حول فكرة (إقامة جامعة عربية لتوثيق التعاون بين البلدان العربية المنضمة لها)، تلك المراسلات تسارعت بالتوسع لتضم فورا الأمير عبدالله الأول، مؤسس إمارة شرق الأردن "المملكة الأردنية الهاشمية بعد ذلك" وتتابعت سلسلة من المشاورات الثنائية بين مصر من جانب وممثلي كل من العراق وسوريا ولبنان والمملكة العربية السعودية والأردن واليمن من جانب آخر، وهي المشاورات التي أسفرت عن بروز تيارين رئيسين بخصوص موضوع الوحدة: تيار  يدعو إلى ما يمكن وصفه بالوحدة الإقليمية وقوامها سوريا الكبرى أو الهلال الخصيب. والتيار الثاني يدعو إلى وحدة أكبر اتساعا في الجغرافيا يشمل فيه عموم الدول العربية المستقلة. ذات التيار الثاني أيضا برزت فيه آراء متعددة برز منها توجهان : أحدهما يدعو لوحدة إما  فيدرالية  أو كونفدرالية بين الدول المعنية، والتوجه الآخر يطالب بصيغة وسطية تحالفية، تحقق التعاون والتنسيق في سائر المجالات وتحافظ في الوقت نفسه على استقلال الدول وسيادتها. 

ومن الواضح أمام معرفتنا بتاريخنا العربي المعاصر والمتخم بالمناكفات والإقصاء والشعور الواهم بالتفوق السيادي، فإن الرأي الأخير هو الذي تغلب على باقي الآراء "الوحدوية" وانتهى "وعد إيدن" عام ١٩٤٥ بنشأة جامعة الدول العربية، وحين أقرأ التاريخ من جديد واضعا نفسي في سياقه الفانتازي فإنني أتخيل أن إيدن نفسه قد خاب أمله بهذه الولادة الهزيلة لدول حاربت من أجل استقلالها عن العثمانيين ثم القوى الاستعمارية الأوروبية نفسها لتنتهي بتلك "الجامعة" التي كانت طوال تاريخها "المليء بالبيانات وأطنان الورق المهدور" كرة من قش تتقاذفها الأنظمة العربية حسب متغيرات العالم والإقليم. 

ميثاق الجامعة الذي انعقدت على أساسه كل تلك الوحدة، يبدو اليوم غريب الوجه واليد واللسان، حتى إن ضم الجامعة للصومال وجيبوتي كان يشبه تطويعا لبلدين لا يرتبطان بالعالم العربي بأي صلة، لكن الحيلة التطويعية أقرت "أن أصل وجذور شعوب البلدين هو الانتماء العربي" (!!) لننتهي بمقعدين زيادة في تجمع لزوميات ما لا يلزم. 

لم تتوفر في الجامعة أي من منطلقات إيدن الذي كان يمثل الاستعمار الآثم الغاشم حسب أدبيات "القومجية العربية" التي سادت في الخمسينيات بعد ذلك ووظفت تلك القومية التقدمية الثورية مؤسسة الجامعة العربية كأداة سياسية للاستقطاب الثقيل. 

ثم مرت الجامعة بتاريخ طويل من الاستهزاء الجماهيري الذي كان يعكس واقعها البائس والمؤسف، حتى ان الدكتاتور الليبي معمر القذافي نفسه استهزأ بها في أحد قممها مؤكدا أن بياناتها معدة سلفا مما يجعل القمم المنعقدة بروتوكولا للديكور الاستعراضي لا أكثر. 

وكم شهدت تلك القمم حوادث وأحداث كشفت التباعد في مصالح الدول الأعضاء حتى جاءت النهاية الحقيقية للجامعة بعد غزو الدكتاتور العراقي صدام حسين للكويت، وما تبع ذلك من تداعيات تراجيدية لكنها كشفت واقعا حقيقيا مفاده أن سيادة الدول الأعضاء تحكمها مصالح تلك الدول لا غير. 

واليوم، تنعقد القمة العربية في الجزائر لتؤكد المؤكد، وقبل انعقادها بساعات تشهد أول خلاف بين الدولة المضيفة وجارتها المملكة المغربية على نزاع إقليمي لا يمكن حله إلا باحتواء إقليمي لن تستطيع الجامعة بلوغه. 

غياب كثير من  القادة المؤثرين عن القمة كان له تبريراته المنطقية في ظل تحولات عالمية وإقليمية أدرك فيها "العقلاء الجدد" من قيادات المنطقة أن التفاهمات الإقليمية القائمة على مصالح مشتركة واتفاقيات إقليمية تشاركية اقتصادية وتنموية هي أهم بكثير من ديكور السجادة الحمراء والقاعة المترفة بطاولة مستديرة محاطة بالورود. 

السعودية بررت غيابها بعارض صحي، وهو تبرير مهذب لا يمكن رده كما لا يمكن أخذه بجدية، لكنها الدبلوماسية كما يقولون، والملك المغربي في اللحظة الأخيرة برر غيابه بأسباب إقليمية، وهو ما يجعل التبرير عنوانا ضروريا لقمة مغاربية أو دولية لحل الأزمة بين الجارتين، لكن الجزائر فضلت أن لا تنصت للبرقية المغربية وآثرت أن تمضي في استعراضها الواهم بإعلان المصالحة الفلسطينية – الفلسطينية والتي سيخيب ظن الجزائريين بها قريبا. 

الملك الأردني، وبحسابات براغماتية واقعية ومنطقية وجد أن معرض سوفكس الذي حضره في الأردن له تداعيات إيجابية أكثر في ميزان المصالح الأردنية ضمن سياق إقليمي، بالإضافة إلى أن زيارة وزير الخارجية الروسي إلى العاصمة الأردنية، الخميس، ينبغي التحضير لها بشكل جيد، مع الانتباه إلى أن إيفاد ولي العهد الأردني يشكل فرصة جيدة لتمرين تعبوي وميداني مهم لمشروع الملك الأردني القادم. 

حضور باقي القيادات العربية على مستوى الرؤساء غالبا كان لغايات إقليمية تهم مصالح تلك الدول، لكن ليس من بينها "لم الشمل العربي" كما اختارت القمة عنوانها هذه المرة! 

هذه القمة، تثبت نجاح كل ما يعاكس ميثاق جامعتها العربية، فالتفاهمات الإقليمية التي تفضي إلى اتفاقيات تعاون اقتصادي أو تنموي وحتى عسكري تجمعها المصالح السياسية للدول أجدى وأكثر نفعا من قمم لم شمل لا يمكن لمه. 

"لم الشمل"، عبارة لها حساسيتها المعنوية عند اللاجئين العرب وقد شتتهم مسلسل الأزمات العربية بمأساويته، وتحقيقها عند اللاجئ العربي أينما كان ملجأه، فيه أمل أكبر من أمنيات القمة في الجزائر. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.