وولش وجه أسئلة عن معنى كلمة المرأة في فيلمه الوثائقي
وولش وجه أسئلة عن معنى كلمة المرأة في فيلمه الوثائقي

حين أقدم المخرج المصري رأفت الميهي على كتابة وإخراج فيلمه "السادة الرجال" سنة 1987، كان يهدف من قصته تسليط الضوء على المظالم التي تتعرض لها المرأة في المجتمعات التي تهيمن عليها الذكورية، وذلك بتقديم فكرة مبتكرة تلجأ فيها الزوجة للتخلص من مظلوميتها بإجراء جراحة تتحول على إثرها إلى رجل، ومانجم عن هذا التغيير من آثار انعكست عليها كامرأة سابقة ورجل لاحقا، وأيضا على أسرتها والمجتمع. 

لو قيض لهذا الفيلم الذي قارب موضوع التحول الجنسي أن يطرح اليوم، ربما كان سيرفض رقابياً ويثير شكوكاً في قصده ومآربه وإشكاليات لانهاية لها، وربما كان سيتهم عالمياً بأنه شكل من أشكال التنمر بسبب الأسلوبية الساخرة التي عالج فيها موضوعه الجريء، الذي يعتبر منذ نحو خمس سنوات واحداً من أكثر المواضيع الساخنة إثارة للجدل العالمي، أي مواضيع المثلية والتحول الجنسي والهوية الجندرية للشخص. 

مواضيع خرجت من أطرها وتحفظاتها وانتشرت وباتت تعرّف عالمياً بـ( قضايا)، تشهد المجتمعات بسببها، الغربية وغير الغربية، تباينات وانقسامات حادة بين متقبل ومؤيد ومشجع لها بالمطلق، أو مناهض ومراقب لها بشدة خشية تسرب أفكارها إلى مجتمعه، أو رافض لها جذرياً يعاقب من يتداولها أو يمارسها بعقوبات قاسية، قانونية واجتماعية ودينية.    

عن الانقسام المختلف في طبيعته بشأنها داخل المجتمع الأميركي، حقق المعلق السياسي والاعلامي الأميركي "مات والاش" على مدى ساعة ونصف فيلمه الوثائقي الاستقصائي الذي حمل عنوان(What is a woman؟) من إنتاج العام 2022 وإخراج جاستن فوك. وهو فيلم أثار زوبعة من الجدل الواسع في المجتمع الأميركي، وانقساماً مضافاً على منصات التواصل الاجتماعي العالمية لايقل حدة عن الانقسام الحاصل حول قضايا الجندر والتحول الجنسي التي يتحدث عنها.  

كما أن العديد من أصحب الشأن الثقافي والاعلامي أو الفني أو النقدي الأميركي، تهيبوا من التعليق بشأنه أو التعليق بشكل عام والخوض في حوارات تتعلق بهذه القضايا، خشية التقدير الخاطىء للمواقف أو انزلاقات اللغة أو الخطأ في استعمال المصطلحات أو عدم قصدية المعنى، والتي قد تفسر من قبل جبهة المؤيدين لهذه القضايا بأنها شكل من أشكال المناهضة، واتهامهم بالتخلف والرجعية أو اعتبارهم من فئة "الديناصورات"، وهو التوصيف الذي بات رائجاً في المجتمع الأميركي-بحسب الفيلم- ويطلق على غير المؤيدين لهذه القضايا.   

يمكن تصنيف هذا الفيلم بالوثائقي الجريء المحكم فنياً وفكرياً، ليس فقط بسبب كم المعلومات التي قدمها أو المصطلحات التي  فسرها حول هذه القضايا، والتي يتم تداوها من قبل العديد من الناس بفهم مشوش أو مبهم لها، بل أيضاً لحرية التعبير  التي سادت أجواء الفيلم، والحيادية والنزاهة المهنية النسبية التي أبداها صاحبه رغم أنه يميني الهوى، مفسحاً في المجال لضيوفه من الضفتين المتعاكستين، الإسهاب بآرائهم الطبية والنفسية والاجتماعية والأكاديمية. 

لأجل إجراء المقابلات ورحلة التقصي الشاقة، سيقطع والاش الولايات المتحدة من غربها إلى شرقها أكثر من مرة، مستنداً في بناء فيلمه على سؤال شديد البساطة والعمق يوجهه لجميع ضيوفه من الأطباء والأكاديميين والأخصائيين في التحول الجنسي، وأيضاً للنسويات في مظاهراتهن في الشارع، وفئات مختلفة في الشارع من بينها العديد من المتحولين، وبعض من يعتبرهم (ضحايا). 

(ماهي المرأة؟) هو السؤال  البدهي الذي سيجد الجميع صعوبة في تعريفه، وسيصاب البعض بإرتباك في العثور على مفردات لغوية تشرحه، أو يلجأ بعضهم إلى التهرب من الإجابة عليه وكأنه حشر في الزاوية. لكنه سيحصل على الاجابة عليه مرة من زوجته، وقبلها من خلال رحلته الأفريقية إلى قبيلة الماسي في كينيا التي مازال أفرادها يعيشون حياة بدائية، لكل من الرجل والمرأة أدوارهما الواضحة والنمطية والمحددة دون خلط في المفاهيم. 

أبرز ما حمله هذا الوثائقي الاستقصائي من حقائق صادمة، يتعلق بالمقابلات التي أجراها مع (الضحايا) من المتحولين جنسياً، الذين أكدوا أن جميع من يخضع لمثل هذه العمليات الجراحية لايشمله التأمين الصحي، في إشارة واضحة إلى تحول هذه العمليات إلى شكل من أشكال(التجارة). وأيضاً إلى التراجع النفسي الحاد والندم الذي يصيب معظم المتحولين ويدفع ببعضهم إلى الانتحار، إضافة إلى إصاباتهم بأمراض خطيرة مثل السرطانات. 

لكن أخطر هذه الحقائق التي تقصاها الفيلم، يتعلق بالأطفال ومايكتسح المدارس من موجة مؤثرة تهدف إلى التشجيع على التحول الجنسي، ومثبطات البلوغ التي تعطى لهم، وهم في أعمار صغيرة والرضوخ لرغبات هؤلاء الأطفال أيا كانت، والاستشهاد بأب كندي تم اعتقاله لأنه حاول منع تحول ابنه إلى أنثى عن طريق الحقن الكيميائي في أحد المستشفيات الكندية. 

(What is a woman؟) وثائقي استقصائي لايخلو من بعده السياسي، متاح على بعض مواقع الشبكة العنكبوتية، وإن تسبب بإشكاليات لاتحصى في مجتمعه، إلا أنه قدم باحترام وشفافية معلومات توعوية دقيقة حول هذه القضايا، وفهم أكبر للمصطلحات العلمية والطبية الخاصة بها، وبشكل خاص في ظل ـتأثير وسائل التواصل الاجتماعي وماقد تحمله من معلومات مضللة أو مغالطة.           

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.