رئيس الوزراء العراقي استقبل سفيرة واشنطن في بغداد
واشنطن لديها توجّه جديد لمواجهة مناطق النفوذ الإيراني

منذ اللحظة الأولى لإعلان نتائج انتخابات أكتوبر 2021، حتّى تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة محمد شياع السوداني، كانت تهمة التدخلات الخارجية حاضرةً في خطاب القوى السياسية التي شكّلت ما يُعرَف بالإطار التنسيقي، وإنَّ هنالك مشروعًا أميركيا-خليجيًا يسعى لتغيير المعادلة السياسية، من خلال إقصاء أطراف سياسية شيعية عن المشهد السياسي، وتحديدًا تشكيل الحكومة الجديدة. وكان هذا التبرير هو أحد أهم الأسلحة لدى الجيوش الإعلامية لقوى الإطار التنسيقي التي تستخدمها في سجالات اللجوء إلى الثلث المعطّل ورفض حكومة الأغلبية التي دعا إليها مقتدى الصدر وحلفاؤه في تحالف إنقاذ وطن.  

جرت الرياح لاحقاً بما تشتهي سفن قوى الإطار التنسيقي، وتحوّل من الثلث المعطّل إلى المتحكّم بتشكيل الحكومة، بفضل انسحاب نواب التيار الصدري، داخلياً. وخارجياً باتت أميركا تحثّ على ضرورة تحقيق الاستقرار وإنهاء الفوضى التي خلّفتها تداعيات استمرار الانسداد السياسي بتشكيل حكومة جديدة، تحت ضغط مشاكل الطاقة التي يواجهها حلفاؤها الأوربيون بسبب تداعيات استمرار الحرب الروسية ضدّ أوكرانيا. ونجحت استراتيجية إيران بالضغط على حلفائها داخل الإطار التنسيقي لإبقائه موحّدًا.   

كلّ هذه الظروف الإقليمية والدولية خدمت سعي الإطار لتشكيل حكومته، وأجادوا اللعبة عندما قدّموا محمد شياع السوداني لتشكيل الحكومة الجديدة، كونه شخصية غير جدلية ولديه اطلاع وخبرة في تفاعل العلاقات الدولية والإقليمية بحكم عمله في الحكومات السابقة. وسارعت أميركا لمدّ جسور التواصل مع السوادني منذ الأيام الأولى لإعلان ترشيحه وحتّى تكليفه، ومن ثمَّ تشكيل حكومته، لتكون السفيرة الأميركية في بغداد "إلينا رومانويسكي" أول من قدّم التهاني إلى السيد السوداني عند تكليفه رسميًا وبعد نيله الثقة من البرلمان. ويعكس حراك السفيرة الأميركية توجهًا واقعيًا يعبّر عن تعاطي الأميركان مع القرار الداخلي لِلقوى السياسية ليعكس صورةً جديدة، تختلف عمّا يجري تسويقه بفرض الأجندة الأميركية على قرار القوى السياسية، أو دعمهم لشخصيات محددة لتولّي الحكومة، أو حتّى دعمهم لبقاء حكومة الكاظمي.  

قد لا يكون تعاطي السفارة الأميركية في بغداد تعبيرًا عن توجّه استراتيجي جديد في التعامل مع تطورات الأحداث السياسية في العراق، والتي تعبّر عن صعود القوى السياسية التي يعدّها الأميركان مرتبطة بعلاقات وثيقة مع طهران، لا سيما أنَّ استراتيجية الأمن القومي الأميركي التي أعلن عنها في (أكتوبر 2022)، لم تذكر العراق من أولوياتها، ولكنّها أكّدت على بقاء التهديد الإيراني في زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط.  

ولكن، يبدو أنَّ واشنطن لديها توجّه جديد لمواجهة مناطق النفوذ الإيراني، ويجري ذلك من خلال السفارات الأميركية في البلدان التي تمتلك فيها إيران نفوذاً عالياً. إذ كما يبدو أنَّ ملف ترسيم الحدود تمّ من خلال تدخّل السفارة الأميركية في بيروت، ودعم تشكيل حكومة السوداني قد جرى من خلال السفارة الأميركية في بغداد، وكلاهما يعبّر عن تراجع دَور المبعوث الأميركي الخاص بملفات الشرق الأوسط بصورة التدخل المباشر.  

لعلّ أميركا تروم اتّباع منهج سياسي مختلف بعيداً عن استراتيجية الديمقراطيين في عهد أوباما التي كانت تؤكّد على الجلوس على طاولة المفاوضات، أو استراتيجية الجمهوريين في عهد ترامب التي تصرّ على تصعيد التوتر والبقاء على حافة المواجهة والصدام المباشر. إذ يبدو أنَّ استراتيجية الخارجية الأميركية في عهد بايدن تعتمد التعامل مع أذرع النفوذ السياسي الإيراني سواء أكان بطريقة مباشرة، كما حصل في العراق، أو غير مباشرة كما حدث في لبنان. وبالنتيجة تسعى الولايات المتحدة إلى إحراج القوى التي ترفع راية العداء ضدّ أميركا من خلال التعامل السياسي معها باعتبارها واقعًا، والتوجه نحو التعامل مع الأطراف الفاعلة بعيدًا عن هيمنة المركز الإيراني المؤثّر.   

المهم، أن إعادة الاعتبار إلى السفارة الأميركية في بغداد بالتعاطي مع أحداث العراق، وبعيدًا عن هيمنة تعقيدات دوائر صنع القرار السياسي الخارجي الأميركي وتداعياته، إنّما هو فرصة مهمّة لِلقوى السياسية الشيعية لتصحيح علاقتها مع أميركا، بعيداً عن شعارات الاستقطابات الإيديولوجية في الصراعات الإقليمية. وأيضاً هو تحد جديد أمام رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، الذي كان واضحًا في حديثه مع السفيرة الأميركية عندما أكّد لها أنَّ التعامل مع العراق يجب أن يكون بعيدًا عن التفكير التقليدي الذي يريد من العراق أن يكون في خطّ المواجهة الأميركية مع إيران، ويجب الابتعاد عن الادعاء الكاذب بأنَّ حكومة مقربة أو مدعومة من أميركا يمكن لها أن تقوم بتلك الوظيفة، وإنّما المساعدة على تحقيق الاستقرار في العراق ودعم اقتصاده تحقق مصالح البلدين بعيدًا عن مهاترات التصعيد والمواجهة مع طهران وأذرعها في العراق.  

سيكون السوداني في قادم الأيام مع تحدٍ سياسي مهم على الصعيدَين الداخلي والخارجي. فداخليًا عليه إقناع القوى السياسية الشيعية المشاركة في حكومته بأن إعادة تكرار أخطاء التعامل مع حكومة عبد المهدي من خلال الدخول بالحكومة وإحراجها بصواريخ الكاتيوشا التي تستهدف السفارات في المنطقة الخضراء يجب ألا يتكرر معه وإنَّ توجه السياسة الخارجية يجب أن يكون على وفق معيار المصلحة السياسية وليس المواقف المسبقة، وأنَّ الحكومة هي المسؤول الأول والأخير عن القرار السياسي الخارجي، ولا يمكن القبول بإضعاف وظيفتها في حفظ سيادة العراق.   

أمّا خارجياً، فهو بحاجة إلى توثيق العلاقات الخارجية مع القوى الإقليمية والدولية والاستفادة من الدعم والترحيب الخارجي الذي تلقته حكومته، ومن ثم يجب أن يبدأ باختيار فريق دبلوماسي يعبّر عن توجه حكومة السوداني في السياسة الخارجية، وأن يكون هذا الفريق مؤهلًا لتقديم رؤية الحكومة الجديدة، وتوفير الدعم الخارجي لها.  

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.