من يواجه إردوغان بالانتخابات المقبلة؟
عشرات الآلاف من الأتراك يواجهون تهمة إهانة الرئيس

كيف يمكن وصف النظام العام وشكل الحياة في بلدٍ مثل تركيا، حيث هناك قرابة 200 ألف ملف تحقيق ومحاكمة قائمة بحق مواطنين مُتهمين بـ"إهانة الرئيس"!، لا تقل عقوبة المُدان فيها عن السجن مدة خمس سنوات، كما حصل مع 13 ألف متهم منهم على الأقل!. 

في هذا البلد، وضمن هذا الملف فحسب، وبعد بعض الحسابات البسيطة، يُمكن الكشف عن الكثير من الأرقام التي تُمثل دلالة على شكل الحياة هناك: إذ لو كان لكل فرد من هؤلاء عائلة مؤلفة من خمسة أشخاص مثلاً، فإن الأمر يعني أن حياة مليون شخص في البلاد متوقفة بسبب كلمة بسيطة نطق بها واحد من أفراد عائلتهم، بحق شخص يتحكم ومسؤول عن كل شيء في البلاد، أقلها فقدان العملة الوطنية لـ90 بالمئة من قيمتها خلال 6 سنوات مثلاً!.

وأيضاً يمكن القول إنه ثمة مليون موظف عمومي، بين قضاة وسجانين ومخبرين وأفراد أمن ومدعين عامين، ليس لهم عمل سوى ملاحقة عشرات الآلاف من الأناس الذين تعتبر السلطات أنهم "يهينون الرئيس"!، ويتقاضى هؤلاء لأجل ذلك رواتب من الخزينة العامة، وغالباً مكافآت وامتيازات. ومع الأمرين، ثمة عشرات الملايين من الأناس الآخرين، الذين يحبسون ويضبطون ويراقبون أية كلمة يُتفوه بها، كي لا تُحسب واحدة من ترسانة الأقوال وأشكال التعبير المُعتبرة كـ"إهانة للرئيس"!. 

لكن مجموع ما يحدث هو أمر قانوني تماماً، وفقاً للمادة 299 من قانون العقوبات التركي، الذي أُقر في السنوات الأولى لحكم حزب العدالة والتنمية (عام 2005)، لكن الخاضعين له وقتئذ كانوا بضع مئات كل عام، ما لبسوا أن تحولوا إلى عشرات الآلاف مع صعود رجب طيب إردوغان، الذي ما أن سيطر على الجهاز القضائي عقب حادثة الانقلاب المشكوك بأمره في العام 2016، حتى دفع المحكمة الدستورية لأن تعتبر "إهانة الرئيس بمثابة إهانة للأمة التركية"، وتالياً تميزه مطلقاً عن أي موظف خدمة عامة آخر، وتقريباً تأليهه.  

لكن ليس هذا القانون وحده الذي يشكل ذلك التقسيم الجذري، بين أناس وتيارات وأيديولوجيات وسلطات ونوعية من التفكير، تعتبر نفسها "مركز الكون"، في مواجهة "الآخرين"، المحليين والعالميين على حد سواء، الذين هُم حسب ذلك التصنيف إنما هوامش وأطراف وآخرون، قابلون ومنذورون للتبعية والطاعة والمراقبة والعِقاب.  

طوال تاريخها الحديث، لكن بكثافة خلال السنوات الماضية، ضجت تركيا بأعداد هائلة من القوانين وأدوات الحكم التي تصنع ذلك، تشريعات مناهضة للنساء، وأخرى تقصي الحقوق القومية والثقافية للأكراد والعلويين، وثالثة تعتبر المثليين وحقوقهم خطراً داهماً على العائلة، وخامسة تسعى لضبط المجالس الجامعية، وأخيرة تضع سيلاً من الشروط والموجبات على الحريات الإعلامية، وقبلها بشهور تحطم استقلالية البنك المركزي وتجعله تابعا للقصر الجمهوري.. وهكذا. 

لا يحدث كل ذلك لمصادفة أو تحول ما في بنية النظام السياسي وشكل الدولة ودورها في تركيا، بل تأتي كتتمة واستمرارية طبيعية وانسيابية للمقدمات والمسارات التاريخية والحديثة التي خاضها هذا الكيان، منذ عبوره العصر الإمبراطوري إلى ما قيل إنها "الدولة الحديثة"، قبل قرن من الآن.  

فعلى العكس من الكيانات التي تصنع بها الحروب والتحولات الكيانية تبدلات جذرية في النظام العام وشكل الحياة، مثلما كانت التجربة الأوربية في نفس الوقت، فإن الأمور بقيت في تركيا على حالها، منذ الزمن العثماني إلى نظيره الراهن.  

فإذا كان الشرط والخيلاء الإمبراطوري يفترض نفسه مركز الكون، ويمنح عقائده وسبل عيش أفراد العائلة والعرق والديانة الحاكمة قيمة مطلقة، مضافة لقداسة استثنائية للحاكم الأعلى، وإلى جانبهم طبقات كثيرة من المجتمع المخملي والأيديولوجيات الرسمية والأنظمة المضبوط؛ فإن ذلك عادة ما يجب، ومن المفترض أن تتفكك في الكيانات الحديثة، الأصغر حجماً وأدلجة واعتداداً بذاتها.  

إذ تصير هذه الكيانات تتخيل نفسها كجزء صغير وهامشي من الحياة الكونية، وعضواً متعاوناً ومستفيداً من ومع الكل العالمي، وتتصور ثقافاتها المحلية جزء من الثقافة العالمية، فيما مختلف أفراد مجتمعه، بما في ذلك الحاكمون، أناس عاديون ومتساوون مع غيرهم، دون قداسة لهم أو مركزية لجماعاتهم الأهلية، خاضعون للقانون والأعراف الآدمية العادية، دون تأليه وأبهة واعتداد مرضي بالذات.  

لم يحدث أي شيء من ذلك في ظلال الدولة التركية الحديثة عقب العصر العثماني. فتقديس العائلة العثمانية وتاريخها الحربي ما لبث أن شغله مصطفى كمال أتاتورك، الذي غدا فعلياً إلهاً أرضياً. والمركزية والإطلاق الذي كان الإسلام السُني يشغلهما ضمن الإمبراطورية العثمانية، حلت القومية العرقية التركية مكانه، فيما احتل الجيش التركي وما روجه عن نفسه منطقة التبجيل الأعلى، لأنه حسب العقيدة والدين الرسمي إنما يرمز للأمة، وتالياً صار منزها وأعلى من أية مساواة مع الآخرين من مواطني البلاد.  

يخدم هذا التفسير أشياء كثيرة، أقلها نفي أن تكون مشكلة تركيا "مجرد إردوغان"، كما توهمت التفسيرات الخاصة بالكثير من بلدان منطقتنا، بالذات في المراحل السابقة والسنوات الأولى لموجة الربيع العربي.  

ففي تركيا، كما غيرها، ثمة توازنات ومسارات وتواريخ ذاتية لهذه الكيانات، بالذات من حيث مكانة الدولة وعلاقة السلطة بالمجتمع، والوعي الجمعي لهذا الأخير بنفسه وكيانه، وتالياً العالم، وحيث أن تلك العلاقات والمخيلات، هي التي تقريباً تصنع كل شيء، النظام العام وشكل الحياة، على الأقل.   

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.