مسيرة انتخابية للجمهوريين في الانتخابات النصفية بولاية فلوريدا
مسيرة انتخابية للجمهوريين في الانتخابات النصفية بولاية فلوريدا

تحظى قضايا السياسة الخارجية باهتمام محدود من الناخبين الأميركيين خلال الانتخابات الرئاسية، واهتماما أقل خلال الانتخابات النصفية باستثناء الحالات التي تكون فيها الولايات المتحدة متورطة في نزاعات عسكرية خارجية مكلفة بشريا وماليا.

خلال حملة الانتخابات النصفية الراهنة، وعلى الرغم من الدور العسكري والسياسي الهام الذي تلعبه الولايات المتحدة في مساعدة أوكرانيا على مقاومة الغزو الروسي، وعلى الرغم من التوتر المتزايد في العلاقات الاميركية-الصينية، والتوتر العسكري في محيط شبه الجزيرة الكورية، اظهرت استطلاعات الرأي ان قضايا السياسة الخارجية والمسائل الامنية المرتبطة بها هي في آخر أولويات الناخب الاميركي.   

ومنذ أشهر تؤكد استطلاعات الرأي والسجال الانتخابي ان القضايا التي تقلق بال الناخب الاميركي هي اقتصادية ومعيشية بالدرجة الاولى، وتعقبها قضايا داخلية واجتماعية اخرى مثل ارتفاع معدلات الجريمة في بعض كبريات المدن الأميركية مثل نيويورك وشيكاغو، ومضاعفات قرار المحكمة العليا إلغاء القانون الفدرالي الذي كان يسمح للمرأة بحق الإجهاض، وغيرها من القضايا الداخلية. 

يواجه الديموقراطيون تحديات صعبة في صيانة أكثريتهم البسيطة في مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية والتي تعتبر تقليديا استفتاء على سياسة الحزب الحاكم، وخاصة على خلفية تأكيد أكثر من 74 بالمئة من الناخبين الاميركيين ان البلاد تسير في الاتجاه الخاطئ. نشاطات الرئيس بايدن وغيره من اقطاب الحزب الديمقراطي، وزياراتهم الى الولايات المحورية لإبقاء مجلس الشيوخ على الأقل في الصف الديمقراطي، إضافة إلى حاكمية بعض الولايات المحورية مثل نيويورك التي يحاصرها الجمهوريون أثارت من جديد الأسئلة حول التغييرات التي سيجلبها الجمهوريون في حال استعادتهم لاحد مجلسي الكونغرس او المجلسين معا. 

إذا سيطر الجمهوريون على مجلسي الكونغرس فإنهم سيركزون اهتماماتهم وطاقاتهم على القضايا الداخلية ومحاولة وقف أو إلغاء بعض قرارات وسياسات الرئيس بايدن. ما يمكن قوله بكثير من الثقة ان الجمهوريين سوف يوقفوا تحقيقات اللجنة الخاصة التي حققت بالاقتحام الدموي لمبنى الكابيتول في السادس من يناير –كانون الثاني 2021. اضافة الى تخفيف وطأة تحقيقات وزارة العدل بانتهاكات الرئيس السابق دونالد ترامب. المتشددون في مجلس النواب سوف يطالبون بمحاكمة مسؤولين في حكومة بايدن مثل وزير الامن الوطني اليهاندرو مايوركاس، لما يعتبرونه تقاعسه في صيانة الحدود الاميركية-المكسيكية، وربما ايضا وزير العدل ميريك غارلند بسبب تحقيقات الوزارة بدور الرئيس ترامب في التخطيط لاقتحام الكابيتول، ونقل وثائق رسمية سرية الى مقر اقامته. وسوف يسارع الجمهوريون الى فتح تحقيقات بالنشاطات المالية لنجل الرئيس بايدن، هنتر الذي خدم كعضو في مجلس ادارة شركة نفط أوكرانية حين كان جوزف بايدن نائبا للرئيس الاسبق باراك اوباما، اضافة الى نشاطات اخرى لهانتر بايدن في الصين. 

أما على صعيد سياسات بايدن، فإن الجمهوريين سوف يتحدون قرارات بايدن المتعلقة بإلغاء جزء من القروض المستحقة على طلاب الجامعات، كما سيلجأون كما فعلوا أكثر من مرة في السابق لتحدي قانون الضمان الصحي الذي أقره الكونغرس خلال ولاية الرئيس الأسبق أوباما والمعروف باسم "أوباماكير"، حتى ولو كانوا يدركون سلفا أنهم لن ينجحوا في إلغائه أو تقليصه جذريا بسبب وجود معارضة قوية لمثل هذا القرار الجذري وبسبب الفيتو الرئاسي. المتشددون بينهم سيحاولون وضع برنامج العناية الضحية للمسنين – وهو برنامج يعتمد عليه عشرات الملايين من الاميركيين المتقاعدين – في القطاع الخاص ، مع ما يحمله ذلك من اخطار على مستقبله، اضافة الى رفع سن التقاعد، وهي مشاريع راديكالية تواجه معارضة شعبية وبرلمانية قوية، ولكن ذلك لن يمنع هؤلاء المتشددين – لأسباب أيديولوجية، أم لإرضاء الجهات والقوى التي تمول حملاتهم الانتخابية – من الدفع لإقرارها. 

الصورة معقدة أكثر على صعيد السياسات الخارجية والامنية. وعلى الرغم من وجود اجتهادات مختلفة بعض الشيء بين الحزبين، إلا أن هناك شبه إجماع بين قيادات الحزبين على ضرورة اتخاذ موقف متشدد من التحديات الاقتصادية والعسكرية التي تمثلها الصين ضد الولايات المتحدة ومصالحها ومصالح حلفائها في شرق آسيا. ولذلك فإن سيطرة الجمهوريين على الكونغرس لن تؤد بالضرورة الى أي تغيير ملحوظ في الموقف من الصين. 

هناك أيضا دعم شعبي وفي الكونغرس لتسليح أوكرانيا لمقاومة الغزو الروسي، ولكن هذا الدعم يواجه منذ اشهر تحفظات وبدايات معارضة من شخصيات جمهورية في الكونغرس ومن قبل إعلاميين يمينيين نافذين من صناع الرأي في اوساط الجمهوريين. وفي شهر مايو-ايار الماضي صوت 57 عضوا جمهوريا في مجلس النواب ضد خطة دعم أوكرانيا البالغة قيمتها 40 مليار دولار، وانضم إليهم 11 عضوا جمهوريا في مجلس الشيوخ. هذه أقلية جمهورية، ولكنها مرشحة للنمو أكثر وسوف تجد أرضية خصبة أكثر اذا لم يكن هناك أفق منظور لنهاية الحرب. 

زعيم الأقلية الجمهورية في مجلس النواب الحالي الذي ستنتهي دورته في العشرين من يناير –كانون الثاني المقبل، كيفين ماكارثي ألمح في الشهر الماضي إلى احتمال حدوث تحول في موقف الحزب من دعم أوكرانيا حين قال "أعتقد ان الذين يعيشون في حالة ركود اقتصادي لن يقدموا شيكا مفتوحا لأوكرانيا". المرشح الجمهوري لعضوية مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو جي دي فانس يدعو علنا الى وقف المساعدات الاميركية عن أوكرانيا. من جهته لا يزال زعيم الاقلية الجمهورية في مجلس الشيوخ الحالي السناتور ميتش ماكونال على موقفه القوي المؤيد لتسليح أوكرانيا. في المقابل هناك عدد من اعضاء مجلس الشيوخ من الجمهوريين المؤيدين لتسليح أوكرانيا سوف يتقاعدون بعد الانتخابات النصفية. 

 التحفظات على تسليح ودعم اوكرانيا في اوساط الجمهوريين، في حال سيطروا على مجلسي الكونغرس، قد لا تؤدي إلى وقف المساعدات، ولكن ربما إلى تقليصها والمطالبة بإشراف أفضل ومباشر أكثر على إنفاقها، ما يمكن ان يؤدي عمليا إلى تأخير أو تقليص هذه المساعدات. 

سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس سوف تعني عمليا رفع مستوى التوتر مع إيران، في أعقاب وصول المفاوضات النووية في فيينا لإحياء الاتفاق الموقع في 2015 الى طريق مسدود، والغضب السائد في اوساط المشرعين من الحزبين في الكونغرس بسبب الانتهاكات الدموية لحقوق الانسان في إيران، خلال الشهرين الماضيين حيث قتلت السلطات الأمنية  حوالي 300 متظاهر مدني وفقا لمنظمات حقوق الانسان.

وسوف يتقدم المشرعون الجمهوريون بمشاريع قرارات لفرض عقوبات اضافية ضد ايران، او الضغط على الدول الحليفة لتضييق الحصار على النظام الايراني، ليس فقط بسبب قمعه للانتفاضة الشعبية السلمية، بل أيضا لتزويده القوات الروسية التي تحتل أوكرانيا بمسيرات وصواريخ إيرانية الصنع تطلقها روسيا عشوائيا ضد المراكز المدنية. وبعد فوز بنيامين نتنياهو وائتلافه بالأكثرية في الانتخابات البرلمانية الاخيرة في اسرائيل واحتمال عودنه لرئاسة الوزارة للمرة الثالثة، ونظرا لعلاقات نتنياهو الوثيقة بالجمهوريين في الكونغرس فان احتمالات احياء الاتفاق النووي مع إيران الذي يعارضه نتنياهو بشدة اصبحت شبه معدومة إن لم نقل مستحيلة. 

 الجمهوريون في مجلسي الكونغرس يريدون فتح تحقيقات بشأن الانسحاب الاميركي الفوضوي والدموي من افغانستان في صيف 2021، ما يعني استدعاء كبار المسؤولين في وزارتي الدفاع والخارجية للمثول أمام اللجان المختصة.  

استمرار أسعار النفط على معدلاتها العالية سوف يضع إدارة الرئيس بايدن في مواجهة مع الكونغرس الجمهوري الذي سيطالب برفع معدلات انتاج النفط من الحقول الأميركية لتقليص الاعتماد على نفط دول الاوبك حتى ولو ادى ذلك الى اجراءات تعتبرها ادارة بايدن متناقضة مع حماية البيئة. وليس من الواضح في هذه الحالة كيف سيؤثر ذلك على رغبة وقرار الرئيس بايدن "مراجعة" العلاقة مع السعودية بعد دورها القيادي في مجموعة أوبك –بلاس بتخفيض مجمل انتاج المجموعة من النفط، وهو قرار اعتبرته إدارة بايدن يصب في مصلحة روسيا ويضر بالمستهلكين في العالم. وهناك عدد كبير نسبيا من المشرعين في الحزبين من دعاة  تخفيف أو تجميد مبيعات الأسلحة للسعودية.  

سيطرة الحزب الجمهوري على مجلسي الكونغرس سوف تؤدي إلى تعطيل العملية التشريعية وعلى تحدي معظم إن لم نقل جميع مبادرات الرئيس بايدن التي تتطلب موافقة الكونغرس. وهذا يعني تحويل ادارة الرئيس بايدن إلى مجرد حكومة تصريف أعمال في منتصف ولايتها.  

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.