يحاول النظام الإيراني التملص من فعلته الخارجية حتى يغض الخارج الطرف عن أفعاله الداخلية
يحاول النظام الإيراني التملص من فعلته الخارجية حتى يغض الخارج الطرف عن أفعاله الداخلية

هل سقط النظام الإيراني في فخ مُسيراته التي تستخدمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا، تصريح وزير الخارجية الإيرانية أمير عبداللهيان يظهر بأن طهران تحاول التملص من هذه المسؤولية التي باتت شأنا دوليا وتسببت باتهام مباشر لطهران بأنها شريك لموسكو في حربها على أوكرانيا، ففي تصريح لافت يقول الوزير عبد اللهيان "سلمنا عددا قليلا من المسيرات إلى موسكو، قبل أشهر من الحرب في أوكرانيا، وإذا تأكدنا من استخدامها في حرب أوكرانيا، لن نبقى دون ردة فعل"، إلا أن محاولة التملص الإيرانية من المسيرات رد عليها الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بسرعة حيث أكد أن إيران تكذب بشأن إرسالها عددا محدودا من الطائرات المسيرة إلى روسيا، وأضاف أن القوات الأوكرانية تسقط عشرا على الأقل من هذه الطائرات يوميا.

الاعتراف الإيراني ببيع موسكو طائرات مسيرة جاء بعد فشل محاولة حل الأزمة دبلوماسيا بينها وبين كييف، فقد اعترف عبد اللهيان أنه طلب من نظيره الأوكراني تزويد بلاده بأي وثائق تظهر استخدام روسيا مسيرات إيرانية في أوكرانيا، وبأن أوكرانيا لم تحضر اجتماعا سياسيا ودفاعيا تم الاتفاق عليه قبل أسبوعين كان سيعقد في بلد أوروبي، والأرجح أن الاعتراف الإيراني جاء نتيجة قلق النظام من التداعيات السلبية لما يمكن أن تعتبره الدول الغربية جريمة المسيرات الإيرانية في أوكرانيا.

فعليا عملية التملص المفاجئ من المسيرات لا يمكن فصلها عن أمرين شديدي التأثير على مواقف النظام، الأول له علاقة بمستقبل المفاوضات النووية والذي بات يرتبط بالأمر الثاني المستجد وهو حركة الاحتجاجات، فالأخيرة فرضت نفسها على الداخل والخارج، فقد أدى فشل أجهزة النظام الأمنية في السيطرة على حركة الاحتجاجات إلى تحولها لقضية عالمية أثارت تعاطف الرأي العام الدولي الذي أثر بدوره على مواقف صناع القرار العالمي خصوصا مجموعة الدول الكبرى المشاركة في مفاوضات فيينا النووية أو تلك المنخرطة مباشرة بالحرب الأوكرانية.  فالموقف اللافت جاء هذه المرة من قبل المسؤول الأميركي الأكثر حماسة لعقد اتفاق نووي مع إيران المبعوث الأميركي الخاص بإيران روبرت مالي، الذي قال يوم الجمعة الفائت إن القيادة الإيرانية لن تستطيع الإفلات بفعلتها في مساعدة ما وصفه "بعدوان روسيا الوحشي" على أوكرانيا.

في كافة الجولات التفاوضية السابقة رفضت إيران التطرق إلى نفوذها الإقليمي ودور مُسيراتها في تهديد استقرار جوارها، وعملت دائما على حصر النقاشات التفاوضية بملفها النووي فقط، ولكنها الآن أمام استحقاق تفاوضي مختلف عن السابق بعدما باتت مسيراتها تهدد الأمن والاستقرار الدوليين وجزءا من حرب تشنها موسكو على دولة أوروبية حليفة للناتو ومدعومة من الاتحاد الأوربي الشريك الأساسي في مفاوضات فيينا.

الأوروبيون الذين مارسوا  ميوعة في المفاوضات وأعطوا طهران الكثير من الامتيازات ووافقوا على بعض شروطها وقبلوا ضمنا بالفصل ما بين الملف النووي وملفات أخرى، باتوا الآن أمام استحقاقين كبيرين، الأول هو المسيرات التي تؤكد أن إهمال ملف نفوذ إيران الإقليمي أدى إلى توسيع نفوذها عالميا، والثاني الاحتجاجات والموقف من الحريات العامة خصوصا المرأة التي لا يمكن أن تتغاضى عنه العواصم الأوروبية، وهذا ما سوف يدفعها إلى التشدد مع طهران داخليا وخارجيا، ما قد يؤدي إلى إعادة طرح كافة القضايا على طاولة مفاوضات فيينا إن تمت العودة إلى المفاوضات مجددا. التشنج ما بين النظام الإيراني والدول الكبرى تعكسه تصريحات وزارة الخارجية الفرنسية بعد اجتماعات مجموعة الدول السبع، حيث أكدت الخارجية الفرنسية يوم الجمعة الفائت، إن مجموعة السبع متحدة في إدانة أفعال إيران "المزعزعة للاستقرار" في المنطقة والعالم. فيما جددت وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا دعم بلادها للشعب الإيراني في ممارسة حقوقه المشروعة في مواجهة الحملة التي تقودها السلطات على الاحتجاجات.

بدورها تمارس كييف ضغوطا كبيرة على المجتمع الدولي بهدف محاسبة إيران على مسيراتها التي يستخدمها الجيش الروسي في حربه عليها، وهذا ما دفع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لانتقاد الإمدادات العسكرية الإيرانية لروسيا بشدة، وقال في خطابه اليومي مساء الأحد: "إيران تدعم النظام الروسي الإرهابي وتساعد في إطالة أمد الحرب، وبالتالي تطيل أمد التهديدات التي تواجه العالم بسبب العدوان الروسي."

إذن من المدن الأوكرانية التي تُضرب بالمُسيرات الإيرانية إلى المدن الإيرانية التي تشتغل فيها آلة القمع ضد المحتجين، يحاول النظام الإيراني التملص من فعلته الخارجية حتى يغض الخارج الطرف عن أفعاله الداخلية، فيما الداخل المستمر باحتجاجاته منذ شهرين فتح أذهان الخارج على الداخل والخارجي الإيراني.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.