صورة تعبيرية من تظاهرة مؤيدة للحكم المدني في الخرطوم
صورة تعبيرية من تظاهرة مؤيدة للحكم المدني في الخرطوم

في رثائه للمفكر المصري الراحل، كمال أبو المجد، قال سعد الدين إبراهيم إن كثيرين سيذكرون مآثر الرجل، من بينهم "عقلاء جماعة الإخوان المسلمين" الذين طالما نصحهم بأن يتجاوزوا الماضي ويستفيدوا من دروسه، وأضاف أنه سأل أبو المجد عن الحكمة وراء تلك النصيحة بالذات فأجابه قائلا: "إن أغلبية الإخوان المسلمين، وخاصة قياداتهم كانوا مثل أسرة البوربون التي حكمت فرنسا في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر: لا يتذكرون شيئا، ولا يتعلمون شيئا، فيرتكبون الخطايا نفسها، فيثور عليهم الشعب من جديد".

بعد السقوط الكبير لنظام حكم جماعة الإخوان في السودان بثورة شعبية عارمة في أبريل 2019 كان المؤمل أن تعكف الجماعة على مراجعة وتقييم تجربتها في الحكم التي استمرت 30 عاما وانتهت بالفشل المدوي الذي أدى لخروج الملايين للمطالبة بذهاب سلطتها الاستبدادية في ثورة مازالت فصولها مستمرة حتى اليوم.

ولكن على العكس من ذلك، وكما قال أبو المجد، اتضح أنهم لم يتعلموا شيئا، حيث عادوا لانتهاج ذات الممارسات التي وسمت حكمهم الباطش الطويل، والمتمثلة في رفع الشعارات الدينية الهادفة لدغدغة مشاعر الناس من أجل تحقيق أهداف سياسية فاشلة ومجربة، فضلا عن استخدام كافة الوسائل والأساليب الفاسدة للانتقاص من مواقف القوى الثورية وإعاقة عملية التحول المدني الديمقراطي في البلاد.

الهدف الأساسي الذي بنوا عليه خطتهم تمثل في محاولة تصوير القوى الثورية وكأنها قوى عميلة تستقوى بالأجنبي وتنتقص من سيادة البلد، حيث زعموا كذباً وتضليلاً أن الإعلان الدستوري الذي أعدته اللجنة التسييرية لنقابة المحامين وأصبح أساساً للعملية السياسية في البلاد تمت صياغته خارج البلاد بواسطة قوى أجنبية، وهو ادعاء ساذج لا يصمد أمام أية نظرة عقلانية في جميع بنود الإعلان.

وقد نسى أو تناسى فلول الإخوان أن نظامهم الفاسد كان قد فتح الباب عريضاً أمام التدخل الأجنبي في شؤون البلاد بصورة غير مسبوقة في تاريخ السودان الحديث، وليس أدل على ذلك من دخول أكثر من 25 ألف جندي أممي لحماية المدنيين في إقليم دارفور ضمن بعثة "يوناميد" أمام سمع وبصر الإخوان الذين يحركون المواكب الهزيلة اليوم مطالبين بطرد رئيس بعثة "يونيتامس" فولكر بيرثيز.

كما نسى فلول البوربون الذين لا يتذكرون شيئاً أن رأس نظامهم الفاشي الجنرال المخلوع، عمر البشير، قد طلب علانية وأمام بصر وسمع العالم أجمع من الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، الدفاع عن نظامه الحاكم وحمايته، وطلب منه رسميا إقامة قاعدة عسكرية روسية في البحر الأحمر لذلك الغرض؟ 

وكذلك نسى فلول الجماعة أن جهاز مخابراتهم قد فتح خزائن معلوماته ووثائقه في إطار تعاونه مع أجهزة المخابرات الغربية وعلى رأسها الأميركية في حربها على الجماعات المتطرفة التي كان نظام الإخوان قد فتح لقادتها أراضي السودان للإقامة والتدريب والتخطيط للعمليات الإرهابية، فهل يوجد انتقاص لسيادة البلد أكثر من ذلك؟

الإخوان هم آخر من يتحدث عن التفريط في سيادة البلد ووحدة أراضيه والتدخل الأجنبي في شأنه، أليسوا هم من فرطوا في ثلث الأرض (جنوب السودان) ثمناً لاستمرار دولتهم الاستبدادية الفاشلة وشعاراتهم الدينية الجوفاء؟ أليسوا هم من صمتوا عن ذهاب الفشقة وحلايب ثمناً لحماقاتهم ومغامراتهم الصبيانية بالتدخل في شؤون الجيران؟

كان على فلول النظام أن يستحوا من تكرار الأسطوانة المشروخة حول ضياع "الإسلام" بسبب مسودة الإعلان الدستوري التي زعموا كذبا أنها تحارب الدين، فقد تشبع السودانيون من الشعارات البائسة التي لم تجن البلاد منها سوى الانحطاط الأخلاقي والفساد الكبير الذي عم جهاز الدولة، فضلاً عن بعث العصبيات القبلية وإشعال الحروب الأهلية.

قد فشلت دعوات الحشد والتجمهر التي دعا لها فلول الإخوان في الأيام الماضية، حيث ظهرت تجمعاتهم بشكل هزيل أوضح أن مساعيهم للعودة للمشهد السياسي الحالي مستحيلة، وهو أمرٌ بديهي لكل عاقل تابع مجريات الأحداث السودانية في السنوات الثلاث الماضية ولكن الجماعة المتعطشة دوما للسلطة لم تستوعب التغيير الذي أحدثته الثورة في المجتمع السوداني وظنت أن عودتها للحكم سهلة وممكنة.

إن أول مظاهر استسهال الفلول لأمر عودتهم يتمثل في أن الجماعة التي حكمت البلاد 30 عاما بالحديد والنار وارتكبت من الأخطاء ما لم يرتكبه أي نظام حكم وطني منذ الاستقلال، لم تكلف نفسها طوال السنوات الثلاث الماضية بإصدار ورقة أو كتيب لنقد وتقييم تجربتها الطويلة في الحكم بشكل موضوعي.

كذلك عجزت الجماعة عن الاعتذار للشعب السوداني عن العسف والبطش الذي مارسته والجرائم التي ارتكبتها خلال فترة حكمها وهي الممارسات التي دفع السودانيون ثمنها غاليا من المهج والأرواح والدماء.

ومن ناحية أخرى، فقد فشل الإخوان أيضاً في إجراء مراجعات حقيقية وعلنية تطال العديد من المبادئ والمرتكزات التي ينهض عليها بنيان الجماعة الفكري والتي تسببت في تشييد دولة الاستبداد والفساد والحروب الأهلية والعزلة عن العالم، وهي مراجعات ضرورية لن يستطيعوا العودة للسلطة، حتى عبر الانتخابات، دون القيام بها.

إن محاولات الجماعة للعودة للسلطة عبر وضع العراقيل والعقبات والمتاريس أمام نجاح الفترة الانتقالية، والسعي لإعادة تدوير الشعارات البائسة، لن تعود عليها إلا بالمزيد من العزلة عن جماهير الشعب السوداني التي جربت حكم الإخوان لسنوات طويلة ولم تر منهم حتى الآن ما يوحي بتغير سلوكهم وممارساتهم. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.