لقطة للدمار في ماريبول الأوكرانية
لقطة للدمار في ماريبول الأوكرانية

مهما ارتفع مستوى انعدام الثقة بين الجانبين الأميركي والروسي، فإنه يمكن موضوعياً الافتراض بأن الحكمة والعقل ما زالا يقفان بوجه انزلاق المواجهة في أوكرانيا إلى حرب بينهما تصل بالعالم إلى الكارثة النووية. أي أن مبدأ "الدمار المتبادل المؤكد"، الذي أبقى على "برودة" الحرب الباردة في العقود ما بين نهاية الحرب العالمية الثانية وانهيار المنظومة الاشتراكية، لا يزال قائماً.

على أنه كلما طال أمد الحرب في أوكرانيا، كلما ارتفعت احتمالات وقوع خطأ ما يؤدي إلى التصادم الخطير.

والمعضلة التي يواجهها العالم اليوم هي أن الموقف الروسي، النابع عند رأس هرم القرار من الحاجة الماسة إلى المحافظة على هيبة الرئاسة والعصي بالتالي عن أي من مظاهر التراجع أو الانكسار، والموقف الأميركي المقابل، القائم على معادلة توازن بين الدعم المفتوح لأوكرانيا، مادياً ومالياً واستخباراتياً، مع الامتناع عن إرسال الجنود، بما يتيح الاستمرارية الطويلة، لا يلتقيان عند أي مخرج ممكن.

أي أنه لا سبيل إلى إنهاء الحرب في أوكرانيا إلا بتراجع صريح لأحد الطرفين، الروسي أو الأميركي، بما يشكل إقراراً بالهزيمة له، أو بقرار من القيادة الأوكرانية بأنها ترضخ للمطالب الروسية، وهو ما لن يتحقق طالما أن هذه القيادة تتمكن، نتيجة الدعم الغربي، من الصمود ومن الإنجازات الميدانية الموضعية.

هي بالتالي حرب استنزاف طويلة الأمد تختبر حدود القدرات الروسية، الواسعة دون أن تكون لامتناهية، والموارد الأميركية، الأوسع والأكبر بأشواط، إنما المعرضة للاعتبارات السجالية السياسية خلافاً للقرار الروسي الذي يتفرّد به سيد الكرملين. على أن العوارض الجانبية للاستنزاف هذا هو تجويع واسع النطاق على مستوى الكوكب، وتفاقم الأزمات الاقتصادية والسياسية، وصولاً ربما إلى انهيار دول ضعيفة، والتسريع بالتأكيد من العوارض السلبية للواقع المناخي بما ينفي التقدم الحاصل في المرحلة الماضية. كل هذا ينذر بكوارث قد يكون من الصعب تبين عواقبها للتوّ.

موقف إدارة الرئيس بايدن كان واضحاً، صريحاً، ومباشراً. قبل أشهر من إقدام القوات الروسية على اجتياح أوكرانيا، أوفد الرئيس مدير الاستخبارات المركزية لإبلاغ الكرملين بأن الولايات المتحدة متيقنة من الرغبة الروسية بالإقدام على مغامرة في أوكرانيا، وبأن الأمر لن يمرّ بسهولة وتسليم بالأمر الواقع المرتقب مع بعض الاعتراضات اللفظية، كما سبق أن جرى في جورجيا عام 2008، حيث استحصلت روسيا على مقاطعتي أوسيتيا الجنوبية وأبخازيا، وإن لم تعمد إلى ضمّهما رسمياً، أو كما وقع في أوكرانيا عام 2014، حين استعادت روسيا شبه جزيرة القرم، والتي كان الزعيم السوڤياتي الأسبق نيكيتا خروتشوف قد منحها لأوكرانيا في الخمسينات، في خطوة شكلية رمزية بين جمهوريات الاتحاد السوڤياتي، والخاضعة كلّها يومئذ لجبروت القيادة في موسكو.

المسألة أميركياً، علناً وجهاراً، هي التأكيد على وجوب ضمان استمرارية النظام الدولي، القائم على حرمة سيادة الدول مهما كانت مساحتها وقوتها، في مواجهة دول مقتدرة تقرّر أن أمنها الوطني يقتضي فرض قيود وشروط على الدول المغلوبة على أمرها تحت طائلة التصفية والزوال. الخيارات المتاحة أميركياً كانت إما التسليم بمنطق القوة الروسي، مع عواقب منهكة للنظام الدولي ولثقة الحلفاء والشركاء والأصدقاء بواشنطن، أو الدخول بمواجهة عسكرية مباشرة مع روسيا، بما يقوّض النظام الدولي بالتأكيد ويفتح الأبواب أمام كوارث غير مسبوقة، أو اعتماد معادلة الدعم دون أرسال الجنود، أي صيغة الاستنزاف. والقرار الأميركي، من وجهة نظر ذاتية، هو الأقرب إلى تجنيب العالم، والولايات المتحدة طبعاً، النتائج الوخيمة المترتبة عن خلافه.

ليس هذا الموقف الأميركي مقنعاً من وجهة نظر روسية. غالباً ما يجري في موسكو استدعاء "السجل الأسود" للولايات المتحدة بالكامل من أجل الاعتراض عليه ورميه بالنفاق والمخادعة. لا مكانة تاريخية وأخلاقية للولايات المتحدة لأن تحاسب روسيا. ماذا عن إبادة السكان الأصليين واستعباد الأفارقة، بل ماذا عن القنبلتين الذريتين في هيروشيما وناغاساكي خلال الفصل الأخير من الحرب العالمية الثانية، ثم ڤيتنام، وصربيا، وأفغانستان، والعراق.

روسيا، في المقابل، كرّرت التشكي من "مجازر" في الدونباس، ومن تخلف أوكرانيا عن تنفيذ اتفاقيات تلتزم من خلالها بتوفير الحكم الذاتي لهذه المقاطعة الناطقة باللغة الروسية في أراضيها، فيما الخشية كانت أوكرانياً أن موسكو تسعى إلى ضمان موطئ قدم موالٍ لها في جمهوريتي الدونباس العتيدتين للاستيلاء على كل المناطق الناطقة بالروسية، كلياً أو جزئياً في أوكرانيا، وتقويض استقلالية أوكرانيا بكاملها وجعلها محمية تابعة لروسيا. من شأن أوكرانيا أن تسأل اليوم: أليس هذا ما يحصل؟

فيما يتعدى التبرير الروسي المباشر لـ "العملية الخاصة" بالحاجة إلى الدفاع عن أهالي الدونباس، وإن جاء مشحوناً في خطابيات الرئيس ڤلاديمير پوتين نفسه بالكلام حول "الخطأ التاريخي" الذي يشكله وجود أوكرانيا، فإن الاعتراض من موسكو إزاء الولايات المتحدة هو أنها "وعدت بألا يتمدد حلف شمالي الأطلسي قيد أنملة" مقابل الموافقة السوڤياتية عام 1989 على توحيد ألمانيا. لم يكن هذا وعد واشنطن، بل كان كلامها بأنها لا تسعى إلى هذا التمدد وحسب، وهو يبقى حقاً سيادياً اختارته بعض هذه الدول بنفسها في مراحل لاحقة لدرء خطر تعاظم الرغبة الروسية بإعادتها إلى "بيت الطاعة". واختارته فنلندا والسويد بعض طول التزام بالحياد في أعقاب اجتياح روسيا لأوكرانيا وثبوت مقولة الجنوح الروسي إلى التوسع، مهما اختلفت الحجج والأعذار.

واقع الأمر أن جنوح التوسع هذا جزء من دائرة مفرغة تجد روسيا نفسها فيها. إذ ثمة قراءة بالفعل، في أوساط "صقورية" فكرية قريبة من دوائر صياغة القرار في واشنطن، بل من صميمها في مراحل عدة، تعتبر بأن مساحة روسيا، الهائلة، وامتدادها على مدى الكتلة القارية الأكبر يجعل منها تلقائياً ميالة إلى استكمال عناصر القوة ومركزتها، في تحدٍ للمصالح الأميركية بل في موقع العداء لها. فالتوصيات لللإدارت المتعاقبة في واشنطن كانت العمل على منع هذا الميل والتصدي له، ولا سيما في منطقة آسيا الوسطى لأهميتها المستقبلية العالمية على مستويات الطاقة والاقتصاد. بل ثمة من طرح فكرة السعي الاحترازي إلى تفكيك روسيا إلى عدة دول لمنع هذا التوجه من أن يتحقق، ومن هؤلاء مستشار الأمن الوطني الأسبق زبيغنيو بريجنسكي ومساعد وزير الدفاع الأسبق پول وولفوويتز.

ردة الفعل الروسية المعلنة على هذه الأفكار هي اعتبارها سياسة معتمدة أميركياً وإدراج الخطوات الفعلية التي تقدم عليها موسكو، مثل اجتياح أوكرانيا، على أنها نتائج مباشرة لها. روسيا، وفق هذه المقولة، اجتاحت أوكرانيا لحماية نفسها من مسعى التدمير المعدّ لها.

طبعاً لا مسعى من هذا القبيل أميركياً، حيث أن هذه الأفكار "الصقورية" هي جزء وحسب من حوار فكري نظري سياسي استشفافي يجمعها مع غيرها، بما في ذلك التوجهات التي استهوت البعض في الإدارة السابقة والقائلة بأن التواصل الأوروپي الصيني قد بلغ مستويات يستحسن معها صياغة تحالف جديد مع روسيا في مواجهته. ما يغربل كل هذه الأفكار ويضبطها ويستخلص منها ما يجري اعتماده هو القراءة الإجماعية، أو ما يقارب، للمصلحة الاقتصادية والاجتماعية للولايات المتحدة، والتي تهيمن عليها إلى حد الغلبة القاطعة قناعة أن الاستقرار هو السبيل إلى الازدهار. أي خلافاً للتصوير التسطيحي والذي يواظب على سوء قراءة تحذير الرئيس الأسبق آيك أيزنهاور من "المجمع العسكري الصناعي"، فإن المكانة الاقتصادية للولايات المتحدة، وثروتها ورخاءها وازدهارها، كلها معرّضة للخطر الفائق مع اتساع الحروب، وإن جنت قطاعات محدودة بعض الفوائد.

بل إن ما يقابل أفكار تفكيك روسيا عند الجانب الآخر هي الطروحات المحلّقة غير الخجولة من جانب بعض السياسيين والمفكرين الروس المطالبة باستعادة ألاسكا، والتي باعتها روسيا القيصرية للولايات المتحدة في القرن التاسع عشر، وتثبيت النفوذ الروسي مجدداً في شمالي القارة الأميركية إلى جوار كندا والولايات المتحدة. صدقية المخاوف الروسية المزعومة من "سعي أميركي إلى تقسيم روسيا"، من وجهة نظر أميركية، يقابلها، من حيث الخواء والعبث، "خوف" في واشنطن من مطامع روسية بألاسكا تدفع الولايات المتحدة إلى اجتياح سيبيريا مثلاً. لا جدية من وجهة نظر رائجة في واشنطن لا لهذه ولا لتلك.

على أن القراءة الأميركية للمزاج الروسي قد لا تكون في محلها. الإعلام الروسي يعمد إلى شيطنة عميقة للولايات المتحدة، داخل روسيا نفسها وعلى مدى العالم. واقع الأمر  أن متابعة الحالة الفكرية السياسية في روسيا تجعل من الصعب تنبيّن أين تنتهي المبالغات الإعلامية المتعمَّدة وأين تبتدئ القناعات الصادقة بهذا الشأن، وإن كانت شاطحة.

الكلام المتكرر من أكثر من جهة فكرية وسياسية في موسكو أن "العالم دون روسيا لا يستحق أن يبقى" قد لا يكون وحسب تكراراً لشعارات تسويقية تبجحية من الكرملين، بل قد يكشف عن قدر من القلق الوجودي حول مسعى متخيّل أو مفترض لتدمير روسيا. أي أن الهزيمة في أوكرانيا، إن وقعت، ليست لشخص پوتين ورئاسته واستبداده، بل لروسيا نفسها، والتي استبيحت على مدى أكثر من قرن، عند الثورة عام 1917، والتي دمّرتها اقتصادياً واجتماعياً ودينياً، ثم مع الحرب العالمية الثانية، الوطنية الكبرى، والطغيان وفيضان الدماء، وصولاً إلى النهب الممنهج عند سقوط المنظومة الاشتراكية. واليوم، مع استعداد روسيا لبعض القيامة، المسعى هو لتفكيكها واستنزافها. بعد الثمن الباهظ الذي دفعته روسيا على مدى هذا القرن، لا بد من فهم أدق لمقولة أنه لا يستحق العالم أن يكون دون روسيا.

يمكن بطبيعة الحال ترصّد التفاصيل التي تكشف عن تخبط بنيوي في روسيا، عسكرياً ومدنياً. ويمكن الإشارة إلى أعداد غير قليلة من المعارضين لشخص پوتين والرافضين للعداء مع الغرب. غير أنه من المبالغة، بل من التعامي، تجاهل مستوى التأييد لشخص پوتين، ودرجة التماهي مع خطاب المظلومية المتجذر في روسيا.

وهكذا تكتمل عناصر المأزق. لا يمكن مطالبة الأوكرانيين بالتخلي عن دفاعهم المشروع عن بلادهم والسعي المحقّ إلى تحرير ما استولى عليه الاجتياح. هم الذين يسددون ضريبة الدم، ومقاومة الظلم والعدوان حق مبدئي من حقوق الإنسان. ولا يمكن للغرب الجماعي، ولمن يناصر الحق خارجه، التخلي عن دعم أوكرانيا، وفق الوعود والعهود ووفق المبادئ والمصالح، والاستسلام بدلاً عنه لمنطق القوة الروسية القاهرة. ولكن لا يمكن كذلك إهمال عمق المظلومية التي يعيشها المجتمع الروسي في بلاد أرادها عظيمة وكانت عظيمة لتبدو اليوم محكومة بالانحسار والتآكل والتقسيم. بل وعد الغرب له بالهزيمة والعقاب.

المعضلة ليست حول صلاحية الغرب، أو أي جهة دولية، بالسعي إلى إنزال الهزيمة بروسيا وتحميلها الثمن. بل في قدرة الغرب، أو أية جهة أخرى، على تحقيق هذا المسعى، وفي مسؤوليته عن الأثمان الإضافية المترتبة عن هذا المسعى. من وجهة نظر أوكرانية في مواجهة الاحتلال، وبما أن الدعوة الروسية إلى التفاوض، دون تدليس، هي دعوة إلى استكمال إجراءات الاستسلام، فالخيار هو إما المقاومة والصمود أو الانتفاء، أي أنه خيار واضح وسهل. من وجهة نظر روسية، المسألة هي إما الاستمرار وتحقيق النصر، بناءاً على التفوق بالعدد والعتاد والمواقع، رغم سوء إدارة الموارد والتخبط في المراحل الماضية، أو الرضوخ للاضمحلال. فالخيار كذلك واضح وسهل.

أما غربياً ودولياً، فإما المثابرة المبدئية على دعم أوكرانيا، وهي التي تطالب بتوسيع هذا الدعم، على أمل استنزاف القدرات العسكرية الروسية، مع ما يصاحب ذلك من مآسٍ غير محسوبة عالمياً. أو إتاحة المجال، ضمناً أو جهاراً، أمام غلبة روسية، وإن جزئية وإن موقعية، لحقن آني لأوسع قدر ممكن من الدماء، مع ما يستتبع هذا التوجه من انهيار للمنظومة الدولية، ومن عواقب غير محسوبة. أو ترصّد الفرص، مع الإقرار بأن المتاح للتوّ ليس مناسباً.

الحرب للأسف مستمرة بالتالي، واحتمالات الانزلاق إلى الأسوأ ليست ضئيلة.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.