نتانياهو

وفي جولة الاقتراع الخامسة تمكن بنيامين نتانياهو من الفوز بأكثرية نيابية مريحة تمكنه من تشكيل حكومة مستقرة، بعد خمس سنوات من الحكومات الإسرائيلية قصيرة العمر! لكن "الاستقرار" الذي أشرنا إليه سيمثل للفلسطينيين مرارة أين منها  مراراتهم مع كل حكومات اليمين منذ وصوله إلى الحكم في العام 1977 مع مناحيم بيغن، وطبعاً مع حكومات اليسار منذ قيام إسرائيل.

فنتانياهو نفسه هو غيره عندما وصل للمرة الأولى إلى الحكم عام مطيحاً بشمعون بيريز في حينها. ومقولة أن الليكود في المعارضة هو غيره في الحكومة لم تعد تصلح لاستشراف الاحتمالات. نتانياهو بالإضافة إلى "التوكيل" الذي أعطي له، سيكون محاطاً بمن هم على يمينه، أي بيتمار بن غفير وبتسليل سمورتيتش (الصهيونية الدينية)، وهو وإن قرر الابتعاد عنهما نحو أحزاب المركز، وهو أمر مستبعد، فلن يعني ذلك أننا سنكون حيال حكومة حمائم اليمين.

لكن السؤال هو مَنْ مِن المعنيين بهذا الحدث، من غير الإسرائيليين، أعد نفسه لهذا التحول الهائل الذي شهدته إسرائيل! الحكومات الغربية لن يكون هذا التحول برداً وسلاماً بالنسبة إليها، وهو أصلاً امتداد لصعود حركات اليمين لديها، ونماذجه في إيطاليا مؤخراً وقبلها في السويد، لكن في بريطانيا أيضاً، ومؤشرات الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة بدورها ليست بعيدة عما شهدناه في إسرائيل. 

لكن يبقى أن قدرة الحكومات الغربية على التعامل مع حكومة يمين متطرف في إسرائيل تبقى محكومة بشروط العلاقات بين الدول. أما المعنيين غير الإسرائيليين وغير الغربيين، ونعني هنا العرب، أنظمة وحكومات ومجتمعات، فليس الحدث الإسرائيلي في مقدمة أولوياتهم. ويمكن على سبيل التوقع رصد أصداء وصول هذا النوع من الحكومات في إسرائيل لدى المحاور الإقليمية التي تتوزع الإقليم.

يبدو أن دولاً في الخليج استقبلت وصول نتانياهو بترحيب، ذاك أن الرجل هو الشريك الأول في اتفاقات ابراهام، وهو أيضاً عدو عدوهم، أي إيران، ووصوله سيعزز من احتمالات المواجهة معها، خصوصاً إذا تم تعزيز فوزه بوصول الجمهوريين إلى مجلسي الشيوخ والنواب في واشنطن، ولاحقاً إلى البيت الأبيض. إنه "التطبيع المجاني" الذي لطالما كان طموح نتانياهو والذي قدمته له دول اتفاقات ابراهام. أما دول "محور المواجهة" وأنظمته في سوريا وطهران وبغداد وبيروت، فلطالما خاطبت الحكومات الإسرائيلية اليمينية والمتطرفة رغبتها في قصر "الصراع" على مستواه الخطابي، فاضطهدت مجتمعاتها وعلقت القوانين، ولم تبخل عليها حكومات "العدو" بمزيد من شروط الاستبداد من دون أن تشكل تهديداً لوجودها. حكومة يمين متطرف في إسرائيل لن تشكل خطراً على أنظمة غارقة باضطهاد مجتمعاتها. 

من المرجح أن عمان ترتعد جراء الحدث الإسرائيلي. عودة نتانياهو تعني لها عودة لـ"مونولوغ" الوطن البديل الذي لطالما أداه الليكود، فما بالك بأن اليمين الصهيوني وصل إلى السلطة هذه المرة معززاً باليمين الديني. و"الوطن البديل" بالنسبة للأردن إطاحة بمقومات وجود المملكة، ناهيك عن احتمالات استيقاظ "صفقة القرن" بعد سنوات السبات التي شهدتها بفعل وصول الديموقراطيين إلى البيت الأبيض.

الفلسطينيون في داخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة أمام المعضلة المباشرة. فبن غفير لم يعد مجرد سياسي إسرائيلي يملك دعاوى الترحيل والاستيطان، فهو من المرجح أن يكون له حقيبة وازنة في الحكومة. إنها حكومة الـ"كاهانيز" على ما تصفها الصحافة في إسرائيل، أي دعاة الدولة ذات الهوية الواحدة. 

هذه المرة ستكون السلطة في اسرائيل أداة تنفيذية لأشد المتطرفين، وفي مقابل ذلك سيواجه الفلسطينيون المشهد الإسرائيلي وهم يواصلون انقسامهم بين الضفة وغزة وبين فتح وحماس، ناهيك عن أنهم سيكونون لوحدهم، لا بل أن حكومة اليمين المتطرف ستستعين عليهم بالمطبعين العرب وبالمزاج اليميني المتصاعد في الغرب، مما سيولد قابلية لتطرف مواز قد يطيح بطاقة المواجهة المدنية التي شهدنا فصولاً منها في القدس وداخل الخط الأخضر.

ليس أمام الفلسطينيين سوى الرد على الانعطافة الإسرائيلية من اليمين الصهيوني إلى اليمين الديني سوى بانعطافة معاكسة، أي تثبيت الحق عبر ممارسة مدنية تكشف للعالم مجدداً أننا حيال جانٍ وضحية، وحيال أصحاب حق بأرض وبدولة، وأن البؤر الاستيطانية في القدس والضفة الغربية هي عملية سطو على حق مثبت بالقانون الدولي، وأن العالم اذ يتعامل مع نتائج الانتخابات بوصفها خيار الإسرائيليين، عليه في المقابل أن يتعامل مع المزاج التوسعي بوصفه عملاً عدوانياً يرتب اصطفافاً دولياً لمواجهته.

للفلسطينيين دور في إنتاج حساسية دولية منحازة لقضيتهم، والعودة إلى معادلة الانتفاضة الأولى هي الطريق الوحيد المتاح.       

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.