ديناميكية السياسة الأميركية تتأثر بعوامل عديدة
ديناميكية السياسة الأميركية تتأثر بعوامل عديدة

الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة الأميركية هي الانتخابات العامة التي تُجرى بالقرب من منتصف فترة ولاية الرئيس البالغة أربع سنوات. وتُقام الانتخابات النصفية الأميركية  يوم الثلاثاء التالي للاثنين الأول من شهر نوفمبر. وتشمل هذه الانتخابات المكاتب الفيدرالية المطروحة لجميع مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 435 مقعدًا، وحوالي ثلث مقاعد مجلس الشيوخ والبالغ عددها  100 مقعد.   

وقد أظهرت النتائج الحالية للانتخابات النصفية الأميركية تقدم الجمهوريين بوضوح على الديمقراطيين في مجلس النواب، وتقاربا شديدا بين الحزبين في السباق على مقاعد مجلس الشيوخ.   

ويتوقع العديد من الخبراء فوز الجمهوريين  بمجلس النواب مما قد يعيق الرئيس بايدن في فترة رئاسته القادمة حتى لو لم يفوزوا بكل مقاعد مجلس الشيوخ لأن مجلس النواب هو من يتحكم في قرارات منح الأموال للمشروعات الحكومية.  

وبالنظر بصورة أعمق للأمر نستطيع أن نرى مجموعة من العوامل تسببت في هذا الوضع وهو الوضع الذي يعني احتمال خسارة الحزب الديموقراطي الداعم للرئيس جو بايدن مجلس النواب المؤثر بشدة في السياسة الأميركية.  

العامل الأول:

العامل المتكرر في الانتخابات الأميركية وهو أن يختار العديد من الناخبين المتأرجحين (أي من لا ينتمون فكرياً لأياً من الحزبين) مرشح مجلس النواب من حزب مخالف لحزب الرئيس الحاكم حتى يكون هناك توازن في القوى يرون أنه يصب في مصلحة الدولة.  

العامل الثاني:

هو العامل الاقتصادي. يرى البعض أن الرئيس الأميركي (وبالتالي حزبه) هو المسؤول الأول والأوحد عن الاقتصاد. وهؤلاء يرون أن المشاكل التي تعاني منها الولايات المتحدة مثل الغلاء والتضخم وارتفاع أسعار المنازل والسلع هي بسبب سياسات الرئيس الحالي بخاصة في الطاقة بالرغم أن ما يحدث لدرجة ما أزمة عالمية وليست خاصة فقط بالولايات المتحدة الأميركية.

العامل الثالث:  

هو عامل "أوكرانيا"، إذ يرى البعض أن دعم أوكرانيا بهذه الدرجة جاء على حساب دعم دافع الضرائب الأميركي. ولذا نجد أن بعض وعود الجمهوريين للناخبين هي أنهم سيوقفون أي دعم آخر لأوكرانيا إذا وصلوا إلى السلطة. وسواء يرى البعض أن دعم أوكرانيا كان خيارا إستراتيجيا ضروريا للولايات المتحدة أم لا فمن الصعب إنكار أنه كان أحد العوامل التي أثرت بدرجة ما في زيادة دعم الجمهوريين في هذه الانتخابات النصفية. 

العامل الرابع:  

هو كما يسميه البعض "عامل ترامب". فهناك العديد من الناس يدعمون الرئيس ترامب ويريدون عودته ليكون الرئيس القادم للولايات المتحدة ولكن هناك آخرون يرون العكس من ذلك تماماً.  

ولكن ما حدث للرئيس السابق دونالد ترامب من منعه أن يتواصل مع مؤيدييه عبر شبكات التواصل الاجتماعى أثناء الانتخابات الرئاسية السابقة زاد من رغبة بعض المتأرجحين في دعمه لأنهم رأوا أن ما حدث له كان اعتداء صارخا على حق دستوري هام في أميركا وهو "حرية الرأي والتعبير".  

وجاء عرض مؤسس "تسلا" المعروف الملياردير "إلون ماسك" على ترامب أن يعود مجدداً لشبكة "تويتر"- هو بمثابة اعتراف ضمني بأن منعه من التواصل مع مؤيديه في الانتخابات السابقة كان قرارا خاطئاً (على الأقل في نظر البعض).  

العامل الخامس:  

هو عامل الحريات وبخاصة حرية الإجهاض. فكان موقف الجمهوريين من الإجهاض - والذي وصل ببعضهم إلى رفض الإجهاض حتى في حالات الاغتصاب - سبباً هاماً في دخول كثير من الناس وبخاصة النساء والشباب والفتيات معترك السياسة الأميركية لدعم الحريات ومنها حرية الإجهاض. وكان قرار المحكمة الدستورية العليا الأخير بإلغاء الاعتراف بأن الإجهاض حق دستوري فيدرالي عاملاً محفزا للبعض لدعم الحزب الديموقراطي مما قد يفسر كيف استطاع الديمقراطيون منع الجمهوريين من تحقيق انتصار ساحق وهو ما يسميه البعض بالموجة الحمراء التي كان يتوقعها العديد من الجمهوريين  في هذه الانتخابات.    

وباختصار شديد فإن ديناميكية السياسة الأميركية تتأثر بعوامل عديدة كما ذكرنا. وتكون النتائج النهائية لأي لانتخابات هي محصلة لهذه العوامل.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.