حزب الله
في وقت يتطلّع "التطرّف الإسرائيلي" إلى دولة تتناسب وأهدافه، فإنّ "حزب الله" يذهب إلى أبعد من الدولة التي ينتمي إليها

ما إن أظهرت الانتخابات النيابيّة في إسرائيل صعود "الصهيونيّة المتدنيّة" في إسرائيل، حتى سارع "حزب الله" إلى استغلالها في "التحشيد" ضدّ ما يسمّيه، رسميًّا، "العدو الصهيوني الغاشم" الذي كان قد وافق، قبل أيّام قليلة فقط، على اتّفاق ترسيم الحدود البحريّة معه.

ويظن "الغريب عن أورشليم"، بعد الاطلاع على هذه المواقف، أنّ "حزب الله" تنظيم متفرّع من سلالة " فلاديمير لينين" أو أنّه الوريث العقائدي للحزب الشيوعي السوفياتي أو هو واحد من تلك الأحزاب اليساريّة التي تعتنق العلمانيّة.

المفارقة في الأدبيات التي استعملها "حزب الله" في هجومه على "التطرّف في الكيان الصهيوني"، لا تتمثّل في مسألة الدقّة، فهي بشهادة كثير من الإسرائيليّين دقيقة، بل تكمن تحديدًا في أنّها تصح، أيضًا، على "حزب الله" وسائر أذرع "الحرس الثوري الإيراني"، وعلى النهج الذي تنتفض عليه شرائح واسعة من المجتمع الإيراني، بقيادة سيّداته، منذ السادس عشر من سبتمبر الماضي.

لا ريب في أنّ تداعيات صعود "اليمين المتطرّف" في إسرائيل تثير القلق، لما لها من انعكاسات سلبيّة محتملة على الاعتدال العربي والإسلامي عمومًا وعلى عرب إسرائيل خصوصًا، ولكنّ هذه مسألة لا يمكن ل"حزب الله" تحديدًا أن يشارك في "رجمها"، وذلك انطلاقًا من طبيعة "حزب الله" نفسه.

إنّ "حزب الله" تنظيم ديني بامتياز، عقيدة وقيادة وانتماء وممارسة وأهدافًا، وإذا كان "التطرّف الديني" في إسرائيل ينهل عقائده السياسيّة من الحركة الصهيونيّة وعقائده الدينيّة من "التوراة"، فإنّ "حزب الله" يستمد غذاءه المعنوي والمادي من "ولاية الفقيه" التي تمزج الديني بالسياسي والأمني والعسكري.

وفي وقت يتطلّع "التطرّف الإسرائيلي" إلى دولة تتناسب وأهدافه، فإنّ "حزب الله" يذهب إلى أبعد من الدولة التي ينتمي إليها وينشط فيها، إذ إنّه يعمل بقيادة "المرشد الأعلى للجمهوريّة الإسلاميّة في إيران" من أجل إنشاء أمّة واحدة، أي، وبتعبير غير إسلامي، إمبراطوريّة دينيّة تتمحور حول "إيران الإسلاميّة".

ويدرك العارفون أنّ "حزب الله" في لبنان يعتمد في "تكتيكاته" المعلنة منها والسرّية، سيناريوهات شبيهة جدًّا بتلك التي كانت قد استعملتها الحركة الصهيونيّة لتحكم قبضتها على الأراضي التي أقامت فوقها دولة إسرائيل.

وبما أنّ "التطرّف يخدم التطرّف"، فإنّ "حزب الله" عندما يهاجم صعود "الصهيونيّة المتديّنة" في إسرائيل، لا يهدف إلى "رجمها"، بل إلى تسليط الضوء على أنّ استمراريّته، كما هو، وبقاء سلاحه على حاله، باتا أكثر إلحاحًا من ذي قبل، لأنّ "العدو أضحى أكثر شراسة".

وعلى طريقة "حزب الله"، سبق أن استعان "اليمين المتطرّف" في إسرائيل، لبناء "السلّم" الذي صعد عليه، بنموذج "حزب الله" في لبنان و"الجهاد الإسلامي" و"حركة حماس" في غزّة والضفّة الغربيّة، من أجل أن يبيع نفسه حاميًا للإسرائيليّين من "تطرف العدو" الذي يُهدّد، تحت راية إيران، بمحو إسرائيل ومعها اليهود من الوجود.

المثير للقلق في عمليّة "تبادل الخدمات" بين الأعداء الذين هم من طبيعة واحدة، يكمن في أن تُصاب قوى الإعتدال في الشرق الأوسط، وهي بالكاد بدأت تطلّ برأسها، بنكسة كبيرة.

وهذه المخاوف لا تنحصر في لبنان والعراق وغيرهما من الدول التي يحاول "الحرس الثوري" الهيمنة عليها، بل يسحب نفسه على الداخل الإيراني بالذات، حيث يدفع الإيرانيّون، منذ أكثر من خمسين يومًا، أثمانًا باهظة جدًّا، من أجل إحداث تغييرات جذريّة في نظام يسيطر عليه المتطرّفون.

إنّ "تبادل الخدمات" بين "الصهيونيّة المتديّنة" و "الإيرانيّة المتديّنة" أخطر بكثير من "الخدمات" التي سبق أن أدّاها تنظيم "داعش"، ولا يزال،  للنظامين الإيراني والسوري وأذرع إيران في كلّ من  لبنان وسوريا والعراق واليمن، لأنّ التطرّفَين الإسرائيلي والإيراني متجذّران في المجتمع، ويملكان مقوّمات الثبات والنمو والتمدّد، بينما تنظيم "داعش"، ومهما كبر، فهو ضحل جدًّا، ليس لأنّ المجتمع الدولي سارع إلى محاربته ودعم كل من كافحه، فحسب بل أيضًا لأنّه لم يجد بيئة تحتضنه فعليًّا، في المجتمعات السنيّة، على اعتبار أنّ من سار معه، لمرحلة، لم يفعل ذلك انطلاقًا من عقيدة راسخة، إنّما على أساس مشاعر القهر التي ينسبها، حينًا الى الغرب وحينًا آخر إلى إيران، وأحيانًا كثيرة الى الإثنين معًا.

إلّا أنّه، ومن دون تفضيل تطرّف على آخر، فإنّ "الصهيونيّة المتديّنة"، ومن أجل أن تؤثّر في الدولة التي تنتمي إليها، لا تحاول أن تعطّل الآليات الديموقراطيّة في إسرائيل، من أجل فرض إرادتها، بل هي تتوسّلها، بطريقة لا تنعكس سلبًا على ماليّة الدولة واقتصادها ورفاهيّة شعبها، في حين أنّ "الإيرانيّة المتديّنة" لا تتوانى، من أجل بسط هيمنتها، على تعطيل الاستحقاقات، حتى تحقّق مبتغاها، كما كان قد حصل في العراق، في الآونة الأخيرة، وكما يحصل في لبنان، حيث "يأسر" محور الممانعة بقيادة "حزب الله" الانتخابات الرئاسيّة، حتى يفرض رئيسًا يناسب مشروعه ويساهم في تحقيق أهدافه.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.