حين يتعلق الأمر بالمكانة الإقليمية، يمكن لأشهر قليلة أن تحدث فرقا كبيرا. وهذا درس تتعلمه روسيا بطريقة صعبة. في وقت سابق هذا العام، كان الكرملين يوحي بأنه لاعب دائم في الجغرافيا السياسية لأفريقيا، مع وجود شبه عسكري متزايد في جميع أنحاء القارة وحضور دبلوماسي بارز على نحو متزايد في عواصم إقليمية متنوعة. اليوم وعلى خلفية الحرب الروسية في أوكرانيا وتعثرها الكارثي هناك، يعيد الكرملين صياغة مساحة نفوذه على نحو تنازلي.
هذا التحول جدير بالملاحظة. عندما زرت شمال إفريقيا في وقت سابق هذا العام، كان الرأي السائد بين المسؤولين الإقليميين أن روسيا لاعب استراتيجي ناشئ – وذو قوة متنامية. (كتبت عن ذلك لـ"الحرة"). "لا تخطئ"، قال لي أحد المراقبين في ذلك الوقت، "موسكو قد تكون منشغلة بأوكرانيا الآن، لكنها ستعود إلى إفريقيا قريبا".
وقتها، كان هناك سبب وجيه للاعتقاد بذلك. فقد شهدت السنوات الأخيرة توسعا هائلا في النفوذ الروسي في دول الجوار، حيث استغل نظام الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ببراعة وجوده العسكري في سوريا، لتوسع انخراط جديد في جميع أنحاء الشرق الأوسط وأفريقيا. وتشمل نتائج هذا التوجه ترتيب عدد كبير من القواعد العسكرية الجديدة، وزيادة في مبيعات الأسلحة للأنظمة الإقليمية، وكذلك نشر القوات شبه العسكرية في النزاعات في أماكن مثل موزمبيق ومالي وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا.
لكن يبدو أن حرب أوكرانيا غيرت هذا المسار بشكل جذري. على مدى أشهر، اضطرت موسكو إلى إعادة نشر قواتها شبه العسكرية - وعلى الأخص تلك التابعة لمجموعة فاغنر، أكثر وحدات المرتزقة شهرة - لتعزيز الجبهة الأوكرانية. ورأى غالبية المراقبين أن هذا، في أفضل الأحوال، تحول مؤقت في الموارد. ولكن قد يتبين أن الأمر ليس كذلك. لقد قام مرتزقة فاغنر بدور بارز على خط المواجهة في الحرب، وتكبدوا خسائر كبيرة نتيجة لذلك. ورجحت مصادر مخابراتية غربية أن تتضائل الفعالية العملياتية للمجموعة بشكل كبير في المستقبل نتيجة لذلك. بعبارة أخرى، قد لا تعود فاغنر إلى إفريقيا في أي وقت قريب.
ومع ذلك، هناك سبب وجيه للاعتقاد أن الكرملين لا يزال شديد الاهتمام بتوسيع نفوذه في إفريقيا. وفي الأشهر الأخيرة، بدأ هذا الاهتمام يتجلى بطرق جديدة.
الأول هو البروباغندا. برزت روسيا كواحدة من الجهات الفاعلة الرئيسية في مجال المعلومات المضللة في القارة، حيث روجت للسرديات السياسية التي تهدف إلى تعزيز أهدافها الجيوسياسية ودعم أنظمة محلية صديقة. وأشارت دراسة في صيف 2022 أجراها معهد جنوب إفريقيا للدراسات الأمنية إلى أن "الوصول إلى الفضاء الرقمي يتعمق في جميع أنحاء إفريقيا، وهناك أدلة متزايدة على قيام لاعبين خارجيين بتسليح منصات وسائل التواصل الاجتماعي لتحقيق أهداف جيوسياسية". وروسيا لاعب رئيسي في هذا المجال، فقد نجحت في استخدام المعلومات المضللة في الماضي لتحقيق نتائج استراتيجية ملموسة، مثل إثارة السخط الشعبي الذي أجبر فرنسا في نهاية المطاف على إنهاء وجودها طويل الأمد لمكافحة الإرهاب في مالي.
علاوة على ذلك، توضح الدراسة أن إفريقيا تبقى هدفا جذابا لمعلومات الكرملين المضللة. وتشير إلى أنه "في الأماكن التي تكون فيها مؤسسات الحكم ضعيفة - بما في ذلك المحاكم والرقابة على السلطة التي توفرها وسائل الإعلام التقليدية - يمكن لحملات التضليل الإعلامي أن تقوض بشدة الديمقراطيات". وفي النتيجة، يمكن التأكد من قدرة موسكو على مواصلة التلاعب بالسياسة الإقليمية من أجل تعزيز موقفها وإضعاف موقف الغرب.
وازدادت أيضا أهمية القارة الأفريقية كمصدر لتمويل الحرب التي اختارها فلاديمير بوتين. ومع ارتفاع تكاليف الصراع في أوكرانيا، تسعى موسكو بنشاط للحصول على تمويل جديد غير مستغل لحملتها العسكرية هناك - وظهرت إفريقيا كمجال ذي أهمية كبيرة. واتهم مسؤولون أميركيون مجموعة فاغنر الروسية بتدبير "الاتجار غير المشروع بالموارد الطبيعية عبر إفريقيا" كوسيلة لجني الأموال التي تحتاجها بشدة آلة الحرب الروسية.
كما أن تراجع حضور روسيا في أفريقيا ليس بالضرورة حالة دائمة. لا شك أن القادة الأفارقة محقون في تقييمهم بأن موسكو لا تزال شديدة الاهتمامب القارة. ومن غير المرجح أن يتضاءل هذا الاهتمام، على الرغم من القضايا التي تشغل الآن مسؤولي الكرملين الأقرب إلى الوطن. نتيجة لذلك، من المتوقع أن تعود روسيا إلى إفريقيا بقوة بمجرد أن تكون قادرة على ذلك. أما توقيت ذلك على وجه التحديد، فذلك، ربما، رهن بمسار حربها في أوكرانيا.

