رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، بنيامين نتانياهو
الانتخابات أعادت نتانياهو إلى منصبه

صعود أحزاب اليمين الديني في الانتخابات الأخيرة في إسرائيل ولا سيما حزب "الصهيونية المتدينة" يشبه من بعض الوجوه فوز حركة حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006.  فهذه الحركات تغرف من نفس الإناء، إناء الشمولية الدينية، الغارقة في غياهب الماضي.

وسيطرتها على الجانبين تعني إعطاء دفعة كبيرة لإسباغ الطابع الديني على الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. 
لكن قبل الاسترسال من المهم أن نذكر بعض الفوارق المهمة هنا، فالنسبة التي حصل عليها حزب "الصهيونية المتدينة" مثلا (14 مقعدا في الكنيست من بين 120 مقعد)، تظل ضئيلة إذا ما قورنت بما حصلت عليه حماس وهو أكثر من 44 في المئة من أصوات الفلسطينيين.

وهذا يعني أن المجتمع الإسرائيلي بطبيعته ليس مجتمعا دينيا، وميله المستمر نحو اليمين يعكس حالة ضيق كبيرة من انسداد طريق السلام وتزايد العمليات التي ينفذها المسلحون الفلسطينيون والحروب التي لا تنتهي مع غزة. 

في المقابل فإن المجتمع الفلسطيني في جزء كبير منه هو مجتمع متدين وهو يبدي ميلا أكثر تجاه حركة حماس والجماعات الإسلامية الأخرى. ولو أجريت الانتخابات اليوم فالواضح أنها سوف تفوز فيها. 

 كذلك فإن إسرائيل هي دولة ديمقراطية بالمعنى الحقيقي للكلمة، ففيها حكم القانون والفصل بين السلطات والحريات العامة.. الخ، وهناك تداول للسلطة بصورة سلمية وواضحة. 

لذلك فإن الأحزاب الإسرائيلية قد تفوز في انتخابات وتخسر في أخرى، وبعضها يفشل في تحقيق النسبة المطلوبة لدخول الكنيست، وهي تتقبل هذا الأمر وتعتبره جزءا من العملية الديمقراطية وليس نتيجة مؤامرة من أحد! 

أما في الجانب الفلسطيني فلا توجد ديمقراطية والانتخابات التي جرت جاءت بسبب الضغط الخارجي من جانب ومن جانب آخر كانت محاولة لتوزيع النفوذ والسلطة سلميا بين الفصائل المختلفة بدلا من اللجوء إلى العنف.
وقد اعتبرت حماس أن قطاع غزة هو نصيبها من الغنيمة، وهي تعمل على الإبقاء عليه تحت سيطرتها إلى الأبد، وأي جماعة أو معارضة تنتقدها أو تحاول منافستها فسوف ينتظرها تكسير الأرجل والأيدي.

ورغم هذه الاختلافات بين أحزاب اليمين الديني في الجانبين الإسرائيلي وكذلك الفلسطيني، مع ذلك فهي تتشاطر أيديولوجية واحدة تقريبا، وتحمل رؤى ومواقف متشابهة: تجاه الذات (الاستعلاء والتفوق) وتجاه الآخر (نبذ المختلف في الدين أو العقيدة) وتجاه المرأة (النظرة الدونية) وهي تجيز استخدام العنف، واستهداف وقتل المدنيين الذين ينتمون للمعسكر الآخر ... الخ.  

وهكذا لو أجرينا المزيد من المقارنات في مختلف القضايا فسوف نجد أنه لا يوجد اختلاف كبير بين الاثنين.
مع ذلك توصف الأحزاب الدينية الإسرائيلية أو اليمينية بالفاشية والعنصرية في وسائل الإعلام العربية ولا توصف الأحزاب الإسلامية مثل الإخوان المسلمين والجهاد والقاعدة وداعش وغيرها بالفاشية والعنصرية؟

مع أننا لو قارنا ما قام به تنظيم داعش، مع أية جماعة يهودية، مهما بلغ إجرامها، فلن نجد مقارنة تذكر. وكل جماعة إسلامية لديها القابلية لأن تصبح داعش أخرى في لمح البصر. ولو لم تكن إسرائيل دولة قوية بما فيه الكفاية، لكان مصير اليهود اليوم شبيها بما حل بالأيزيديين، ولتم قتل رجالهم وسبي نسائهم وبيعهم في أسواق النخاسة. الأمر الوحيد والوحيد فقط الذي يمنع حدوث ذلك هو أن الجماعات الإسلامية وغيرها غير قادرة على تنفيذه. وليس لأنها غير راغبة أو زاهدة فيه. وهذا هو السبب الذي يجعل الدول الغربية مثل الولايات المتحدة تصمم، على ضمان تفوق إسرائيل الأمني والعسكري في المنطقة، لأنها تعلم بأن أي ضعف يطرأ على إسرائيل يعني أن اليهود سوف يتعرضون للإبادة أو التهجير القسري. وهو خطر حقيقي وليس متخيلا.

مع ذلك يبقى السؤال قائما بشأن مغزى صعود الأحزاب الدينية وأحزاب اليمين في إسرائيل، ولماذا يعطي عدد متزايد من الإسرائيليين أصواتهم لهذه الأحزاب وكان من قبل يمنحها للأحزاب العلمانية أو اليسارية؟
ما الذي حدث كي يتحول المجتمع الإسرائيلي تدريجيا ناحية اليمين، هل تغيرت القناعات أم تغيرت الأجيال أم أن الإسرائيليين باتوا يشعرون بأمن أقل وعداء أكثر؟ 

هذه الأسئلة تتفاداها عادة وسائل الإعلام العربية، لأنها لا تريد لأحد أن يفكر أو يطرح تساؤلا بشأن أي دور ممكن لبعض الفلسطينيين أو العرب أو المسلمين في هذا التحول.

ما تريده أن يظل عالقا في الأذهان هو أن السبب يعود إلى طبيعة المجتمع الإسرائيلي أو بالأحرى أنه مرتبط باليهود أنفسهم. بل أن بعض وسائل الإعلام تلك وصف ما حدث بأنه صعود للفاشية في إسرائيل!

أما المقاربة الأصوب باعتقادي لما حدث فهي أنه يعود لعدة عوامل بينها ما هو خاص بالديناميكيات السياسية في إسرائيل، وبينها – وهذا بتصوري كان له دور حاسم – استمرار الهجمات المسلحة داخل إسرائيل وامتداد التأييد لها إلى أوساط عرب 48، كما أوضحت المواجهات الأخيرة في غزة.  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.