بايدن يبدأ جولة خارجية في خضم الانتخابات النصفية بالولايات المتحدة
بايدن احتفل بنتائج الانتخابات النصفية

الانتخابات النصفية الأميركية والصدمة التي صعقها الديمقراطيون بالحزب الجمهوري هذا الأسبوع بفوزهم المتوقع بمجلس الشيوخ وصدهم أكثرية فاعلة لليمين في مجلس النواب، تحمل رسائل للداخل وللخارج الأميركي الذي استضعف الديمقراطيين والرئيس الأميركي جوزيف بايدن.

بايدن سيدخل عقده الثامن من العمر الأسبوع المقبل، وقد يصبح أكبر رئيس في البيت الأبيض في حال فاز في ولاية ثانية في 2024. عمره وتلعثمه في الكلام أحيانا تحوله الى مادة دسمة للكوميديا السياسية، إنما لا يجوز الخلط بينه وبين الضعف الرئاسي.

فاليوم بايدن فعل ما لم يقدر عليه لا دونالد ترامب ولا باراك أوباما ولا جورج بوش ولا حتى رونالد ريغان، بالحفاظ على أكثرية لحزبه في مجلس الشيوخ وعدم تكرار تجربة هؤلاء بخسارة 40 و50 مقعدا في مجلس النواب. وهو داخليا وخارجيا مرر تشريعات وموازنات بحجم يتخطى أسلافه، ووضع فلاديمير بوتين في موقع لا يحسد عليه في أوكرانيا. 

الفوز الثلاثاء كان أولا للديمقراطية الأميركية، وثانيا لأجندة الديمقراطيين في قضايا المرأة والشباب والتي حسمت عدة ولايات وعبرت عن تغييرات جذرية في النسيج الأميركي الذي هو اليوم أكثر ليبرالية وانفتاحا في ملف الحريات منذ أي وقت مضى.

فالانتخابات لم تكن حول دونالد ترامب أو ميتش ماكونيل -زعيم الجمهوريين- وبالتالي الانقسام الجمهوري الذي لحقها والحرب المفتوحة بين روبرت ميردوخ مدير فوكس نيوز ضد معسكر ترامب، لن تغير الكثير في حظوظ الحزب من دون تغيير مواقفه من قضايا حيوية مثل الإجهاض، حقوق المثليين، الطبابة والضمان الاجتماعي. 

ومن هنا ذكاء بايدن، الذي تنبع انتصاراته من سياسات تبنتها إدارته وليس من شخصنة المعارك الانتخابية. فبايدن وصل الرئاسة لأنه كان رمز السياسات التوافقية داخل الحزب الديموقراطي، وليس بسبب كاريزما الرجل أو بلاغة انتخابية. وهو قد يفوز مرة أخرى بسبب هذا النمط التوافقي وكوجه لا يثير حماسة الكثيرين إنما لا يغضب أحدا.

الثلاثاء حمل دروسا لمن هم خارج أميركا ويراهنون اليوم على إضعاف بايدن. هذا الرهان سقط في صناديق الاقتراع في بنلسفانيا وأريزونا وفيرجينيا، وهو سيسقط مرة أخرى لأن هؤلاء يجهلون الصورة الداخلية الأميركية والقضايا التي تهم الناخب والبعيدة كل البعد عن السياسة الخارجية لبايدن. مع ذلك كان لنتائج الانتخابات انعكاسات فورية على ملفات خارجية. 

فليست مصادفة أن تعلن روسيا انسحابها من خيرسون بعد انتخابات الكونغرس، وثم يعلن البيت الأبيض عن لقاء لبايدن والرئيس الصيني شي شينغبينع الاثنين المقبل في اندونيسيا. 

بايدن سيتوجه في جولة خارجية محصنا بنتائج انتخابات الكونغرس وتخبط المعارضة الجمهورية المنقسمة بين أنصار ترامب وأنصار حاكم فلوريدا رون دي سانتس. الانقسام الجمهوري قد يستمر أعواما وقد يفرز مرشحين للرئاسة في ٢٠٢٤ ما يحتم فوز الديموقراطيين عندها. وهو أيضا سيكبل الحزب في الكونغرس الى حين نجاح المحافظين التقليديين في استيعاب خط ترامب.

أما بالنسبة للمنطقة، فالقفز في السيرك السياسي الأميركي الداخلي هو خطأ استراتيجي نظرا لهشاشة المعارضة ومغبة التحول الى طرف داخلي وبالتالي عرضة لنقمة من الطرف الآخر. الذكاء الاستراتيجي يحتم التعامل مع أي طرف في الحكم طبقا لمصالح حيوية تحميها أميركا في المنطقة وفي هذه المعادلة دور الكونغرس. 

بايدن بعد الانتخابات النصفية هو أقوى مما كان عليه في أي وقت سابق منذ الانسحاب من أفغانستان لمنح حزبه تفويض في سياسات اجتماعية واقتصادية، ورمي كرة النار صوب الحزب الجمهوري المهدد بالانقسام والتشرذم في حال لم يتراجع ترامب. 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.