نحن أمام اتفاقية تكاملية يحتاج فيها الأردن إلى المياه
نحن أمام اتفاقية تكاملية يحتاج فيها الأردن إلى المياه

من المرويات في التراث السياسي الأردني "الشفوي للأسف لغياب منهجية التوثيق الكاملة" أن الملك عبدالله الأول مؤسس الدولة الأردنية الحديثة "إمارة شرق الأردن ثم المملكة الأردنية الهاشمية" كان - حسب الحكاية - يستعد لتناول إفطاره في قصر رغدان حين جاءه حرسه الملكي يخبرونه أن مجموعة من ضباط الجيش الأردني الغاضبين يقفون على الباب يطلبون الإذن بمقابلته، فأدخلهم الملك "المؤسس" حيث كان يجلس، فبادروا بغضب وانفعال يشكون له وجود قيادة إنكليزية استعمارية على رأس قيادة الجيش الذي يخدمون فيه، وأن الوطنية تقتضي طرد كل الإنكليز فورا.

الملك وبدهائه طلب منهم الهدوء ووافقهم على كل ما يقولونه وطلب منهم تناول الإفطار بمعيته ثم الخروج إلى القيادة وطرد الإنكليز كما يرغبون.

بعد تناول الإفطار وقد هدأ غضب الضباط الشبان، وحال وصولهم الباب للخروج نادى عليهم الملك عبدالله الأول وقال لهم: بعد ما تنتهون من طرد الإنكليز اليوم، أرجو ان تعلموني عن اسم من سيدفع فاتورة إطعام الجيش ليوم غد.

طبعا، الحكاية قد تكون غير صحيحة أو فيها شيء من الحقيقة، لكنها في المحصلة تحمل حكمتها الذاتية، ولنا أن نتخيل فقط رد فعل الضباط الشباب في النهاية وقد تهاوت طموحاتهم أمام الواقع.

أتذكر الحكاية دوما أمام كل ثورة غضب شعبوية أردنية تقوم لتطالب -هكذا ببساطة- بمقاطعة الأميركان وبضائعهم، أو ترفع شعار "غاز العدو احتلال"، وفي الأيام الأخيرة كان للحكاية حضورها في ذاكرتي وأنا أرى "الغضب الشعبوي" احتجاجا على اتفاقية الماء مقابل الكهرباء الثلاثية بين الأردن وإسرائيل ودولة الإمارات، وهو احتجاج – كالعادة - أجوف وبصوت مرتفع.

الاحتجاج الصارخ بصوت مرتفع قام اعتراضا ضمن خطين متوازيين: خط شعبوي إنشائي يرفض ببرمجة مسبقة وقديمة أي تعاون مع إسرائيل، يرفض وجودها "وهي موجودة فعليا" ولا يزال يهوى محاربة طواحين الهواء في عصر ما بعد الآلة البخارية بل وفي عصر الانترنت الذي يجعل من أي صفقة بيع وشراء صغيرة على الانترنت على مستوى لعبة بلاي ستيشن بين أي شاب في تل أبيب وآخر في عمان احتمالا قائما على أرض الواقع، والدفع بالدولار.

وخط يحاول أن يجترح مبررا شرعيا لا أساس له، فاجترح فكرة المرجعية الدستورية التي سمعتها بانتباه فعدت إلى السؤال عنها وكان جواب الدكتور نوفان العجارمة، أستاذ القانون الدستوري حاسما فاصلا بأن الاتفاقيات التجارية من هذا النوع لا تتطلب موافقة البرلمان ولا الرجوع إليه، مثل أي اتفاقيات تجارية فيها منافع متبادلة تجريها الحكومة بصفتها التنفيذية في إدارة الدولة، والبرلمان يجب الرجوع إليه حسب نص المادة 117 من الدستور إذا كان هناك اتفاقيات فيها امتياز أو حق حصري، مما لا ينطبق على تلك الاتفاقية التي تخلو من امتيازات وحقوق حصرية.

إذن، نحن أمام اتفاقية تكاملية يحتاج فيها الأردن إلى المياه وقد أشارت أرقام البنك الدولي ووزارة المياه الأردنية بتوقعات تفيد أن العجز في قطاع مياه الشرب وحده سيصل إلى حوالي 45 مليون متر مكعّب في العام 2022، أما العجز الكلي لكافة الاحتياجات فيزيد عن 450 مليون متر مكعب سنويا، وفي الاتفاقية الثلاثية التي سدت الإمارات العربية المتحدة التمويل فيها عن الأردن العاجز عن تمويلها بطبيعة الحال فإن الأردن سيحصل على 200 مليون متر مكعب سنويا، وهي مياه سيتم تحليتها من إسرائيل بالكامل إلى الأردن. مقابل توفير العجز في الكهرباء (الطاقة النظيفة) لإسرائيل المنتجة في الأراضي الأردنية.

فوارق الأسعار وفائضها سيكون محسوبا كعوائد للمستثمر الإماراتي وحصص للأطراف حسب الاتفاقية التي وضعت المسارين بتسمية أجدها طريفة وذات مفارقة أكثر طرافة "المسار الأخضر" بالنسبة للكهرباء إلى إسرائيل، و "المسار الأزرق" بالنسبة للمياه المحلاة من البحر إلى الأردن. (المفارقة اللونية تذكرنا بأخضر وأزرق بدلالات مختلفة ومؤسفة في الأردن).

الاتفاقية ليست جديدة، ومذكرة التفاهم حولها كانت قيد الإنجاز في نوفمبر من العام الماضي 2021، وسبق مذكرة التفاهم مفاوضات شاقة قرأت محاضرها من مصادر أميركية وقتها، حيث المسار الأزرق كان شرطا أردنيا تم رفضه "إسرائيليا وأميركيا" في البداية، لكن إصرار الجانب الأردني أفضى إلى تدخل أميركي في الساعات الأخيرة لإقناع الأردنيين بالعودة إلى التفاهمات.

الاتفاقية واجهت ضغوطا إقليمية حينها لإجهاضها، وتثوير الشارع كان من ضمن سياقات الإجهاض بأجندات إقليمية لم تخف نفسها، وكسب الأردن في النهاية صفقة رابحة تواجه كارثة وشيكة من العطش والتصحر وانعدام "لا نقص وحسب" بل انعدام المياه الكافية، في بلد المياه المتبقية فيه بالكاد تكفي سد حاجة مليوني نسمة أمام تعداد سكاني يتجاوز الـ11 مليون نسمة.

هي فرصة للدعوة من جديد بحضور أكثر فاعلية لبرامج معارضة واقعية بعيدة عن الإنشاء، فالصفقة تجارية بالكامل، وهو ما قد يضع الصفقة في مهب إدارات فاشلة في المستقبل، أمام ترهل بيروقراطي ومنظومة فساد شاملة، والإنشائيات البلاغية لا جدوى منها إلا اتساع الفراغ وتقزيم الموضوعية في الطروحات، وطبعا فراغ إعلامي رسمي "حكومي وفوق حكومي" مشغول باشتباكات سياسية ضيقة وتقديم أوراق اعتماد شخصية "لتزهو بهم المناصب"!

الصوت المرتفع في الأردن جعجعة لا طحين وراءها، والمطلوب سريعا أصوات تقنية وفنية ومعرفية تراقب وتضيف القيمة المضافة للأفكار المبتكرة فنجد حلولا للأزمات لا لطميات حولها.

وفعليا، وببساطة، فالأردن يعاني من أكبر أزماته، نقص المياه حد انعدامها، وهي مشكلة يعيشها الأردني في تفاصيل يومه العادي، ومن لا يريد مياه محلاة من المتوسط مدفوعة بنظام مقايضة بالكهرباء،  فليذهب إذن بصوته "المقاوم" صعودا إلى دمشق ليخبر قيادتها هناك "وبصوت مرتفع جدا" أن حق الأردن القانوني في المياه من سوريا متوقف بقرار سوري والحصة الأردنية "القانونية" من حوض اليرموك -الذي لا يزال يدفع الأردن مستحقات ديونه الدولية- والمقدرة بـ375 مليون متر مكعب سنوياً، موقوفة بسبب احتجاز الحكومة السورية المياه السطحية والجوفية قبل وصولها للأردن.

أو.. فليخبرنا هؤلاء من منهم يستطيع سقاية الأردنيين في حال انقطعت المياه تماما عن خزاناتهم!

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.