هذا الفيلم لا ينتمي إلى فئة الأفلام السياسية المستند إلى وقائع تاريخية فقط
هذا الفيلم لا ينتمي إلى فئة الأفلام السياسية المستند إلى وقائع تاريخية فقط

في قصيدته الملحمية (الكوميديا الالهية) التي ألفها في القرن الرابع عشر، قسم الشاعر الإيطالي دانتي ألغييري الجحيم المتخيل، وهو الجزء الأول من القصيدة، إلى تسع أقسام بحلقات دائرية تختلف فيها درجات القصاص داخل الحلقات بحسب الذنوب والخطايا المرتكبة من قبل الناس، ووضع كل من استخدم العنف ضد الأشخاص ضمن الدائرة السابعة، أي أنه قصاصه عظيم وسيكون في عذاب أبدي أليم.

في الفيلم الأرجنتيني (Argentina 1985) المنتج هذا العام، سيقتبس المدعي العام خوليو ستراسيرا (ريكاردو دارين) في مرافعته الأخيرة قبل نطق الحكم هذا الاقتباس الأدبي المؤثر من جحيم دانتي، ليذكر قادة الديكتاتورية العسكريين الذي اقتاد بداية تسعة من كبارهم ليحاكموا أمام محكمة مدنية بتهم جرائم ضد الانسانية، بأنهم إن أفلتوا من القصاص في الحياة، فلن يتمكنوا من الافلات من مصيرهم الحتمي في الآخرة.

يعيدنا سانتياغو ميتري مخرج الفيلم والمشارك في كتابته، إلى المرحلة السياسية الانتقالية التي حكمت فيها الديكتاتورية العسكرية في الأرجنتين بين عامي 1976-1983 بأجوائها المشحونة وعدم استقرارها. وهي مرحلة فارقة في التاريخ الأرجنتيني القريب توصف بالفاشية وتميزت بدمويتها، مورس فيها إرهاب الدولة بأبشع صوره ضد المعارضة السياسية وأحياناً ضد المدنيين بشكل عشوائي، وأسفر عن عشرات الآلاف من السجناء السياسيين وتصفية الآلاف، إضافة إلى أرقام مخيفة من المنفيين والمفقودين والمختفين قسرياً.

لكن هذا الفيلم لا ينتمي إلى فئة الأفلام السياسية المستند إلى وقائع تاريخية فقط، بل يمكن وصفه بالدرس السينمائي البليغ عن كيفية تسخير السينما في خدمة قضايا مؤثرة في الوجدان الشعبي، وهي هنا عن معنى وضرورة استحقاق العدالة ومحاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات الجسيمة مهما طال الزمن، لأجل إعادة بعض التعويض المعنوي والاعتبار لأرواح الضحايا من الأموات والأحياء من ذويهم، وكي لا تتكرر مثل هذه الممارسات في المستقبل كما جاء في سياق المحاكمة، والتي أفضت مع جلسات الاستئناف التي تلتها، إلى انتقال الأرجنتين إلى الحكم الديمقراطي واستقرارها حتى يومنا هذا.

الأفلام السينمائية التي تدور أحداثها في قاعات المحاكم تتصف في المعتاد بحساسية خاصة خشية تسرب الملل إلى متنها. وهو أمر تجاوزه هذا الفيلم برشاقة ملفتة رغم زمنه الطويل نسبياً، ونجح في إحياء ذاكرة هذه المحاكمة التي تعتبر ثاني أهم محاكمة بعد سلسلة محاكمات "نورنبيرغ" التي حاكمت النازيين بعد الحرب العالمية الثانية، مع الفارق أن المحاكمة الأرجنتينية تصنف كأول محاكمة في التاريخ الحديث يحاكم فيها العسكر أمام القضاء المدني وليس العسكري، إضافة إلى التوظيف الدقيق للوثيقة التاريخية الخاصة بحيثيات المحاكمة أو الفريق الذي قادها، ودمجها في سياق الفيلم ضمن تموضعها الصحيح، والأكثر تأثيراً.

ثلاث إضاءات رئيسة ستميز هذا الفيلم الذي رشحته الأرجنتين ليمثلها في أوسكار 2023 القادم، وهي مقدرته على منح المشاهد الإحساس بأهمية الطرح المقدم، وفتح ذاكرته على قضايا قاسية مشابهة حدثت أو مازالت تحدث في أماكن أخرى في العالم ولم تشهد استحقاق العدالة بعد. وأيضا الاختيار الدقيق لفريق التمثيل وفي مقدمهم المدعي العام، الذين تماهوا مع قصة الفيلم وانغمسوا فيها وجدانياً فاقت تعاملهم معها كممثلين، بل بوصفهم أفراد من الشعب الأرجنتيني تمسهم ذاكرة تلك الحقبة وطنياً، ويعنيهم التطهر من آثامها.

فيما تتعلق الاضاءة الثانية بمعنى وأهمية الدعم اللامحدود الذي يمكن أن تحظى به قضية وطنية وأهمية الحشد لها ومناصرتها، وهو هنا يتعلق بالدعم المعنوي الذي تلقاه المدعي العام شعبياً، ومن محيطه الضيق ومن المتضررين ومن رفاقه وزملائه، والأبرز من زوجته وولديه، رغم أنه بقبوله مهمة الادعاء لمحاكمة العسكرية الديكتاتورية، عرض نفسه وأسرته لأخطار جسيمة، وتعرض كما هو موثق تاريخياً، لتهديدات كثيرة بالقتل لم تثنه عن التراجع، بل زادته إصراراً.

أما الإضاءة الثالثة الأبرز التي تمنح هذا الفيلم بعده المعنوي والسينمائي الحيوي، فهي العنصر الشاب الذي تطوع كفريق لدعم المدعي العام ويسر مهمته الشاقة، عبر الرحلات المحفوفة بالخطر للبحث عن الشهود وحمايتهم، وتقصي عشرات الآلاف من الأدلة الدامغة التي تدين القادة المحاكَمين. ويمكن اعتبار هذه الاضاءة الأكثر إشراقا ًومبعثاً على منح الطاقة الايجابية والتفاؤل بالشباب الذين تضرروا مباشرة من تلك الحقبة أو تضرر أحد ذويهم أو معارفهم، وقرروا أن يتخلصوا من الديكتاتورية بإصرار كي يتفرغوا لبناء مستقبل آمن لهم ولأطفالهم.

التخلص من الديكتاتورية على الطريقة الأرجنتينية حدث بأسلوبية سلمية مدنية وقانونية وأخلاقية، لم يتم عبر أعمال الثأر والانتقام أو سفك دماء مضافة، بل اتكأ على الثقة بأفراد غبر فاسدين أو متورطين، والثقة الأهم بقضاء نزيه، وهو معيار تقدم حضاري مشتهى ومطلب ملح لجميع الأمم. إضافة إلى أن ما يميز هذه المحاكمة التاريخية أنها تمت بمساع وجهود وطنية جبارة، تحت سقف البلاد، لم تلجأ إلى مساعدة الخارج ولا إلى المحاكم الجنائية الدولية والمنظمات الدولية، وإن كانت قد استعانت ببعض التقارير الخاصة بحقوق الانسان، وعند هذا المعنى، تكمن خلاصة هذا الفيلم، كدرس سينمائي وطني وتاريخي بليغ.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.