الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان
الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان

بالرغم من الجهود التي يبذلها الإعلام الرسمي، فإن الواقع لا يرتفع. هذا الأسبوع صدر بيان نقابي مقتضب، كان كافيا لمسح كل التَزَاويق المائية والأصباغ الزيتية، ليرسم بدلها لوحة شديدة القتامة، تصور ما يحدث في مغرب اليوم عبر كلمات منتقاة، كأنها مقتبسة من لغة مقدمي النشرات الجوية وتعبيراتهم الموجزة:  

"استمرار موجة الغلاء الفاحش..   

وارتفاع أسعار المواد الأساسية والمحروقات..  

 وتدهور القدرة الشرائية..   

وتفاقم الأوضاع الاجتماعية للطبقة العاملة وعموم المواطنين".  

بناء على هذا التقرير "المناخي"، من المرتقب أن تشهد أبرز المدن الرئيسية في المغرب يوم غد الأحد المصادف لـ 13 نوفمبر 2022، تنظيم وقفات احتجاجية دعت إليها المركزية العمالية الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، "تنديدا بغلاء الأسعار والتضييق على الحريات النقابية وتنصل الحكومة من وعودها.. ودفاعا عن الحقوق والمكتسبات، واستنكارا للتضييق على ممارسة الحقوق والحريات النقابية".  

***   

منذ وصول الحكومة الحالية، التي تم تشكيلها بعد انتخابات الثامن من سبتمبر 2021، برئاسة رجل الأعمال عزيز أخنوش، تراكمت بشكل متواتر حدة الأزمات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وازدادت تفاقما مع تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية التي شمل تأثيرها مختلف بلدان العالم، وطبعا لم يُستثن منها المغرب. ولم يحصل شيء من الانفراج الموعود الذي بشّر به أخنوش المغاربة خلال الحملة الانتخابية التي قادها باسم التجمع الوطني للأحرار، الحزب الذي يرأسه منذ أكتوبر 2016. ووفق بيان لقيادة الكونفدرالية الديمقراطية للشغل، ستمثل احتجاجات الغد "رفضا لتنصل الحكومة من التزاماتها في تنزيل الميثاق الاجتماعي"، الذي وقعه رئيس الحكومة عزيز أخنوش مع النقابات، ويتضمن زيادة عامة في أجور العمال والموظفين، ومراجعة أشطر الضريبة على الدخل، وإقرار درجة جديدة للترقي.  

الحصيلة الإجمالية إذن في أغلب مستوياتها ومؤشراتها البيانية لا تدعو للتفاؤل ولا تبشر بالخير، والمجتمع يغلي غليان مِرْجَل، في غياب الصوت المعبر حقيقة عن مواجع ومطامح الطبقات والفئات المضرورة من الأوضاع. وعلى خط موازٍ تراجعت الصحافة عن القيام بأدوارها المبدئية، لتتحول في غالبيتها إلى طبول ومزامير وأبواق في رِكابِ السلطات. لكن أنين المكتوين بنيران الأسعار لم يعد مكتوما، فالناس تشكو وتتكلم وأصبحت تنتقد جهرا في ما بينها سوء الأحوال واشتدادها. وكما قال موظف بالقطاع العام من الدار البيضاء: "الشعب المغربي يتيم"، مضيفاً: "نحن اليوم أمام تخلي الأحزاب والهيئات المعنية عن دورها الأساسي في إيصال كلمة الشعب بغاية حث القائمين على الأمور للقيام باتخاذ الإجراءات الكفيلة بحماية القدرة الشرائية للمواطنين. لقد نجح المخزن نجاحا مذهلا في تدجين معظم الأقطاب والهيئات الحزبية والنقابية، إلى درجة لم يعد معه فرق أو تمييز بين أحزاب الموالاة وأحزاب المعارضة، بمن فيها تلك التي تحمل شعارات يسارية وكانت لها مواقف جذرية في السابق من العقود، كنا نعتقد أنها لن تحيد عنها بهذا الشكل السريع الذي حدث اليوم ...".   

***  

منذ أشهر يعيش المغرب موجة جفاف ضاربة، تؤثر على التوازنات المالية للحكومة ولا شك، حيث تؤدي إلى عجز مرتفع في الميزانية العمومية. إلا أن الشكوك تطل إزاء مزاعم البنك الدولي الواردة في تقرير نشره الصيف الماضي، (20 يوليوز 2022)، جاء فيه: "أن المغرب لا يزال يقدم مؤشرات مالية أفضل من معظم الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية".   

ومع انخفاض المحصول الزراعي، وشح المياه، وارتفاع الأسعار العالمية للمواد الغذائية، وتأثيرات الحرب الروسية – أوكرانيا، تسعى الحكومة المغربية لمواجهة ضغوط التضخم والتخفيف منها عن طريق التخلي عن دعم الأسعار المحلية، مما ستكون له آثاره السلبية والوخيمة على الفئات الفقيرة والأكثر احتياجاً من الطبقات والشرائح الشعبية.  

***  

على صعيد الحريات العامة والفردية، نكتفي بالتذكير بسجن صحفيين ونشطاء مدنيين ومدافعين عن حقوق الإنسان، ومدونين ربما لم يستوعب جيدا مبدأ حرية التعبير وفق المفهوم السلطوي، فوجد نفسه مجرجرا أمام المحاكم ومجرورا إلى السجن، وذلك بسبب بضعة أسطر وكلمات  نشرها على جداره بالفيسبوك، دون أن يقيس مدى التباسها وتلَبُّسِها بالجرأة أو الجسارة (دائما بمقياس السلطات). والملفت أو المثير هو أن العدالة، وفاء لعنوانها، كانت عادلة في توزيع تهمها على المعنيين، هي الاتهامات ذاتها وأغلبها ضمن قوس الجنس والاتجار بالبشر، وقد سبق لمنظمة هيومن ووتش رايتس أن نشرت تقريرا إضافيا، خلال الشهر المنصرم (أكتوبر)، أوضحت فيه تقنيات القمع التي تعتمدها السلطات في المغرب. وكتبت إحدى كبريات الصحف العالمية (واشنطن بوست): "الصحفيون المستقلون في المغرب عادة ما يتم التضييق عليهم وتلفيق تهم عبثية ضدهم". وأشارت الصحيفة الأميركية إلى  أن "الصحفيين لا يجب أن يعتقلوا بسبب بحثهم عن الحقيقة".  

واضح أن ما نشرته "الواشنطن بوست" أتى في إطار حملة دولية من أجل إطلاق سراح الصحفي عمر الراضي.  أما المقرر الأممي المعني بالتعذيب في الأمم المتحدة، في أكتوبر الماضي أيضا، فقد أصدر قرارا أمميا حول اعتقال الصحفي سليمان الريسوني، معتبرا محاكمته غير عادلة واعتقاله تعسفيا، وطالب بإطلاق سراحه فورا مع منحه الحق في الحصول على تعويض، وفقا "للمعايير الدولية المعمول بها، بما في ذلك تلك المنصوص عليها في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد".  

 كما وجه الفريق الأممي دعوة إلى السلطات المغربية من أجل "فتح تحقيق وتحديد المسؤولين عن اعتقاله التعسفي وتعويضه عن الأضرار الناتجة عن الانتهاكات الجسيمة التي تعرض لها". لكون اعتقال الصحفي سليمان الريسوني "لا يتوفر على سند قانوني"، ولأن "الاعتقال بسبب ممارسة حرية الرأي والتعبير"، ثم لـ "غياب معايير المحاكمة العادلة".  

قبل اعتقال الصحفيين عمر الراضي (ست سنوات سجنا)، وسليمان الريسوني (خمس سنوات سجنا)، حكم في 2019 على الصحفي توفيق بوعشرين بالسجن 15 عاما، بتهم الاعتداء الجنسي والاتجار في البشر. ومن الصدف (!) أن ما يجمع الصحفيين الثلاثة هو كونهم جميعا من الأصوات النقدية للسلطة وتدبيرها للأوضاع في البلاد.  

وحسب تقرير صادر عن المنظمة الحقوقية الدولية هيومن رايتس ووتش في يوليوز 2022، أصبحت السلطات المغربية تلجأ إلى إسكات الأصوات المعارضة والمنتقدة إلى متابعة المعنيين بجرائم لا تتعلق بحرية الرأي والتعبير، ومن أبرز هذه الاتهامات: غسل الأموال، كما حدث مع الأستاذ الجامعي والمؤرخ المعطي منجب. والتجسس، في حالة الصحفي عمر الراضي. والاغتصاب والاعتداء الجنسي، في حالة عمر الراضي وسليمان الريسوني. وبالموازاة، تُشَنُّ حملات مضايقة وتشهير في وسائل الإعلام الموالية للأجهزة، تستهدف السجناء وأقاربهم وأصدقاءهم من المعارضين. وقد تعرّض بعض منتقدي الدولة للمراقبة الرقمية والتصوير السري (كما جرى مع الناشط الحقوقي فؤاد عبد المومني)، إضافة إلى اختراق هواتف المعارضين والمنتقدين بواسطة تطبيق برنامج التجسس الإسرائيلي "بيغاسوس". وهو ما نفته دائما السلطات المغربية في أكثر من مناسبة.  

وبالرغم من كون هذه الانتهاكات المسجلة تتعارض مع التزامات المغرب الدولية في مجال حقوق الإنسان، إلا أنه لم يوضع حد لها حتى اليوم، إذ اعتقلت في الفترة الأخيرة المدونة والناشطة الحقوقية سعيدة العلمي (ثلاث سنوات سجنا). وخلال هذا الأسبوع (الثلاثاء 8 نوفمبر الحالي) حكمت محكمة بالرباط على الناشط الحقوقي رضا بن عثمان بالسجن ثلاث سنوات. ومؤخرا اعتقل الدكتور محمد باعسو، عضو بارز في "جماعة العدل والإحسان" (تنظيم إسلامي شبه محظور)، ووجهت إليه اتهامات لا أخلاقية.  

***  

وإذا كان انتهاج مثل هذه السياسة قد مس كثيرا بسمعة الحكومة وقيمتها شعبيا، وفي المقدمة رئيسها عزيز أخنوش، فإن حليفه في الحكومة وزير العدل عبد اللطيف وهبي، (الأمين العام لحزب الأصالة والمعاصرة)، ينافسه بقوة، بل يتفوق عليه في هذا المضمار والشأن، بخرجاته وتدخلاته غير الموزونة، آخرها دفعه قطاع المحامين (الذي يتنمي إليه) إلى تصعيد الاحتجاجات، حيث يخوض المحامون إضرابات وطنية توقفوا فيها عن العمل بكل محاكم البلاد، بل أصبحوا يطالبون وهبي بالرحيل من الوزارة ومن المشهد السياسي ككل، رافضين مسودة مشروع قانون مهنة المحاماة الذي قدمه وهبي، معتبرين المشروع "انتكاسة.. وانفرادية وسلطوية.. ومسّاً خطيراً باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع". بهذا الصدد علقت محامية من هيأة الرباط أنها "أول حكومة في تاريخ المغرب تشل العدالة، لم يحدث هذا حتى في سنوات الجمر  والرصاص".  

***  

ينتظر المغاربة هطول الأمطار التي تأخرت، ليس من أجل موسم فلاحي جيد، ولكن من أجل أن يجد البشر ما يشربون مع البهائم. وقد اعتاد المغاربة من السلطات أن تخرج الناس لطلب الغيث، ضمن ما يسمى بـ"صلاة الاستقساء" التي يشارك فيها الأطفال ليطلبوا من الإله إسقاط المطر، (اللهم اسْقِ عبادَك وبهائمك، وانشُرْ رحمتَك، واحييِ بلدَك الميّت).. إثرها يسقط المطر، فيظن البعض أنها أمطرت استجابة لدعائهم وصلاتِهم، في حين أن خبراء المركز الخاص بالرصد والتنبؤات الجوية، كانوا يعلمون قبلا بالتساقطات المطرية الوشيكة من خلال الأجهزة الخاصة.  

ويمكن اعتبار الاحتجاجات والمسيرات التي تدعو إليها الجبهة الاجتماعية والكونفدرالية الديمقراطية للشغل، وتدعمها أبرز الهيئات والمنظمات الحقوقية، بمثابة صلوات استسقاء جماعية من نوع آخر، صلوات من أجل أن تعم الرخاء سماء البلاد وتنزل شآبيب الرحمة بالعدالة والمساواة وبأمطار الكرامة، فيهنأ المواطنون وينعمون بنسائم الحريات العامة والفردية وحقوق الإنسان.  

"يوجد سجن لمن يتكلم ولا يوجد مستشفى لمن يتألم"، "حرروا الحرية والحرية تقوم بالباقي"، من اللافتات التي رفعها جمهور المشجعين "الألتراس" في ملعب كرة القدم بمدينة فاس أثناء إحدى المباريات.  

فاللهم أغثنا ...  

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.