إسرائيل اليوم ليست تلك التي أبرمت معاهدة سلام مع الأردن
إسرائيل اليوم ليست تلك التي أبرمت معاهدة سلام مع الأردن

ما أن ظهرت نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي الخامس والعشرين، حتى تداعت المنتديات ومراكز البحث في الأردن، لتنظيم لقاءات وورشات العمل، مفتوحة ومغلقة، للتباحث في أثر الصعود "الصاروخي" لليمين الديني – القومي على المصالح والحسابات الأردنية، وسط قناعة تزداد اتساعاً ورسوخاً، بأن إسرائيل اليوم، ليست تلك التي أبرمت معاهدة سلام مع الأردن، قبل قرابة العقود الثلاثة، وأن تياراً "متشددا"، يجمع الشعارين الديني بالقومي، قد انتقل من هامش الخريطة الحزبية الإسرائيلية إلى مركزها.

ولأن كاتب هذه السطور، شارك في معظم هذه الأنشطة، محاضراً ومشاركاً، فقد صار بمُكنَته تقديم صورة عمّا يجول في أذهان الأردنيين، وما الذي يفكرون به، ويتطلعون إليه:

أولاً؛ في تقدير الموقف
ثمة إجماع كامل حول: أن إسرائيل تنجرف يميناً، وأن أولوياتها تبدلت، فلم يعد "الانفصال" عن الفلسطينيين هدفاً لنخبتها، بما يتيح فرصة لحل الدولتين، كما أن يهودية الدولة باتت مقدمة على ديمقراطيتها... اليمين يحتل 82 مقعداً في الكنيست، اليمين المتشدد حلّ ثالثاً في ترتيب الأحزاب الفائزة، الأحزاب الدينية تتصهين، والأحزاب العلمانية – الصهيونية تتدين، في تزاوج مقلق للدين و"القومية"، اليسار ينقرض أو يكاد، ومعه ما كان يعرف بمعسكر السلام، يمين اليوم أكثر "يمينية" من يمين الأمس، و"وسط" اليوم أكثر تطرفاً من يمين الأمس، أما بقايا اليسار فهي عالقة على فتات موائد اليمين، تتواطأ معه وتستعير خطابه... والأهم والأخطر، من كل هذا وذاك، أن الانزياح صوب التطرف الديني – القومي يعكس إلى درجة كبيرة، التغيير البنيوي الكبير في المجتمع الإسرائيلي، والذي لم يعد يسمح سوى بإنتاج حكومات حرب وليس حكومات سلام.

ثانياً؛ في التداعيات
ثمة إجماع ثانٍ متأسس على الإجماع الأول، ويقول: إن إسرائيل تُبدّل جوهرياً سلم أولوياتها... أسرلة القدس وتهويدها كعاصمة "أبدية موحدة" لإسرائيل، وبما يهدد هويتها الفلسطينية – العربية – الإسلامية – المسيحية، ويغير من واقع المدينة القانوني والتاريخي... سعار في الهجوم على المقدسات الإسلامية – الأقصى بخاصة – والمسيحية، وتهديد للرعاية الهاشمية لها... نهم لابتلاع "يهودا والسامرة"، كلها أو غالبية مساحتها (منطقة ج بخاصة)، ميل جارف للقبضة الحديدية في التعامل مع الفلسطينيين على جانبي "الخط الأخضر"، وليس في المناطق المحتلة وحدها، بما في ذلك إطلاق يد الجنود والمستوطنين المسلحين، أوامر قتل مباشرة، توسع في تهديم المنازل، "شرعنة" البؤر الاستيطانية في عمق الضفة والتوسع بها، دعم للمليشيات الاستيطانية من شاكلة "شبيبة التلال"، تلويح بالعودة لسياسة الإبعاد وسحب الجنسية وأحاديث معلنة وهامسة حول "الترانسفير".

يعني ذلك من ضمن ما يعني، أن مصالح الأردن غرباً باتت عرضة للتهديد في صميمها، وأن الأخطار الناجمة عن استهداف حقوق الفلسطينيين الوطنية المشروعة، ستمتد للأردن لا محالة، على المدى القريب، بانتقال شرارات التصعيد من الضفة الغربية شرقاً لتسقط على بيئة شعبية غاضبة ومحتقنة لأسباب وعوامل عديدة، وعلى المدى الأبعد، عودة الحديث عن حل للقضية الفلسطينية، ينهض على صيغة من صيغ ما كان يعرف يوماً بـ"الخيار الأردني".

أكثر المفردات استخداماً وترداداً في هذه الملتقيات والمنتديات، هي "الترانسفير"، هنا تتباين الترجيحات والتكهنات المتشائمة، بعضهم يشير إلى "ترانسفير فيزيائي" يذكّر بما حدث في النكبة (48) أو النكسة (67)، ويقترح لمواجهة ذلك، إعادة نظر بسياسة "الجسور المفتوحة"، وبعضهم الآخر، يرى أن "الترانسفير" قد يأخذ هذه المرة، شكلاً جديداً: "الترانسفير السياسي"، كأن يوضع الأردن ومعظم الفلسطينيين في الضفة (أكثر من 95 بالمئة من سكانها) المقيمين على نصف مساحتها، في المنطقتين (أ و ب)، على "سكة ذات اتجاه واحد": البحث عن فيدرالية أو كونفدرالية، تحت طائلة الضغوط الاقتصادية والأمنية من جهة، وإغراءات "مشروع مارشال مصغر" من جهة ثانية.

الفريق الأول، لا يستبعد سيناريو "الترانسفير الفيزيائي" بوجود ما يقرب من مئة مليون لاجئ في العالم، مرجحاً أن "المجتمع الدولي" لن يعجز عن ابتلاع ثلاثة ملايين، أكثر أو أقل، إضافيين... أما الفريق الثاني، فيستند إلى صلابة الفلسطينيين وتمسكهم بوطنهم وصمودهم عليها، وإدراكهم أن نكبتهم لم تكن في ضياع أرضهم أساساً، بل في تهجير سكانها، ويجادل بأن صور اللاجئين المحملين على شاحنات تقطع الجسر شرقاً، لم تعد محتملة ولا ممكنة.

إسرائيل حطمت فرص قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة، هذا خلاصة يكاد يجمع الأردنيون عليه... وإسرائيل لن تقبل بخيار "الدولة الواحدة ثنائية القومية"، وهذه قضية موضع إجماع في إسرائيل... وثمة تيار إسرائيل، ما زال وازناً، يدرك أن ثمن الاستمرار في فرض نظام للتمييز العنصري – أبارتهيد، مرتفع على المدى الأبعد، ولن تقوى إسرائيل على دفعه وتسديده، وسينزع عنها "شرعيتها" و"غطاءها" الدوليين، وستكون كلفته على الداخل الإسرائيلي، انهيارات متلاحقة للديمقراطية وسيادة القانون، وربما فتح الباب لانقسامات أهلية (لا نريد القول حرب أهلية)، وقد تدفع بفئات من التيار العلماني – الليبرالي للهجرة المضادة... اليمين المتطرف المُنتشي بمكاسبه المتلاحقة في السنوات الأخيرة، لا يريد الغرق في بحث احتمالات من هذا النوع، أو الاعتراف بها، لكن إسرائيل سائرة على هذا الطريق. 

التحليل المنطقي للمشهد الإسرائيلي، ينبئ بسيناريو رابع: حشر الفلسطينيين على مساحة لا تزيد عن نصف مساحة الضفة الغربية، ودفعهم لعلاقة فيدرالية أو كونفدرالية مع الأردن، وتكثيف العمل بسياسة الضغوطات والإغراءات، العصا والجزرة، لدفع الفريقين للقبول بسيناريو من هذا النوع، باعتباره "مخرج نجاة"، هو ما تفكر به مجموعات إسرائيلية تضم شخصيات لها خبرة في مسار المفاوضات وجولاتها المتعاقبة.

سيناريو كهذا، سيؤمن مخرجاً طويل الأمد، لمأزق إسرائيل مع "الديموغرافيا الفلسطينية"، والواضح أن مخرجاً كهذا، لا يتأسس فقط على حساب حقوق الفلسطينيين، وإنما يتهدد الأردن في أمنه واستقراره وسلامه الاجتماعي، فضلاً هن كيانيته وهويته الوطنيتين... وهو إلى حد بعيد، يلامس "صفقة القرن" في فصلها الأول، الخاص بالفلسطينيين، وكنا حذرنا في حينه من "صفقة قرن 2"، مصممة على مقاس سيناريو "الترانسفير السياسي".

ثالثاً؛ ما العمل؟
في سعيهم للإجابة على سؤال ما العمل؟، يتابع الأردنيون بقدر أقل من الثقة والارتياح، ما تقوم به حكومتهم رداً على التطورات الإسرائيلية الأخيرة، غالبيتهم لا ترى أن التصريحات والتحذيرات والاتصالات الدبلوماسية، كافية لجبه الخطر ومقاومة التحدي الذي يوصف من قبل كثيرين بـ"الوجودي"... والمؤكد أن غالبيتهم العظمى تجد صعوبة في فهم السياسات الحكومية، إذ في الوقت الذي تبدو فيه العلاقة الأردنية – الإسرائيلية قد وضعت على سكة مواجهة، فإن إقدام الحكومة على صياغة اتفاقات وتفاهمات مع إسرائيل، من شأنها تكريس "اعتمادية" الأردن عليها، في مجالات استراتيجية وقطاعات حيوية كالغذاء والطاقة والمياه، فضلاً عن استمرار اللقاءات والتبادلات والتنسيق في مجالات مختلفة، من شأنه أن يبعث برسائل خاطئة للطبقة السياسية الإسرائيلية، ولا تشي بجدية التحذيرات والإدانات الرسمية التي لا تتوقف.

البعض شبّه المواقف الحكومية بسائق سيارة، يعطي إشارة انعطاف لليسار، ولكنه ينعطف لليمين، فلم يصدر عن عمّان، حتى الآن على الأقل، ما يشي بالاستعداد لجولات ساخنة في الاشتباك السياسي والدبلوماسي والحقوقي مع الحكومات الإسرائيلية، وليس فيها ما يكفي لإسالة "الأدرينالين" في عروق الإسرائيليين، الذي اعتادوا سماع وقراءة المواقف الأردنية، عالية السقوف أحياناً، في حين أن شيئاً على الأرض لا يتغير، بل ان مسارات التطبيع بين الجانبين، تتعزز وتتوسع.

يبادر الأردنيون في منتدياتهم إلى رسم معالم "خريطة طريق" للمستقبل، يعتقدون أن على الحكومات الأردنية سلوكها، تبدأ بوقف العمل بالتفاهمات حول صفقة "المياه مقابل الكهرباء" التي جرى التوصل إليها برعاية أميركية وتمويل إماراتي، ولا تنتهي بإلغاء معاهدة وادي عربة، وإغلاق السفارات وإعادة السفراء إلى مقرات عملهم.

وبين هذين الموقف القصويين، ثمة مروحة من المواقف والخيارات التي يكاد يجمع عليها المنتدون في حواراتهم، منها على سبيل المثال لا الحصر: الافتكاك عن إسرائيل وفي شتى المجالات الحيوية المذكورة، رفع مستوى وسوية الخطاب المندد بإسرائيل، والشروع في ملاحقتها قضائياً وحقوقياً، فتح قنوات اتصال مع كافة الأطراف الفلسطينية بمن فيها حماس، وعدم إبقاء كل البيض الأردني في سلة السلطة الفلسطينية، تنويع علاقات الأردن العربية والإقليمية والدولية، وعدم الارتهان أو الركون لعواصم عربية ومراكز دولية بعينها، في عالم يتجه لتعددية قطبية.

والأهم من كل ما ورد، إعادة النظر في "استراتيجية حل الدولتين" و"خيار السلام الاستراتيجي الوحيد"، وتبني مقاربة تقوم على مواجهة نظام الفصل العنصري ودعم مقاومة الاحتلال والتحذير من خطر "الفاشية الصاعدة" في إسرائيل.

تحصين الجبهة الأردنية الداخلية، بتفعيل وتسريع مسارات الإصلاح الشامل، وردم فجوات الثقة بين الدولة ومواطنيها، هو متطلب أساسي، للصمود في مواجهة الضغوط القائمة والمنتظرة، وهو الطريق الأقصر لمحاربة "الترانسفير"، سياساً جاء أم "فيزيائياً"، وإعادة تعريف إسرائيل "كعدو" للأردن، وبناء العقيدة الأمنية والتربوية على هذا الأساس، وإعادة العمل بنظام "خدمة العلم"... وتحت العنوان نفسه، تحصين البيت الداخلي، لا حدود للمقترحات التي تصدر عن شخصيات وطنية، من سياسية وثقافية وأكاديمية، وإن تنوعت مرجعياتهم وتفاوتت خبراتهم.

هذا بعض مما يدور في خلد الأردنيين وعقولهم، وهذه صورة مصغرة للمزاج الذي يهيمن على الأردنيين من شتى المنابت والأصول خلال السنوات الست الفائتة، منذ إدارة ترامب وحكومة نتانياهو الخامسة، وبالذات بعد انتخابات الكنيست الأخيرة، وإطلالة شبح اليمين الأميركي من صناديق الانتخابات النصفية للكونغرس.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.