الوعي الجمعي العربي ينطوي على روح مُعَادٍ للتنوير وللقيم المشتبكة مع التنوير
الوعي الجمعي العربي ينطوي على روح مُعَادٍ للتنوير وللقيم المشتبكة مع التنوير

يبدو الموقف الضدّي الذي يُعَادي الحضارة بعدائه الغرب، أو يعادي الغرب بعدائه الحضارة، وكأنه الحقيقة الراسخة عربيا، يبدو وكأنه الحقيقة الكبرى التي لا تتبدّل بتبدّل الظروف والمواقف والأحوال وتغيّر السياسات والاستراتيجيات، يبدو هذا الموقف الضدّي وكأنه أصل الإيمان، وجذر سردية الاعتقاد العام المتلبس بتصوّر شمولي ينفر من كل صور التحرّر، ويُعَادي كلَّ ما يُشَكِّل المقوّمات الأساسية لحضارة الإنسان: حضارة الغرب الآن.  

إن الضدّية هنا (الموقف الضدّي من الغرب) موقف وجداني أصيل؛ لا تستطيع كل المتغيرات، ولا حتى الحقائق والوقائع المعاكسة الثابتة بلغة الأرقام أو بلغة الصوّر المُوَثّوقة، أن تُؤثّر فيه؛ بما يُخَفِّف من حِدَّته؛ فضلا عن تعرية أوهامه المتراكمة عبر تاريخ طويل من السنين العجاف التي كانت المعرفة فيها (المعرفة الخالصة؛ ومن ورائها كل تجليات الحقيقة) ضحية الصراع اليائس، ضحية صراع الحناجر المهزومة حضاريا بطبيعة الحال !

يقول المفكر المغربي الكبير عبد الله العروي، محاولا التنبيه على تفاقم هذه الحالة من الخلط المرضي بين المعرفي والوجداني حتى في أوساط المثقفين: "يرفض المثقف العربي التمييز بين مقومات الفكر الحديث وبين ايديولوجيا الغرب الإمبريالي"(العرب والفكر التاريخي، ص21). وهذا يعني أن الغرب (وهو مصدر الحضارة الإنسانية، ومركز إشعاعها، وقوة دفعها في الواقع) بقي في الذهنية العربية المُتكلّسة ثقافيا مجرّد غرب استعماري استغلالي؛ حتى بعد رحيل الاستعمار، وتراجع "الاستغلال المتوهم". 

ليست المشكلة هنا ـ كما يطرحها العروي ـ في مجرّد بقاء "الاستعمار الاستغلالي" ـ بعد زواله من الواقع ـ ماثلا في الوجدان كَعُقدةٍ نفسية لا تكف عن إفراز مزيد من العُقد النفسية والعِلل الاجتماعية المزمنة، بل المشكلة الأكبر أن هذه الحالة الوجدانية المَرَضيّة اسْتَدمَجت ـ بعنفوان لا معقوليتها ـ مسارَ المعرفة، المعرفة التي يُفْترض أنها مستهدف ثقافي أساس للتحرر من الاستعمار الحقيقي في الماضي أو من الاستغلال المتوهم في الحاضر.   

في مثل هذه الحال المأزومة، أصبحت المعرفة، التي هي شرط التقدم الحضاري، مرغوبة مكروهة في آن. ثمة وعيٌ بَاهتٌ مُرتَبِكٌ مُتَردّدٌ بأهميتها، ولكن في المقابل، ثمة ضغط وجداني هائل يكرهها لكراهية مصدرها، بل ويكره الحضارة كلها لأسباب كثيرة، ربما كان أهمها ـ في تصوري ـ: كراهيته العميقة الأصيلة لمصدرها، وحسده الحارق لمبدعيها، وإحساسه المُمِضّ بالتفاهة إزاءها، وتعارض منظومته القيمية/ الأخلاقية التقليدية ذات الطابع الاتباعي، والشمولي الخنوعي الامتثالي؛ لمنظومة قِيَمها المُتجدِّدة ذات الطابع الابتداعي، والاستقلال الفرداني.

لهذا، لا أُجَافي الحقيقية عندما أقول إن الوعي الجمعي العربي ينطوي على روح مُعَادٍ للتنوير وللقيم المشتبكة مع التنوير؛ قَدْرَ عدائه للغرب مصدر هذا التنوير؛ إذ الفشل المتواصل في تحقيق مستوى وعي تنويري عربي، لا يمكن تفسيره إلا على أساس هذا العداء المتأصل للتنوير بتأصّل كراهية الغرب. بل لو قلتُ إن ثمّة "عِرْقاً ثقافيا عربيا" (يشبه توصيف جوستاف لوبون للعرق الثقافي/ الحضاري) يقف على الضدّ من التنوير، وأساسه ـ في حقيقته المؤلمة التي يتنكّر لها الوعي العربي، فيما هي كامنة في أعماق اللاَّوعي ـ ذلك الموقف الضدي من الأبعاد التحررية والإنسانية المُؤَسِّسَة للتراث التنويري.

إن جذور العربي الضاربة في أعماق التاريخ، والمُتَمَدِّدة جُذوعا وأغصانا وأوراقا في ثقافته الكلية المعاصرة المُتَحَكِّمة في أنماطه السلوكية، تنفرُ من عالم القيم التنويرية الغربية؛ بقدر تماهيها ـ الصريح والمضمر، الواعي وغير الواعي ـ مع عوالم مشرقية بائسة مُعادية صراحة للأبعاد التحررية والإنسانية.

وعلى حَدِّ معيارية هذه الأبعاد؛ لا زال الشرق مُتَخَلِّفا؛ مهما حقّق من التقدم التقني والمادي. لا زالت الصين ـ ومثيلاتها ـ تعيش أسوأ "العصور القروسطية" حضاريا؛ رغم أنها ـ تقنيا وماديا ـ تعيش أشد عصور التصنيع التقني إنجازا وإبهارا. والشرق كان على الدوام هو ذاته شرق "جنكيز خان" و"تيمورلنك" و"هولاكو"؛ ولا شيء غير بعد تحلل الإمبراطوريات العسكرية، وتناحر فصائل القطيع. وبالتالي، من الطبيعي أن يكون "رُهَاب التنوير" هو المرض السائد في عموم وَعْي المَشْرِقيين؛ حتى في الوقت ذاته الذي ينظم فيه مثقفو هذا الشرق النائم أجملَ قصائد الغزل الرومانسي في مقولات التنوير، ويتلون أعظمَ ترانيم الابتهال في رموز التنوير الكبار، من ديكارت، واسبينوزا، وفولتير، وديدرو، وجان جاك رسو، إلى هربرت ماركيوز، ودريدا، وجيل دولوز، وهابرماس، مرورا بكانط، وجون لوك، وبقية الرفاق الكبار من مُؤسِّسي صرح التنوير العظيم.      

أخيرا، إذا كان العرب أسرى هذه الواقعة الثقافية، إذا كان العرب مَحكومين بهذا الإرث الثقافي/ التاريخي، فهل يستسلمون له، ويعدّونه قَدَرَهم الذي لا مَفَرَّ منه إلا إليه؟ الجواب ـ على حدّ الأمل ـ هو بلا شك: لا. وبما أن الحياة تفرض منطق تطوّرها مهما كانت الانتكاسات المعترضة؛ فإن إرادة الفاعل التنوير لا بد أن تتوجّه إلى تفكيك هذه الواقعة الثقافية من جذورها، من أصولها الراسخة، لا بد من التقويض والهدم ابتداء؛ حتى تتغيّر بُوْصَلة الاتجاه ولو قليلا، فمن لا يُدْرك من النهار عينَ الشمس؛ فلا أقلَّ من أن يعصم نفسه من التردي في بحر الظلمات.   

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.