In this photo taken Saturday, Sept. 4, 2010, a Syrian family watches the Syrian series titled "Ma Malakat Aymanukum," Arabic…
عائلة عربية تشاهد مسلسلا من إنتاج الدراما السورية

ثمة نوع من الأفلام والمسلسلات الدرامية يزداد حضورها عاما بعد آخر، تلك المتمحورة حول شخصية إجرامية ما، تاجر مخدرات أو قاطع طريق أو مورد أسلحة أو زعيم مافيا أو قاتل مأجور. لكنها ليست أعمالا تتوخى كشف أو تفكيك عالم هؤلاء الأناس وما يشكلونه من خطر على الحياة العامة، بل على العكس تماما، هي أعمال تتقصد القول إنه ثمة جوانب وزوايا أخرى لهذه الشخصيات، أبعاد تجمع الشجاعة بالشهامة ونُبل الأخلاق بصدق القول والوفاء للأصدقاء بالجرأة في مواجهة الأشرار، سرد كل ذلك في سياق من الرومانسية الحياتية والوجدانية الطافحة، فهؤلاء الأشخاص حسب هذه النوعية من الدراما إنما أناس مليؤون بالحُب وشغف العيش وحكمة الرؤية وفصاحة القول ورِفعة السلوك، ذوو روابط حميمة مع مجتمعاتهم وعائلاتهم ومحيطهم الإنساني، ومن دون شك يملكون شيئا غير قليل من المعرفة والثقافة والعمق الآدمي. 

لا يتعلق الأمر بمسلسل درامي هنا أو فيلم هناك، بل بموجة كاملة من الأعمال المتطابقة تقريباً، بالذات خلال السنوات الخمسة الماضية. حيث بسبب ذلك، يصح القول إنها بمثابة "موجة عامة"، تكشف في طياتها الكثير من المؤشرات على نوعية الوعي والخطاب التي تسعى الجهات المنتجة والمشجعة والمروجة لأن تدرجها في الرأي العام، وتحولها إلى مركز للوعي العام.

في بُعد أعمق، فإنها منتجات تُشير بوضوح إلى شبكة من المصالح والروابط التي تجمع أطرافا عدة حول هذا المنتج: "المنتصرون الأقوياء" في التحولات السياسية التي جرت مؤخرا في ربوع بلداننا، حيث أن هؤلاء بأغلبية واضحة منحدرون من تلك الخلفيات الإجرامية، من الذين ما لبثوا أن صاروا يملكون كل شيء، بما في ذلك الشركات والمصالح الكبرى، التي تقف وراء عمليات الإنتاج هذه. والمشتغلون في بنية هذه الأعمال، الكتاب والفنانون والفنيون، المتلهفون لملاقاة أية موجة أو نوعية من الإنتاج، تؤمن لهم نجوميتهم ومكاسبهم المالية، بأي ثمن. وطبقة اجتماعية ما بعينها، تلبي مثل هذه النوعية من المنتجات الدرامية نوعية وعيها وخيالها وحاجاتها النفسية. 

لا تأتي هذه النوعية الجديدة من الأعمال الدرامية مصادفة أو من خلفية عبثية، لأنها تتمحور حول نوعية خاصة من الخطابات وأشكال الوعي التي ثمة من يسعى لترويجها، مثلها مثل موجات سابقة المنتجات الدرامية، طوال العقود الماضية، حيث كانت كل واحدة منها متأتية من تآلف واضح بين صناع القرار والساسة وأصحاب المصالح وقادة الرأي، من الذين كانوا يفضلون ويصرون على ترويج هذا النوع الدراما أو ذلك، وظهر في مراحل لاحقة كيف أنها كانت موجة موجهة تماما. 

ففي ستينات القرن المنصرم مثلا، صعدت الدراما المروجة للدولة والسلطة المركزية، عقب موجة الانقلابات العسكرية وقتئذ. وبعدها صعدت الدراما والسينما ذات صبغة التبشير بالتحديث في السبعينات، تلتها موجة العودة إلى التراث والتاريخ، أثناء مراحل مواجهة الإسلام السياسي، ثم أتت تلك النوعية التي صُنفت ضمن أعمال "جعلوني مجرما"، التي كانت تُندد بعالم الأثرياء بعد مراحل الانفتاح الاقتصادي، ثم أعقبتها موجة دراما الإغراء البصري والجنسي.. وهكذا. 

خلال كل مرحلة من تلك المراحل، كان ثمة هرم ثلاثي، تتبادل أبعاده وتتشارك الفاعلية فيما بينها: من طرف ثمة المنتجون المروجون لتلك الأعمال، من شركات إنتاج ووزرات وجهات رقابة ومحطات للبث، يقابلهم الجمهور، المتلهف والمتهيء لنوعية ما من الفن والخطاب والتسلية، وبينهما ثمة الفاعلون المباشرون، من كُتاب وفنانين وفنيين، قادرين على فهم الحاجات المختلفة لهذين التشكيلين سابقي الذكر، واللعب والاستفادة منهما قدر المُستطاع. 

الموجة الراهنة من دراما "المجرمين/الأبطال" تبني نفسها حسب الأسس والأحوال العامة التي صارت تتكرس في منطقتنا، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا ونفسيا، يستخدمها طرفا هرم الفاعلين، للمساهمة في تشكيل الطرف الثالث، أي الوعي العام. 

فهذه الدراما متأتية فعليا من تفكك الدولة، بما تعنيه من قانون ومؤسسات وانضباط وخير عام. تفككها لصالح صعود القوة السلطة الحاكمة، المنفلتة من أية ضوابط أو توازنات، السلطة التي لا تقل ضراوة وإيغالا في العنف والفساد والعنجهية من أية عصابة أخرى. 

بهذا المعنى، فإن هذه النوعية من الدراما تسعى للقول إن التشكيلات العصاباتية والإجرامية ليست "الشر المُطلق"، بدليل أن الدولة نفسها، التي من المفترض أن تكون "الخير المطلق"، غارقة إلى هذا الحد في التفكك والوحشية. ولأجل ذلك، لا ضير من أن تشغل هذه التشكيلات العصاباتية مكانة الدولة نفسها، أن تكون هي القانون العام وسلطة الأخلاق ومعيار سلم القيم بين أفراد المجتمع والحكم فيما بينهم. 

يملك المنتجون والمروجون لهذه النوعية من الدراما أمثلة لا تُعد من الدلالات على تفكك الدول وتحولها إلى سلطات جائرة، لكنهم من خلال منتجاتهم لا يتقصدون إعادة ترتيب الأمور والعلاقات لتكون أكثر صحية، بل على العكس تماما، تسعى لإيصال الحالة إلى مداها الأقصى، للقول إن الحل ليس في إجبار السلطة لأن تكون دولة بمؤسسات حيادية وقانون عادل نسبيا، بل في تفكيك ما بقي من دولة، وشرعنة سُلطة هؤلاء المجرمين على المجتمع والحياة العامة. 

إلى جانب ذلك، فإن هذه النوعية من الدراما تسعى وتتطلع لمزيد من "العدمية الأخلاقية والسلوكية" في الحياة العامة، تلك العدمية التي قد تكون فيها تجارة المخدرات فعلا خيرا، إذ كانت البعض من فيض الأموال التي تُجنى منها تذهب لمساعدة بعض الفقراء. وقد يكون فعل القتل من خارج القانون نوعا من البطولة، وتهريب الأسلحة دربا من دروب الشجاعة، واختطاف الرهائن والمساومة عليهم شيئا من السلوكيات العادلة، وفرض الإتاوات نوعا من الحق العام.
بهذا المعنى، فإن تلك الدراما هي جزء من العالم القيمي والأخلاقي للأقوياء المنتصرين في منطقتنا. من عالم الزعماء الملهمين الذين يقتلون مواطني بلدانهم بعشرات الآلاف، ولساسة ضالعين في شراكات عائلية وحزبية مع زعماء المافيا وتجار الدم، وحكومات يقودها قادة الميليشيات، وانقلابيون عسكريون يختطفون مجتمعات ولا يملكون من شريعة الحُكم شيئاً خلا الادعاء بحماية المجتمع من عدو أسطوري خرافي. 

هذه العدمية الأخلاقية والعقلية والروحية التي صارت رائجة وأمرا واقعا منذ انهيار محاولة مجتمعات منطقتنا الاندراج في حركة التاريخ وبناء نوعية من الدول والسلطات الحديثة، المحكومة والمضبوطة بقانون عام كلي، مواف للكل العالمي، تكون فيه الدولة الديمقراطية المدنية فضاء تبزغ منه القيم والأخلاقية والسلوكيات الإيجابية والنبيلة. 

أخيراً، فإن هذه الموجة من الأعمال الدرامية إنما تلاقي نوعية من المتابعين المُخدرين وجدانيا وعقليا، من المصابين بالإرهاق الشديد في أجسادهم وضمائرهم وذاكرتهم، الذين لا يملكون أياً من أسباب البهجة والشعور بالأمان والمعنى والدور في الحياة اليومية، وبذا المتطلعين والجاهزين لقبول نوعية من الحكايات الأسطورية، التي تسرد قصص البطل الجميل، الذي يملك قدرات خارقة على تحقيق نوعيات من العدل والحماية للمحيطين به، لنوعية من السرديات الأخاذة، التي تحول العالم إلى مجرد حكاية مبسطة، مليئة بروح الشغف والبطولة والجمال.       

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.