ماذا يقرأ بوتين؟
ماذا يقرأ بوتين؟

يتقن الكولونيل السابق في المخابرات السوفياتية، الرئيس الحالي لروسيا الاتحادية، فلاديمير بوتين، اللغة الألمانية، ومن المعروف أن الأكاديميات الأمنية والدبلوماسية الروسية تفرض على منتسبيها اختيار لغة أجنبية للتخصص، ما يعني أن بوتين متخصص بالشؤون الألمانية، ومن الطبيعي أن يكون ملما بالتراث السياسي والثقافي والعلمي لألمانيا، لذلك من المتوقع أن ضابط استخبارات خارجية خدم تحت جدار برلين في زمن الحرب الباردة وتوازن الرعب ما بين حلفي (وارسو والأطلسي)  قد قرأ كتاب المؤرخ العسكري الألماني الشهير كارل فون كلاوزفيتز "عن الحرب".

ولكن المفاجأة أن مجريات الحرب الروسية على أوكرانيا، والحالة المزرية التي ظهرت فيها القوات المسلحة الروسية في عتادها وعديدها كانت صادمة، فهذه الحالة دفعت مبكرا إلى وضع علامات استفهام كبيرة حول إذا ما كانت القوات الروسية جاهزة للقيام بعملية احتلال لبلد آخر، أو أن لديها ما يكفي من قدرات تسمح لها بالتوغل في العمق الأوكراني لوجستيا، إلا أن الوقائع الميدانية كشفت عكس ذلك، إذ ظهرت سريعا المعاناة اللوجستية للوحدات القتالية الروسية، وكأن القيادة الروسية لم تطبق أبسط المعادلات وأوضحها التي وضعها كلاوزفيتز "بأن الجيوش تزحف على بطونها"، فكيف لأصحاب البطون الخاوية والآليات الفارغة من ذخائرها ووقودها أن تحقق النصر.

الواقع المرير الحالي الذي تعاني منه الوحدات الروسية سيؤدي في المستقبل القريب بنظر الخبراء إلى قلب المعادلة التاريخية التي كانت روسيا تستخدمها كسلاح حاسم بوجه كافة الغزاة الذين حاولوا احتلالها، فجنرال الشتاء الذي كان أهم قوة ضاربة روسية، قد ينقلب هذه المرة لصالح الأوكران، فمع التوقعات بانخفاض وتيرة المعارك في فصل الشتاء، إلا أن الجيش الروسي سيواجه صعوبات إضافية ومعاناة لوجستية، فيما سيكون لدى القوات الأوكرانية قدرة على التحرك، ما قد يؤدي إلى استمرار ضرباتها ضد الروس، ومنعهم من أي تقدم محتمل مستقبلا أو تجبرهم على التراجع، فجنرالات الصقيع هذه المرة في الخندق الأوكراني وسيؤمنون طوال فصل الشتاء لكييف الدعم لكي تحافظ على ما تم تحريره شرقا وجنوبا، وحماية الأراضي التي تحت سلطتها.

يشرح كلاوزفيتز معادلته التى لم ينتبه إليها جنرالات الرفيق بوتين بالقول "من أين تأتي هذه السهولة الكبرى في المحافظة والحماية؟ إنها تأتي من أن الوقت الذي ينقضي دون أن يستفيد المهاجم منه، يتحول لصالح المدافع الذي يحصد الأرض التي لم يزرعها، ويعتبر كل تأجيل للهجوم، بسبب الخوف أو الغطرسة أو أي آراء خاطئة، ميزة تُمنح للمدافع".

في غزو أوكرانيا سيطر على الرئيس الروسي غرور إمبراطوري، لذلك لم يُعر قوة المدافعين أي اهتمام، بالرغم من ان كلاوزفيتز ميّز بين قوة المهاجم وبين قوة المدافع، وكان واضحا في توصيفه أن المحافظة على الشيء أسهل من اكتسابه، فهو يعتبر أن الدفاع أسهل من الهجوم، ولكنه اشترط أن تكون الوسائل القتالية متساوية لدى الطرفين.

ولكن في الأيام الأولى للحرب كانت التوقعات أن آلة الحرب الروسية الضخمة والمتفوقة عدة وعددا على الأوكران قادرة على حسم المعركة، إلا أن سوء الإعداد الروسي من جهة ومن جهة أخرى القرار الغربي بتزويد الأوكران أسلحة فتاكة أدى إلى تغيير موازين القوة.

فعليا أدى العجز اللوجستي المبكر إلى تسريع الفشل الميداني وإلى عجز الوحدات الروسية عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية، فمنذ وصولها إلى حدود العاصمة كييف، وثم تراجعاتها الميدانية المتلاحقة تحت ضربات الجيش الأوكراني، وصولا إلى هزيمة خيرسون الاستراتيجية، يتضح تخبط صناع القرار في الكرملين في اتخاذ قراراتهم، فالجنرال الذي نودي به من سوريا بهدف قلب المعادلة العسكرية كان أهم قرار له الانسحاب من خيرسون، ما يعني وبرأي مراقبين عسكريين أن روسيا فقدت القدرة على شن أي هجوم مستقبلي على مدينة ميكولايف وأوديسا، وبأنها لم تعد قادرة على قطع طريق كييف في الوصول إلى مياه البحر الأسود.

الواضح أن الإخفاقات العسكرية السريعة جعلت القيادة الروسية تكتفي بردات الفعل فقط وهذا يعني أنها تحاول الآن إدارة الأزمة، وهذا الخيار يتخذ عندما لا يكون لدى القيادة خطة استراتيجية واضحة، أو عندما تفشل استراتيجيتها، فالجنرالات الروس الذين لم يختبروا الحروب الحقيقة لم يكن لديهم استراتيجية واقعية بل اعتمدوا على بعض التنبؤات الاستخباراتية، وهنا يعود كلاوزفيتز ليقول "كل شي في الحرب بسيط جدا، ولكن أبسط الأشياء صعب، وتتراكم الصعوبات وتفضي إلى إنتاج نوع من الخلاف يتعثر فهمه إذا لم يجرب المرء الحرب".

في الخلاصة البوتينية أن الطغاة لا يقرأون، وان قرأوا يقرأون ما يرضيهم أو يقرأون متأخرين بعد فوات الأوان، فحتى لو "كل شيء في الاستراتيجية بسيط جدا ولكن هذا لا يعني أن كل شيء سهل جدا" كما قال صاحب كتاب "عن الحرب".

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.