من مؤتمر "كوب27" في شرم الشيخ
من مؤتمر "كوب27" في شرم الشيخ

بخلاف ما تردّده بإستمرار أغلب وسائل الإعلام المصرية، فإن دول الغرب تبذل جهدها للحفاظ على الأمن والاستقرار في مصر نتيجة وجودها في قلب منطقة مضطربة فيها عدة دول فاشلة أو على وشك الإنهيار.

وتُدرك دول الغرب أن تهديد الاستقرار في مصر قد يتسبب بموجات هجرة كبيرة لا يمكن تحمّلها لأن عدد سكانها يتجاوز مئة مليون وتلعب دوراً أساسياً في استقرار الدول المجاورة لها، ولذلك تقدّم الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي دعماً استثنائياً لمصر، من الممكن التأكّد منه بلغة الأرقام. 

فالولايات المتحدة هي المانح الأول للمساعدات لمصر، وتقدّم وحدها 57 في المائة من مُجمل المساعدات والمنح التي تتلقاها القاهرة، وبعدها يأتي الإتحاد الأوروبي واليابان، وفي العقدين الماضيين حصلت مصر من الولايات المتحدة على  مساعدات بقيمة 31.3 مليار دولار.

كما تُعتبر الولايات المتحدة الشريك التجاري الثاني لمصر بعد الاتحاد الأوروبي، أما في أوروبا فتُعتبر إيطاليا شريك تجاري واستثماري رئيسي لمصر، وتعمل مئات الشركات الإيطالية فيها في الصناعة والزراعة والسياحة والإنشاءات وتكنولوجيا المعلومات، بالإضافة إلى الشراكة القوية في مجال الغاز ومشاريع الربط الكهربائي. 

وهناك العلاقات الاستراتيجية المصرية الألمانية حيث تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين ستة مليارات دولار عام 2021. ويمكن أخذ فكرة عن حجم وأهمية هذه العلاقة من الشراكة بين مصر وشركة سيمنز الألمانية العملاقة في شبكة القطار الكهربائي ومشروعات الهيدروجين الأخضر التي تبلغ كلفتها مليارات الدولارات.

ولا تقل أهمية العلاقات المصرية مع فرنسا وبريطانيا من النواحي الإقتصادية والعسكرية عن العلاقة مع الدولتين السابقتين. 

وعندما توظّف هذه الدول استثمارات وتبني مشاريع في مصر لن تعود عليها بعائدات قبل بضع سنوات، فإن هذا يعني أنها تُراهن على استقرار هذا البلد، ولضمان هذا الاستقرار ترى الحكومات الغربية ضرورة وجود مناخ من الحرية لأن القبضة الأمنية لا تستطيع تأمين استقرار على المدى الطويل.

ولذلك لم تتوقف طوال السنوات الماضية عن دفع السلطات المصرية نحو مراعاة حقوق الإنسان، حرصاً على استقرار مصر نفسها، وليس نتيجة تحريض أوساط معادية للحكم في مصر تتحكّم بالإعلام ومراكز الأبحاث في دول الغرب، كما تردّد بعض وسائل الإعلام المصرية. 

ولكن في المقابل هناك أطراف أو قيادات أمنية مصرية لديها رؤية مختلفة، تعتقد أن فتح الباب أمام حرية التعبير قد يهدّد استقرار البلد، وربما لذلك لم يتم تنفيذ الكثير من المبادرات التي أُعلن عنها خلال الأشهر الماضية، مثل الاستراتيجية الوطنية لحقوق الإنسان، وجلسات الحوار الوطني، حتى بقيت كأنها مناورة سياسية تجميلية موجّهة للعالم الخارجي. 

وفي هذا الجو عُقد قبل أيام في شرم الشيخ مؤتمر المناخ الذي حضره أهم قادة العالم، وكان فرصة للحكومة المصرية لإظهار جوانب إيجابية تدفع العالم إلى الثقة فيها سياسياً وإقتصادياً، ولكنه كان كذلك فرصة عند بعض الناشطين والحقوقيين لعرض قضاياهم أمام أوسع شريحة من الرأي العام.

ولذلك نالت قضية المعارض المصري علاء عبد الفتاح، المُعتقل منذ عدة سنوات اهتمام العالم وغطّت على أحداث المؤتمر نفسه عندما عقدت شقيقته سناء سيف، وهي نفسها معتقلة سياسية سابقة أتت إلى المؤتمر ضمن الوفد البريطاني، مؤتمراً صحفياً شرحت فيه قصة أخيها ومعاناته طوال السنوات الماضية. 

وكان تعامل ممثلي الحكومة المصرية مع هذه الفعالية متوتّراً وبعيداً عن الحكمة ولذلك لم يُكتب له النجاح، فقد دخل برلماني مصري وطلب توجيه سؤال ليقوم بترديد عدة مقولات تعتبرها المنظمات الدولية بعيدة عن الحقيقة، فقد قال إن علاء عبد الفتاح سجين جنائي وليس سياسي، مع أن "جريمته" في سجنه الأول كانت التظاهر دون تصريح، ثم سجن بعدها سنتين دون محاكمة ليُحكم عليه عام 2019 بالسجن مرة جديدة لخمس سنوات بتهمة نشر أخبار كاذبة، وقد وصفت هيومن رايتس ووتش الحكم بأنه ظلم فادح. 

ثم قال النائب أن السجناء الجنائيين لا يشملهم العفو الرئاسي رغم وجود مجرمين مدانين ومعروفين شملهم هذا العفو، وعندما أصرّ النائب على الاستمرار في الكلام لمجرد المقاطعة وإحداث بلبلة طلبت مديرة القاعة من الأمن الخاص بالأمم المتحدة إخراجه قسراً، وفي الأساس لا تتفهّم الثقافة الغربية دخول نائب برلماني للدفاع عن إبقاء ناشط حقوقي أو معارض سياسي في السجن ولا ترى في ذلك انعكاساً لرأي الشعب المصري، بل ربما ترى الموقف الحقيقي لنسبة كبيرة من الشعب المصري في اعتصام الصحفيات الثلاث في نقابة الصحفيين في نفس الفترة تضامناً مع معتقلي الرأي. 

 وبالنتيجة قدّمت أجهزة الأمن المصرية تأكيداً جديداً على أن مخاطبة الرأي العام العالمي ليس من الاختصاصات التي تبرع فيها. 

كما تعرًض وزير الخارجية المصري نفسه لمواقف مُحرجة، فالمحطات العالمية التي استقبلته كانت تبدأ بأسئلة روتينية عن سير أعمال المؤتمر، لتنتقل إلى ما تعتبره موضوعها الرئيسي وهو علاء عبد الفتاح.

وكذلك لم يكن لدى وزير الخارجية الكثير الذي يستطيع قوله، فعندما قال نحن هنا من أجل مؤتمر المناخ الذي ينعكس على حياة مليارات البشر أجابته إحدى الإعلاميات، وهل هذا يعني تجاهل موت إنسان في السجن؟ ففي الغرب حياة كل إنسان مهمة بخلاف الدول الشمولية، كما أن حديث الوزير عن القضاء المستقل وفصل السلطات والأوضاع الجيدة للسجون في مصر لا يتطابق مع التقارير التفصيلية التي تصدرها المنظمات الدولية والوزارات المعنية في حكومات الغرب. 

ولكن بعد هذا التعامل الانفعالي في الأيام الأولى قام الرئيس السيسي بتدارك الأمر خلال لقائه مع الرئيس بايدن وقال أن مصر حريصة على تطوير نفسها في مجال حقوق الإنسان، بما يعني أن هناك ما يمكن القيام به لتحسين وضع مصر في هذا المجال. 

وكما أن الحكومة المصرية محظوظة بوجود أصدقاء دوليين لها، حريصين على مصلحتها، فهي كذلك محظوظة بوجود أعداء لها مثل الإخوان المسلمين، لأنهم يعيشون خارج العصر في عالم مُغلق ومعزول عن الواقع وعن الشارع المصري نفسه، ومع ذلك يصرّون على تصدّر المشهد السياسي،

وتمثّل ذلك في الدعوة الفاشلة لاحتجاجات شعبية خلال قمة المناخ، التي يمكن أخذ مثال عنها في استقبال إحدى قنوات الإسلاميين رجل دين قدّمته بأنه مفتي ليبيا لإلقاء كلمة لتحريض الشعب المصري على "الثورة"، وكأن مفتي ليبيا لديه من المعرفة أو المؤهّلات ما يسمح له بتقديم حلول لمشاكل مصر الاقتصادية أو كأن الوضع في ليبيا مضرب مثل في الأمن والإزدهار!

كما يستخدم الإسلاميون في مهاجمة خصومهم شعارات تجاوزها العصر، مثل "عدو الله أو العميل الأميركي"، أما تغطية أغلب محطات الإعلام المصري الرسمي لهذه القضية فقد كانت بعيدة عن أي احترافية وانحدرت إلى مهاجمة النشطاء الحقوقيين وبعض دول الغرب إلى مستوى أقرب إلى الشتائم، حتى أصبح الوضع المصري كوميدياً، حيث يدفع الإعلام الرسمي بأسلوبه الفج والمباشر والمنقرض بعض المصريين نحو المعارضة، فيتولّى إعلام الإخوان المسلمين الذي يعيش خارج العصر والمكان والزمان إعادتهم إلى حضن الحكومة.

وفي النتيجة نجحت عائلة علاء عبد الفتاح في جعل قصة ابنها قضية رأي عام عالمي، وأعادت تسليط الضوء على أوضاع المعتقلين السياسيين في مصر، وعندما نجحت في جعل كبار قادة العالم يتحدثون عن هذا الناشط مع الرئيس السيسي، فقد جعلوا قضية ابنهم، من الناحية القانونية، ومن ناحية سلامته الشخصية خلال فترة سجنه، من مسؤولية الرئيس. 

وكذلك أكدت الأحداث الأخيرة أن المصريين يعرفون أن الإسلاميين لا يملكون حلولاً للأزمة الاقتصادية والمعيشية التي تمر بها مصر، بينما بإمكان الحكومة المصرية بمساعدة أصدقائها الدوليين، الحريصين على استقرارها، إيجاد مخرج ربما يبدأ بإعفاء مصر من قسم كبير من ديونها يترافق مع عملية إصلاح إقتصادي، تفتح الباب أمام دخول القطاع الخاص المحلي والدولي للاستثمار في مصر، مع تأمين ما يتطلبّه ذلك من وجود دولة قانون ومؤسسات. 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.