بايدن عقد مؤتمرا صحفيا بعد اجتماع مطول مع نظيره الصيني
مخاوف أميركية من غزو الصين لتايوان

أسوأ التصورات حول ما يمكن أن يقع في المرحلة القادمة هو أن تغتنم الصين فرصة انشغال الولايات المتحدة وسائر الغرب بجهود احتواء روسيا إثر اجتياحها لأوكرانيا، فتعمد بدورها إلى غزو تايوان، ما يؤدي إلى حرب مدمّرة في الجزيرة المهمّة صناعياً وتجارياً، وربما فيما يتعداها، ويتسبب بالتأكيد بانهيار المنظومة العالمية القائمة.

موضوعياً، ليس هذا التصور من مصلحة الصين، ولا الصين جاهزة لمغامرة من هذا النوع، ومرور الوقت هو لصالح ازديادها قوة ونفوذاً، خلافاً لحسابات التراجع التدريجي المتحقق والتي دون شك قد ساهمت في دفع الرئيس الروسي إلى مغامرته في أوكرانيا، قبل فوات القوة والقدرة. أي أنه، خارج المفاجآت التي قد تؤدي إلى انزلاقات غير محسوبة، فإن إقدام الصين على غزو تايوان قد لا يكون بالتالي أمراً متوقعاً في القريب العاجل.

زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي پيلوسي الصيف الماضي لتايوان كادت أن تكون السبب في انزلاق من هذا القبيل يتسبّب بالكارثة، رغم تعارضها مع المصالح الموضوعية للجانبين. وفي حين أنه قد جرى عملياً تجاوز عواقب الزيارة، من خلال مناورات بحرية وجوية صينية وإحاطة بالجزيرة حفظت للقيادة الصينية بعض هيبتها، فإن مسألة تايوان تبقى على درجة قصوى من الحساسية.

السيطرة على تايوان هو هدف قطعي بالنسبة للصين، وإن كان التباعد بين الواقعين الصيني والتايواني، سياسياً وفكرياً واجتماعياً يزداد مع مرور الزمن، وترتفع معه مشاعر الرغبة التايوانية بالاستقلال، في ظل غطاء توفره لها الولايات المتحدة. واشنطن وإن كانت تلتزم علناً بمبدأ «الصين الواحدة»، فإن تفسيرها لهذا المبدأ يقتضي رضا تايوان بالوحدة، وإلا فلا وحدة. وإذا سعت الصين إلى تحقيق الوحدة عنوة، فإن الولايات المتحدة سوف تدعم تايوان، بالسلاح وما يتعداه. أي أن كل تأجيل للمواجهة التي تبدو مؤكدة يوم تقرر القيادة الصينية أن المعطيات لصالحها، هو تأجيل للمحتّم. فالصدام قادم لا محالة بين الصين والولايات المتحدة، أو هكذا هي القراءة الغالبة إلى اليوم في واشنطن.

لقاء الرئيسين شي جنپينغ وجو بايدن لم يبدّل غلبة هذه القراءة، ولكنه ربما رسم الخطوط الأولية والعريضة لمسار بديل يسمح باستشفاف مستقبل دون كارثة. خلاصة هذا التوجه هو إدارة التنافس مع الاتفاق الصريح على أن المصلحة المشتركة للطرفين هي في ازدهار وسلام واستقرار على مستوى العالم. ليس في هذا الطرح خرق أو تصوّر مبتكر. ففي الأمس القريب، كان كل من الجانبين قد أشهر القناعة بأن مصلحته منسجمة بالفعل مع مصالح العالم بدوله المختلفة، انطلاقاً من اعتماده على التنمية والتقدم والانتاج، غير أن الجانب الآخر، أي الصين من منظور واشنطن، والولايات المتحدة من منظور بايجنيغ، هو الذي يعمد إلى الفساد والإفساد والتأثير الممنهج المدمّر. الآخر هو عامل التخريب لاستقرار اليوم ولازدهار الغد.

من وجهة نظر صينية، الولايات المتحدة هي من يفرض الرسوم الهادفة إلى رفع كلفة المنتجات الصينية في الأسواق الأميركية ويحارب عالمياً الشركات الصينية المتقدمة التي تشكل منافسة فعلية لكبرى الشركات الأميركية، بل يمنع توريد القطع المتطورة ولا سيما الرقائق التي تحتاجها الصين من أجل السير قدماً بالقطاعات حيث هي سبّاقة، الذكاء الاصطناعي وغيره. أما من وجهة نظر أميركية، الصين هي التي تخالف قواعد الانتاج والتجارة المعتمدة عالمياً ولا سيما منها الملكية الفكرية، وتشترط إفشاء أسرار التصميم للولوج إلى معاملها، وتعتمد سياسة إغراق الأسواق بالبضائع المدعومة للقضاء على أية منافسة تزيد التخلص منها، وتوظّف نشاطها التجاري في مجهودها الاستخباراتي والعسكري، بل وفي تجاوزاتها لحقوق الإنسان في أكثر من موقع.

الأقرب إلى الصواب هو أن الاتهامات من الجانبين لا تخلو من الصحة، غير أن الممارسات التي تثير الاستهجان لدى كل جانب ليست غائبة بالكامل بدورها عنه. وإذا كان ثمة قدر من المبالغة في الاتهام متعمّداً للتوظيف السياسي، فإن جلّه يعود إلى غياب الثقة التي تراجعت على مدى عقد ونيّف من الزمن، بعد أن اتسمت العلاقة بين الولايات المتحدة والصين في المراحل التي سبقتها بما يقارب «التوأمة».

إذ لا شك أن النهوض الاقتصادي للصين، ومن ثم تمكين الصين من الارتقاء إلى مقام القوة العظمى المرتقبة على مستوى من الندية مع الولايات المتحدة يعود، لا بصفة حصرية ولكن بشكل ضروري، إلى العلاقة الاقتصادية مع الولايات المتحدة نفسها، وإلى إثدام مختلف الشركات الأميركية على مدى العقود الماضية إلى نقل تصنيع كافة منتجاتها إلى الصين، كي تصبح هذه الأخيرة مصنع الانتاج الأول للمستهلك الأميركي، بفائض تجاري ضخم لمصلحتها، مع تعميم التجربة لسائر الدول الغربية وغيرها.

ليس غريباً أن يكون جلّ الثروة الصينية بالتالي بالعملة الأميركية وأن يشكل الارتباط بين البلدين حالة فريدة من الشراكة  التلقائية العميقة رغم الاختلافات على مستوى النظم والقيم والخلفيات التاريخية والحضارية. وفي حين تكرّر بأمس الأمس التشكي في الولايات المتحدة من خطورة هذا الترابط العضوي الناشئ بين متضادين، إن لم يكن متناقضين، ومن الممارسات الصينية المتحللة من قيود التعامل التجاري المتعارف عليها، فإن وجهة النظر التي بقيت غالبة يومئذ، وإن على تراجع، كانت القائلة بأنه لا بد من التسامح إلى أن تتملك الصين أعراف الاقتصاد الحر المسؤول وإلى أن يستوعبها النظام العالمي القائم عليه. وهكذا كان دخول الصين إلى منظمة التجارة العالمية بدعم أميركي. إلى أن استفاقت الولايات المتحدة على تبدل في التصور الراجح، وإذ بهذا الشريك الداجن الأليف يستحيل مارداً غريباً صعب الضبط، بل ربما بأهواء توسع وهيمنة وغلبة.

أي أن الحقبة الأولى من العلاقات الأميركية الصينية المعاصرة، بعد انتقال الصين إلى رأسمالية الدولة، اتسمت بالإفراط في الشراكة والاقتراب بين الدولتين. ومع تصاعد التوجس وانحسار الثقة، تبدلت هذه العلاقة في الفترة التي تلتها من الإفراط إلى التفريط والسعي إلى الاحتواء، استفزازياً وعقابياً. وتفاقم هذا في زمن شعبوية الرئاسة  الأميركية السابقة، والتي أرادت تصيّد الخصوم، أو افتعال الخصومة بين الجد والعبث، لأهداف المصلحة الوطنية حيناً، ولأغراض الأهواء الشخصية أحياناً.

في المقابل، فإن الصين بدورها، مع استمرار وتعميق لصيغة الحكم المركزية فيها، بدت وكأنها تتأرجح بين منحيين في بنائها على ثروتها ونفوذها المستجدين. المنحى الأول يذهب إلى المضاعفة، أي بتوظيف الثروة والنفوذ الاقتصادي للمزيد من الثروة والنفوذ. أما المنحى الثاني فيطمح إلى صرف هذا النفوذ قوة عسكرية تحسم الملفات الخلافية التي تقوّض إمكانية المزيد من الانطلاق الصيني، ولا سيما منها مسألة تايوان.

تايوان المنتج الأول لرقائق أشباه الموصلات في العالم، هذه الشرائح الكفيلة بتفعيل الانتاج التقني إلى أرقى مستويات الإنجاز، والنفوذ الاقتصادي، وتايوان أيضاً الضابطة لمضيقها ولمنفذ الصين الأول البحري التجاري على العالم. دون تايوان، الصين سائرة إلى نديّة مع الولايات المتحدة في المستقبل المنظور. مع تايوان، من شأن الصين أن تتبوأ المقعد الأول.

ربما هنا يكمن أصل «الخط الأحمر» الذي رسمته القيادة الصينية للولايات المتحدة. يمكن للصين ما شاءت أن تضع في الواجهة مقولات الوحدة الوطنية، ولكنه طرح متخيل. تلك الوحدة لم تكن يوماً، ذلك أن تايوان ليست محافظة منشقة، بل هي وريثة الصين الوطنية الهاربة من الصين الشعبية، والصين الشعبية لم تحكمها قط. ويمكن للصين أن تصرّ على التاريخ المشترك. على أن التاريخ الأقرب لتايوان كان تحت الاحتلال الياباني الطويل. تايوان هي الصين، ربما الصين الواحدة وربما صين أخرى. هو أمر يقرّره التايوانيون. ولكن الكلام الأميركي عن حق تقرير المصير لهم بدوره ليس محفوفاً ببراءة المبدئية. بل اعتبارات الغلبة الدولية، في واشنطن كما في بايجينغ، هي التي تطليه.

وهنا تكمن أهمية المقاربة الجديدة القديمة التي يبدو بأن الرئيسين بايدن وشي يريدان اعتمادها. إبقاء الأمر على حاله في تايوان والعمل على تفكيك سائر الملفات العالقة، من القيود التجارية إلى مسائل الملكية الفكرية، على أساس أنه في الاستقرار فائدة للجميع. فيما هذه المقاربة في واقع التطبيق، الأمل صينياً هو استكمال بناء مقومات القوة ليصبح أمر انتقال تايوان إلى السيادة الصينية تحصيل حاصل. والأمل أميركياً، هو أنه في هذه المرحلة الانتقالية يجري تنفيس موضوع تايوان. أي أن البدائل في انتاج الرقائق تتحقق في الولايات المتحدة نفسها وفي غيرها من الدول الصديقة، وأن الفائدة الاقتصادية القاطعة من مضيق تايوان تحت السلطة الصينية تتراجع مع تبدل المعطيات العالمية. ليبقى شأن حق التايوانيين بتقرير مصيرهم.

الاعتبارات المبدئية هي ذات شأن، وإن جرى تضخيم شأنها لأغراض المصلحة الآنية، وإن جرى توظيفها واستدعاؤها غبّ الطلب. كل من الولايات المتحدة والصين قد احتفظ باعتبار مبدئي كصمام أمان حاضر للإشهار عند الحاجة. حقوق الإنسان لدى تلك، والسيادة الوطنية لدى هذه. لا حاجة لافتراض النفاق والكذب لا هنا ولا هنالك. ولا فائدة من تصيّد التناقض وافتقاد التجانس في المواقف. في حال فشل رهان التنفيس، قد تلجأ الولايات المتحدة إلى تفعيل عنايتها بحقوق الإنسان التايواني، وقد تعمد الصين إلى التأكيد على وجوب تطبيق حقها الوطني السيادي. وكلاهما حينئذ على حق، وإن كان يراد ما هو غير الحق عند المطالبة به.

بايدن وشي يظهران على أن كل منهما يتفهم حاجة الآخر إلى الموازنة بين القراءة العقلانية الموضوعية الداعية إلى التهدئة وتأجيل الصدام من جهة، والمحتفظة باعتبارات المبادئ والخطوط الحمراء من جهة أخرى. رهان كل منهما هو على أن تجري الأمور في المرحلة المقبلة لمصلحته. رهان العالم من الأحرى أن يكون عودة العلاقة بينهما إلى ما بين الإفراط والتفريط من الاعتدال، والثقة، عسى أن يصدق الرهان ويسير العالم نحو ثنائية قطبية، اقتصادية عند الحد الأدنى، تجنّبه الصدام المحتّم.

استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا
استمرار الحرب يزيد من عدد الأطفال الأيتام في أوكرانيا

حلت في الرابع والعشرين من فبراير الجاري، الذكرى السنوية الأولى للحرب الروسية على أوكرانيا مثقلة بأحمالها من عدد القتلى والمنكوبين والدمار الشاسع، ومثقلة بالمثل بالتحالفات والتجاذبات حولها وكل ما أفضت إليه من تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية عالمية. حرب تمنى، بل سعى عدد من عقلاء العالم لإنهائها قبل أن تنهي عامها الأول، لكن رحاها العنيفة التي ما زالت تدور على الأرض مدفوعة بمنطق التعنت والتحدي الروسي، لا تبشر باحتماليات تسوية قريبة أو توقفها في الأفق القريب وحفظ من ظل حياً أو مابقي قائماً على الأرض.

باستثناء مصانع السلاح وشركات المقاولات وتجار الحروب، لم يخرج أحد يوماً من أي حرب إلا وهو خاسر بالمطلق حتى ولو انتشى بالنصر. ولم ينج أحد من الندبات العميقة التي تخلفها الحرب في ملامح أربعة أو خمسة أجيال قادمة في أقل تقدير. وحرب روسيا القائمة لم تظلم أوكرانيا وحدها، بل ظلمت الشعب الروسي أيضاً، وظلمت العالم برمته وكبدته أثماناً باهظة كان يمكن تجنبها ببعض الحكمة.

إذ، وبحسب تقرير صدر عن البنك الدولي في 4 أكتوبر الفائت حول أحدث مستجدات الأداء الاقتصادي في منطقة أوروبا وآسيا الوسطى، فإن هذه الحرب "قد أضعفت آفاق التعافي الاقتصادي بعد الجائحة لاقتصادات الأسواق الصاعدة والنامية في المنطقة، وأن النشاط الاقتصادي سيبقى منخفضاً للغاية خلال العام المقبل". وأضاف التقرير أن" الاقتصاد العالمي لا يزال يعاني من الضعف بسبب الحرب من خلال الاضطرابات الكبيرة في التجارة وصدمات أسعار الغذاء والوقود، وكلها عوامل تسهم في ارتفاع معدلات التضخم ومايليها من تشديد في أوضاع التمويل العالمية".

حول التشديد في أوضاع التمويل العالمية، وهو بيت القصيد، يمكن فهم هذه المصطلحات الاقتصادية بما ترجم عملياً على الأرض في الأشهر الأخيرة، ويتعلق باتساع الفجوة بين احتياجات التمويل في معظم وكالات الأمم المتحدة من جهة، وبين الأموال التي تتلقاها هذه الوكالات من الجهات المانحة، والتي تعرضت ميزانياتها بدورها إلى ضغوط شديدة أفضت إلى هذه التخفيضات الخطيرة في تمويل الأولويات الإنسانية وفي مقدمها مساعدات الصحة والغذاء التي تغطي احتياجات الملايين عبر العالم، والتي لم تصل حتى إلى نصف الرقم المطلوب الذي قدر في نهاية العام الفائت ب51.7 مليار دولار.

كما أعاد زلزال 6 فبراير الجاري الذي ضرب مناطق شاسعة في تركيا وسوريا أزمة انخفاض التمويل العالمي إلى واجهة الحدث وأبرز تداعياتها الفاقعة المتعلقة بمقياس الاستجابة الأممية لتلبية احتياجات متضرري الزلزال في سوريا بشكل خاص. والحديث هنا ليس عن مساعدات الإغاثة التي تم إرسالها بمبادرات فردية ومجتمعية محلية نبيلة ومن دول وجهات سورية وإقليمية وعربية ودولية، بل عن شبح الاحتياجات القادمة طويلة الأمد التي يصعب تقدير أرقامها الحقيقية قياساً بكارثية ماخلفه الزلزال بضربة واحدة من دمار يعادل حجم الدمار الذي حل بأوكرانيا خلال عام.

في الثالث عشر من فبراير الجاري، أطلق من سوريا المدير العام لمنظمة الصحة العالمية نداءً إنسانياً لجمع 43 مليون دولار لدعم جهود الاستجابة لمصابي الزلزال، وهو رقم أيضاً سيغطي احتياجات صحية آنية، لكنه لن يتمكن من سد الاحتياجات الصحية المتوقعة في الأشهر القادمة، وبخاصة مع تنامي المخاوف من احتمالية انتشار الأوبئة في المناطق المنكوبة بسبب تلوث العديد من مصادر المياه النظيفة المتاحة ودمار البنية التحتية والصرف الصحي، وفي مقدمها الكوليرا والأمراض الجلدية.

ثلاثة وأربعون مليون دولار يمكن أن تنقذ مئات الآلاف من الأرواح، وهو رقم يشكل نقطة متناهية في صغرها في ميزانيات الحروب، وثمناً لبضع صناديق من الأسلحة شديدة الفتك. كما أن مثل هذا الرقم، وكما يقول مثل شعبي دارج (من طرف الجيبة) لبعض المؤسسات الدولية الضخمة وبعض الزعماء الأثرياء. ولو كان هذا العالم بخير، لما اضطر مدير منظمة الصحة العالمية لإطلاق مناشدته للمطالبة بمثل هذا الرقم الهزيل، ولما شاهدنا مئات الأطفال من ضحايا الزلزال مازالوا يفترشون الأرض في العراء وأهاليهم يستجدون خيمة فقط.

ملايين المتضررين من الزلزال ليسوا وحدهم من يعاني اليوم وإن كانوا الأحدث في مشهدية الفواجع، بل تصطف إلى جانبهم سلاسل بشرية طويلة من المبتلين بنكبات مختلفة عبر العالم، كان يمكن التخفيف من وطأة وإذلال إحتياجاتهم نسبياً لو لم نشهد مثل هذا الانكماش الاقتصادي والضيق والعسر الذي يمر به العالم وتسبب في شح المساعدات الإنسانية. إذ بدت احتماليات تعافي العالم ممكنة نسبياً إلى ماقبل عام من اليوم لو لم تندلع حرب روسيا على أوكرانيا، والتي كلفت خلال عام واحد أموالاً يصعب تعدادها، كان يمكن أن تنفق على تحسين شروط العيش، وليس على صناديق الموت.

وللتذكير في السياق، كانت جميع الدول الأعضاء في الأمم المتحدة (روسيا ضمناً كعضو أصيل) قد اعتمدت عام 2015 أهداف التنمية المستدامة التي تعرف باسم الأهداف العالمية "باعتبارها دعوة عالمية للعمل على إنهاء الفقر وحماية الكوكب وضمان تمتع جميع الناس بالسلام والازدهار بحلول عام 2030". والتزمت هذه البلدان "بتسريع التقدم لأولئك الذين في الخلف بعد".

لكن نظرة سريعة إلى العالم خلال السنوات الثمانية الفائتة التي أعقبت هذه الدعوة الأممية "الطوباوية"، لا تؤكد ازدياد معدلات الفقر وتضرر الكوكب وعدم توفر السلام والازدهار لدى معظم شعوب الأرض فقط، بل تشمل في خيباتها أولئك الموعودين بالتقدم "الذين في الخلف"، والذين باتوا في الخلف الخلف أكثر، أو تحت أنقاض الوعود.

وحرب روسيا على أوكرانيا التي تنهي عامها المأساوي الأول وتدمر البشر والحجر بإرادة إنسانية، ومازالت تستنزف جميع اقتصادات العالم وستظل تستنزفها إلى وقت طويل، ليست سوى خراب مضاعف ومضاف يفاقم من خراب هذا العالم البائس الذي يبهت الرجاء في تعافيه من ابتلائه كل حين بأحد صنّاع الخراب.