صورة تعبيرية من الاحتفال بعيد استقلال الأردن في العاصمة عمان
صورة تعبيرية من الاحتفال بعيد استقلال الأردن في العاصمة عمان

شهد الأردن حراكا سياسيا في الأسابيع الماضية، فبعد تكهنات، وشائعات كثيرة عن مصير حكومة الرئيس، بشر الخصاونة، أخذ الضوء الأخضر من القصر الملكي بإجراء تعديل خامس على حكومته التي أمضت عامين في مقر الرئاسة على الدوار الرابع.

المتابعون للشؤون المحلية في عمّان يعتبرون أن الرئيس الخصاونة خاسر في خطوة التعديل بعد أن كان يُشاع أنه سيمضي في تشكيل جديد للحكومة يُطيل في عمرها، ويُكسبها قوة استثنائية، وربما يُعزز خطة العاهل الأردني الملك، عبد الله الثاني، بأن يعطي الحكومة الثقة لأربع سنوات، تتزامن مع عمر مجلس النواب، وهو ما عرف بمصطلح (فور باي فور)، والإشكالية التي ضعضعت هذا التصور استطلاع الرأي الذي أعلنه مركز الدراسات الاستراتيجية، ونبه إلى تراجع كبير في الثقة بالحكومة، ورئيسها.

على كل حال التعديل لم يكن جوهريا، فهو لم يقترب من الوزارات السيادية، وبعض التغييرات جاءت توطئة لتوجهات إصلاح القطاع العام، مثل إلغاء وزارة العمل، أو دمج وزارة التربية، والتعليم العالي، وتغيير الاسم.

ربما كان لافتا اختيار الوزير، ناصر الشريدة، ليصبح النائب الثالث لرئيس الوزراء للشؤون الاقتصادية، إضافة إلى أنه حظي بتسمية وزير تطوير القطاع العام، الذي يُفترض أن يكون على رأس أولويات الحكومة، بالتوازي مع الإصلاح السياسي، وتطبيق الرؤية الاقتصادية العابرة للحكومات، واللافت أيضا تعديل حقيبة الوزير، وجيه عزايزة، ليُسند له وزارة الشؤون السياسية والبرلمانية، بعد أن غادرها الوزير الأكثر إشغالا لها منذ سنوات موسى المعايطة، وأصبح رئيسا للهيئة المستقلة للانتخاب.

بعد التعديل الحكومي اتجهت البوصلة بقوة إلى مجلس النواب، وإلى انتخابات رئيسه باعتباره مؤشرا حيويا على رؤية الدولة في اتجاه المضي في حزمة الإصلاحات، وتحديث المنظومة السياسية، وتوجيه رسائل مباشرة تُشير إلى البدء بإجراءات عملية في سياق الحديث عن الأغلبية البرلمانية، ولكل ذلك جندت الدولة كل قوتها، وحشدت إلى فوز ساحق للنائب، احمد الصفدي برئاسة مجلس النواب، حيث حصد 104 أصوات، في حين لم يحصل منافسه سوى على 13 صوتا، وهو الذي غامر حتى لا يحسب أن الرئيس فاز بالتزكية، مما يخدش الصورة الديموقراطية. 

أكثر رسالة واضحة يمكن قراءتها بعد انتخابات رئاسة مجلس النواب هو قدرة الدولة العميقة على حسم الملفات دون التباس، ففي أول دورة من عمر البرلمان تداولت صالونات عمّان اسم الرئيس القادم قبل فترة من مباشرة الدورة البرلمانية، وبالفعل جاء عبد المنعم العودات رئيسا، وبعدها عُرف قبل الانتخابات أن النائب المخضرم، عبد الكريم الدغمي، مطلوب أن يقود المجلس لتمرير التعديلات الدستورية، وقانوني الانتخاب والأحزاب، وفي هذه الانتخابات كانت الحبكة الدرامية أقوى وأشد، فمن بيت النائب الدغمي جرى إعلان ترشح احمد الصفدي للرئاسة، وبدعم ومبايعة الدغمي له، والمرجح أن الدغمي ليس زاهدا في المنصب، ولكنها مقتضيات المرحلة، والجميع يُدرك لعبة توزيع الأدوار.
 
حسمت الدولة رئاسة المجلس، وتركت الصراع على موقعي النائب الأول والثاني يحتدم، وذات الأمر على موقع المساعدين، وهو ما يؤكد حقيقة أن الكتل هلامية، ولا توجد توجهات تصويتية، وحتى الكتلة التي يقودها الرئيس الصفدي، وهي المفترض أصبحت في سياق حزبي لم تعمل ماكينتها بعد انتخاب الصفدي.

لا شيء يعلو على صوت بناء الأحزاب السياسية، ويكاد هذا يصبح شعارا للحكومة، وتسمع في كل مكان الحراك السياسي، ومحاولات الاستقطاب للشخصيات العامة لينخرطوا في الأحزاب، وحتى خصوم العمل الحزبي قبل أشهر أصبحوا ينظّرون لها.

يرسل لك وزراء، ونواب سابقون دعوات للانضمام لحزبهم، وتُجاهر شخصيات معروفة أنهم استطاعوا حتى اللحظة ضم عدد كبير من النواب، والأعيان، والباشاوات، وهو لقب وصفة تُطلق على من شغلوا مواقع قيادية في الجيش، والأجهزة الأمنية.

ويروج كذلك بين النخب أن هذا الحزب يحظى برعاية الدولة، وذاك هو البديل المقبل لأحزاب الإسلام السياسي، وهذا وريث اليسار القديم.

ما هو واضح أن تجليات هذه التظاهرة الحزبية لم تصل ارتداداتها تحت قبة البرلمان بشكل جليّ، فحتى اللحظة لم تعلن كتل حزبية -إذا ما استثنينا كتلة الإصلاح ذراع حزب جبهة العمل الإسلامي-، ويحدثني صديق صحفي متخصص في الشؤون البرلمانية أن الكتل ستبقى مثل الكثبان الرملية المتحركة، ولولا "الدخان الأبيض" الذي ظهر جليا في انتخابات الرئاسة لما فاز الصفدي بشكل كاسح، وهنا يلمح إلى أن كتلته ليس لها القول الفصل في فوزه.

أدرت قبل أيام مناظرة سياسية تحت عنوان "مستقبل العمل الحزبي في الأردن" نظمها مركز حماية وحرية والصحفيين، وشارك بها أبرز الأحزاب التي يتوقع أن تكون عنوانا للمرحلة المقبلة.

أول الأسماء التي تُثير الجدل حزب الميثاق الوطني، وأول انتصاراته فوز الصفدي برئاسة مجلس النواب، وثاني الأسماء حزب الائتلاف الوطني، وهو يجمع حزبي الوسط الإسلامي، وزمزم، وأكثرهم خرجوا من رحم جماعة الإخوان المسلمين، أو على ضفافها، وهم يقدمون أنفسهم باعتبارهم العنوان الجديد للإسلام السياسي، والأكثر مقبولية، وقد استطاعوا أن يلعبوا دورا في إضعاف حزب جبهة العمل الإسلامي، وثالث الأحزاب المشاركة في الحوار كان الحزب الديمقراطي الاجتماعي، وما يعتبر نفسه يسار الوسط، ويعتقد أنه قادر على توحيد جبهة اليسار، والديمقراطيين خلفه.

أخر الأحزاب المشاركة في المناظرة، والأكثر حضورا على الساحة حزب جبهة العمل الإسلامي ذراع جماعة الإخوان المسلمين، وهؤلاء يرون أنه لولا التضييق عليهم، ومحاربتهم لحصدوا حصة مؤثرة في مقاعد البرلمان، وفي كل الهيئات التمثيلية.

أكثر من سؤال أثار في المناظرة جدلا، وكان أولها توفر الإرادة السياسية الناجزة لاستقلال العمل الحزبي، والبوصلة لولا هنات هنا وهناك، فان هناك اقرار بأن الملك رأس الدولة يدعم هذا المشروع السياسي للإصلاح، وإن كانت هناك مشكلة، وكما يقول القيادي في الائتلاف الوطني، مصطفى عماوي، فهي في التطبيق، أو كما يدعو مراد العضايلة أمين عام حزب جبهة العمل الإسلامي للالتزام بتوجيهات الملك.

ما يُحير المراقبين للشأن السياسي في الأردن كيف يجري الحديث عن دعم العمل الحزبي، والسلطة تضيق ذرعا بحرية التعبير، والتجمع السلمي، ويعيدون إلى الأذهان كيف جرى اعتقال بعض طلبة الجامعة الأردنية حين خرجوا للاحتجاج على اتفاقية الماء مقابل الكهرباء مع إسرائيل، وهنا يُعلن الوزير السابق، وأبرز الأسماء في حزب الميثاق الوطني، محمد المومني، أن أي اعتقال متعلق بحرية التعبير مرفوض، منوها إلى ضرورة التفريق بين حرية التعبير، والتجاوز على القانون والدستور.

الكلام المتزايد عن رعاية الدولة لحزب الميثاق الوطني دفع المومني ليعلن بكل صراحة أن هذا شرف لا ندعيه، ولسنا حزب الدولة، فالدولة أكبر من الجميع.

لا يهتم الشارع حتى الآن بكل الضجيج الذي يُثار عن العمل الحزبي، ويبدو وكأن المشهد محصور بين النخب، والشخصيات العامة التي ترى أن هذا هو الطريق الإجباري الجديد للوصول للسلطة والحكومة، والمتشائمون يعتقدون أن كل هذا زوبعة في فنجان لإلهاء الناس، فكثيرة هي المشاريع، والمبادرات التي طُرحت للإصلاح السياسي ثم طويت، وأكثر من ذلك يرون الأحزاب التي تتناسل فقاعات صابونية ستنتهي بمجرد رفع الرعاية عنها، وأن صلتها منقطعة مع الشارع.

قبل تعديل قانون الأحزاب كان هناك 56 حزبا مرخصا لم يسمع الناس بأكثرها، واليوم عُهد للهيئة المستقلة للانتخاب بمتابعة شؤونها وتسجيلها، وترخيصها، وحتى الآن فإن عجلة البناء الحزبي بصورتها الجديدة في بواكيرها.

مهما كانت مرارة التجربة في الإصلاح السياسي، فإنني أنحاز لتجربة البناء الحزبي، فهي باعتقادي مهما واجهت من عثرات، وصعوبات أفضل من الآليات القديمة في صناعة السلطة، والتوزير، والتناوب في قيادة المواقع العامة في البلاد.

تستحق التجربة المحاولة، وتقديم تضحيات، فالتدثر في الحزب للولوج للسلطة تعبير حداثي ينسجم مع أدبيات الدولة الديمقراطية، وأكثر انسجاما من التناوب على السلطة بالاستناد لتوازنات جهوية وجغرافية، أو علاقات مصالح وصداقة.

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.