رئيس الجمهورية السابق ميشال عون يعتبر أن الغاز إنجازه
رئيس الجمهورية السابق ميشال عون يعتبر أن الغاز إنجازه

الثمن الذي تطلبه قوى نظام الفساد اللبناني من جماعاتها لقاء حقل الغاز على الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل مرهق فعلاً، ويحتاج لكي نسدده لهم إلى طاقة نفسية هائلة تعيننا على ما يطلبونه.

لولا حزب الله لما تمكنا من الوصول إلى الغاز! علماً أننا لم نصل إلى الغاز حتى الآن، لكن هذا تفصيل غير مهم، والأهم منه أن نستيقظ كل صباح شاكرين الله على نعمة وجود الحزب وسلاحه ومرشده في بلادنا، فالمسيرات التي أرسلها السيد حسن هي التي "لوت ذراع العدو"، أما خراب البلد جراء وجود حزب مسلح فيه، فهذا تفصيل آخر يجب أن لا يعيق مسار الامتنان، والتفصيل الثالث الذي يجب إهماله على هذا الصعيد، فهو التنازل "الطفيف" لإسرائيل في لبنان لقاء تنازل لإيران في العراق. أما حقيقة أن هذا التفصيل هو جوهر الصفقة، فهذا مجرد هراء يستحضره حاسدوا الحزب على سلاحه!

من جهته، رئيس الجمهورية السابق ميشال عون يعتبر أن الغاز إنجازه، لا بل أن الخطاب العوني الذي رافق إبرام الصفقة، اعتبر أن عون هو من أوجد الغاز، لا من أتاح اكتشافه! فلولا ميشال عون ما كان الغاز ليولد من بطن البحر! ولولا ميشال عون لما شعرت تل أبيب بالحاجة إلى التنازل. ومرة أخرى، الغاز لم يكتشف بعد، لكن الرئيس يريد ثمنه سلفاً، ويجب علينا أن نؤمن بأن الحقل ليس حقيقة طبيعية انما هو هبة من الرئيس القوي.

رئيس مجلس النواب نبيه بري "هو أول من وضع نصب عينيه هذه الثروة"، والأخيرة لم تسقط علينا من السماء، وما كنا لننعم بها لولا نعمة وجود نبيه بري منذ أكثر من ثلاثين سنة على مقعد رئيس البرلمان. لا أحد يمكن أن يتخيل لبنان بلداً نفطيا من دون "قمر البرلمان". والدليل على نجاعة الدور وعلى استراتيجيته، شهادة حزب الله به! فالحزب اعترف لحليفيه (التيار العوني وحركة أمل)، اللذين تفصل بينهما خصومة مريرة، بدوريهما، وطلب من اللبنانيين أن يسددوا لهما أثماناً موازية للثمن الذي سيدفعونه له.

هذا الهراء هو السياسة في لبنان هذه الأيام. هو الصورة المجسدة للإفلاس، ولا نقصد هنا إفلاس الدولة ومؤسساتها، انما هو إفلاس أخلاقي يفوق في نتائجه الإفلاس المالي. وهو إفلاس تُستحضر فيه أتفه أنواع الخطب والمقولات، ويُهان فيه ذكاءنا وتداس فيه الكرامات. النظام الذي سرق مدخرات ثلاثة أجيال، وصل الجشع بقواه إلى مستوى جديد. فعلينا أن نشكر حزب الله الذي يحمي سلاحه الفاسدين، وعلينا أن نحمد الله على نعمة ميشال عون الذي شهدنا في عهده أسوأ أيامنا، وعلينا ان لا ننسى نبيه بري صاحب أكبر سجل في المحاصصة.

هو الإفلاس فعلاً، وهو الخواء وانعدام أي رادع أخلاقي يحول دون التسويق لكذبة على هذا القدر من الوضوح.

فقبل نهاية عهده بأيام، قرر الرئيس اللبناني ميشال عون أن "يبيع" للمسيحيين خرافة أخيرة. إنها قرار "الإعادة الطوعية للاجئين السوريين"، وساعده في تسويق هذه الفكرة المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم. الخطوة بالإضافة إلى أنها غير انسانية، تنطوي على قدر من عدم الواقعية، ذاك أن إعادة أكثر من مليون لاجئ تحتاج إلى خطة وإلى موازنة غير متوفرة، ناهيك عن أن النظام السوري نفسه لم يبد حماسة للفكرة، وهي لا تنسجم مع خطته التي باشر تنفيذها والمتمثلة بالتغيير الديموغرافي في دمشق وريفها.

توجهت الباصات إلى عرسال، وتولت نقل عشرات قليلة من العائلات السورية، إلى خارج الحدود اللبنانية. عادت الباصات وغادر الرئيس القصر وانتهت الفكرة عند هذه الخطوة! خطة إعادة أكثر من مليون لاجئ سوري إلى بلادهم انتهت عند مشهد الباصات تنقل بضع عشرات من العائلات. نعم استنفدت الخطة وظيفتها عند هذا المشهد. العونيون احتفلوا بـ"إنجازهم"، ومدير عام الأمن العام حقق خطوة تساعده في تعزيز مستقبله السياسي، ولم يتغير شيء آخر باستثناء الاحتمالات القاتمة التي انتظرت العائلات المرحلة إلى سوريا!

الشأن العام في جمهورية حزب الله اللبنانية هي هذا الهراء وهذا التهريج. فنحن في دولة ديموقراطية، والدليل أن مجلس النواب ينعقد كل أسبوع لانتخاب رئيس. صحيح أنه لا ينجح في بلوغ "هدفه"، لكن آلية الانتخاب تشتغل. المجلس ليس معطلاً، وهو ينتظر الصفقة ليزف للبنانيين خبر الرئيس. الثمن المطلوب ستتقاضاه طهران، لكن ليس من خارج عمل المؤسسات. أليس هذا ما خبرناه في الصفقة التي سبقت! 

كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.
كرماشيفا محتجزة في روسيا منذ شهر أكتوبر الماضي.

على بعد نحو ساعة بالسيارة عن مدينة دريسدن تقع باوتسن، التي كانت تعد موطنا لمرفق سيئ السمعة في القرن الماضي، ألا وهو سجن معروف باسم المدينة نفسها. 

من عام 1933 إلى 1945، استخدم النازيون سجن "باوتسن" مقرا "للحجز الوقائي" قبل نقل المحتجزين إلى معسكرات الاعتقال. 

وفي الحقبة الممتدة من 1945 إلى 1949، احتجزت سلطات الاتحاد السوفياتي السابق المنشقين في زنزانات مكتظة مع القليل من الطعام والماء، وانتزعت منهم الاعترافات تحت التعذيب. 

وبعد عام 1949، استخدم عناصر "ستاسي"، وهو جهاز أمن الدولة في ألمانيا الشرقية سابقا، الذين دربهم جهاز الاستخبارات السوفياتية  "كي.جي.بي"، الأسلوب عينه إزاء حوالي ألفي معتقل سياسي في "باوتسن". 

هذا هو عالم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في عصرنا الحالي، هو الذي كان عضوا في في جهاز الاستخبارات السوفييتية، حين انضم للجهاز عندما كان في الثالثة والعشرين من عمره، وقضى عدة سنوات في دريسدن.

ومنذ أيامه الأولى، وباعترافه الشخصي، كان بوتين يحلم بالعنف والسيطرة. 

واليوم تواجه، آلسو كرماشيفا، الصحفية الروسية-الأميركية التي تعمل لحساب إذاعة أوروبا الحرة الممولة من الكونغرس الأميركي، نفس المصير الذي واجه أصحاب القلم والفكر الحر في القرن الماضي خلال حقبة الاتحاد السوفياتي.

فمنذ شهر أكتوبر الماضي، تقبع كرماشيفا في زنزانة باردة وسيئة الإضاءة ومكتظة في مدينة قازان الروسية، التي تبعد نحو 800 كيلومترا شرقي موسكو. 

وتعرضت كرماشيفا للضغط من أجل انتزاع الاعترافات منها، وهو نهج كان مترسخا عند الـ"كي.جي.بي" الذي يعتبر الفكر المستقل تهديدا، والصحافة الحرة جريمة. 

سافرت كرماشيفا، وهي أم لطفلتين، الصيف الماضي إلى قازان من مسقط رأسها في براغ، لزيارة والدتها المسنة واعتقدت أنها ستكون في مأمن. 

في الثاني من يونيو الماضي، وعندما كانت في مطار قازان، استعدادا لرحلة العودة، جرى استدعاء كرماشيفا قبل خمس عشرة دقيقة من صعودها إلى الطائرة.  

اعتقلتها السلطات الروسية واتهمتها بعدم تسجيلها جواز سفرها الأميركي في روسيا، لتتم إعادتها إلى منزل والدتها وحكم عليها بغرامة تقدر بـ100 دولار تقريبا. 

وفي سبتمبر الماضي، اتهمت السلطات الروسية كرماشيفا بعدم التصريح عن نفسها بصفتها "عميلة لجهة أجنبية".  

وفي 18 أكتوبر، اقتحمت مجموعة من الملثمين المنزل واعتقلت كرماشيفا، وجرى تقييدها ومن ثم نقلها لمحتجز للاستجواب.  

وتعد النيابة العامة الروسية قضية ضدها بحجة نشرها معلومات كاذبة عن الجيش الروسي، وهو أمر ليس صحيحا. 

فخلال فترة عملها في إذاعة أوروبا الحرة محررة باللغة التتارية، دأبت كرماشيفا على إعداد تقارير عن اللغة والعرق والمجتمع المدني وحقوق الأقليات. 

وتتحدر كرماشيفا، وهي مسلمة، من قازان عاصمة جمهورية تتارستان المنضوية ضمن الاتحاد الروسي وتضم حوالي 50 في المئة من التتار ذوي الأصول التركية. 

ويسعى بوتين إلى جمع رهائن أميركيين لمبادلهم مع معتقلين روس. فخلال السنوات الماضية، اعتقلت روسيا نجمة كرة السلة الأميركية، بريتني غرينر، قبل أن يتم إطلاق سراحها مقابل إطلاق واشنطن تاجر الأسلحة الروسي، فيكتور بوت، في ديسمبر 2022. 

ولا تزال أسهم بوتين في التفاوض تشمل كرماشيفا ومراسل صحيفة وول ستريت جورنال، إيفان غيرشكوفيتش، وجندي البحرية السابق، بول ويلان.  

ولتخفيف العزلة وتمهيد الطريق للعودة إلى الوطن، لدى إيفان وبول عاملين، لا تزال كرماشيفا تكافح من أجل الحصول عليهما، أولا الحصول على الخدمات القنصلية، وثانيا اعتراف من وزارة الخارجية الأميركية بأنها  "محتجزة بشكل غير مشروع"، وهو ما سيزيد من فرص إطلاق سراحها في عملية لتبادل المعتقلين. 

ماذا يريد بوتين؟ 

إذا كان الأمر يتعلق بصفقات التبادل، فمن الواضح أن الكرملين يريد، فاديم كراسيكوف، الذي يقبع في أحد السجون الألمانية. 

كراسيكوف، الذي عمل سابقا لدى جهاز الأمن الفيدرالي الروسي، هو قاتل مأجور أقدم على اغتيال معارض شيشاني وسط برلين في أغسطس 2019، بإطلاق رصاصتين على رأسه من مسدس مزود بكاتم للصوت. 

لن يكن الأمر سهلا على الإطلاق، ولكن في الماضي كان من الممكن أن تكون الأمور أكثر وضوحا في بعض الأحيان. فعلى سبيل المثال، أراد الشيوعيون في ألمانيا الشرقية الحصول على أموال من الألمان الغربيين.  

وبحلول أواخر حقبة الشيوعية في الثمانينيات، كان نحو 85 ألف مارك ألماني غربي (حوالي 47 ألف دولار) هو ثمن شراء سجين واحد من ألمانيا الشرقية.  

زرت سجن باوتسن قبل وباء كورونا، حيث تحول اليوم إلى متحف ونصب تذكاري. 

وعندما رأيت زنزانة كانت تحتجز فيها شابة من سكان برلين الغربية دأبت على تهريب منشورات سياسية عبر الحدود لمساعدة الناشطين في ألمانيا الشرقية، أصيب بالذعر. 

وأثارت قصة، هايكه فاتيركوت، هلعي، فقد تم اعتقال الشابة البالغة من العمر عشرين عاما في ديسمبر 1976، وبعد ثمانية أشهر من الاعتقال، حُكم عليها بالسجن لمدة أربع سنوات وعشرة أشهر في باوتسن بتهمة التحريض ضد الدولة. 

كانت تلك كانت ثقافة الـ"كي.جي.بي" في ذلك الوقت. ويتعين علينا أن نعمل بجد أكبر لإنقاذ الأبرياء، وبالتأكيد المواطنين الأميركيين مثل كرماشيفا، من دولة الـ"كي.جي.بي" اليوم. 

#هذا المقال كتبه الرئيس التنفيذي المكلف بشكل مؤقت لـ"شبكة الشرق الأوسط للإرسال" (MBN) عضو المجلس الاستشاري للبث الدولي،  الرئيس السابق لإذاعة أوروبا الحرة، جيفري غدمن، في 23 يناير الماضي بمناسبة مرور 100 يوم على احتجاز روسيا لصحافية أميركية-روسية، قارن فيه بين ما جرى في تلك الفترة والتكتيكات التي باتت موسكو تتبعها في عهد بوتين.