تساؤلات عن أسباب إنحسار شبكات التواصل الاجتماعي. أرشيفية - تعبيرية
تساؤلات عن أسباب إنحسار شبكات التواصل الاجتماعي. أرشيفية - تعبيرية

تكبد مارك زوكربيرغ مؤسس "فيسبوك" خسائر بأكثر من 100 مليار دولار من ثروته في خلال 13 شهرا فقط. وكان ذلك بدرجة كبيرة بسبب التراجعات القوية التي تضرب شركة "ميتا بلاتفورمز" منذ الإعلان عن تكنولوجيا "ميتافيرس" والكشف عن أرباح مخيبة للعديد من الآمال.

وبحسب تقرير لوكالة بلومبرغ الاقتصادية، بلغ صافي ثروة زوكربيرغ نحو 38 مليار دولار، وفقا لمؤشر بلومبرغ للمليارديرات، منخفضة بقوة من ذروتها البالغة 142 مليار دولار في سبتمبر من العام الماضي. وخسر مارك زوكربيرغ أكثر من سبعين مليار دولار من ثروته منذ الإعلان عن "ميتافيرس.

وأعلنت شركة "ميتا" مؤخراً نتائج أعمالها عن الربع الثالث من العام الحالي، والتي أظهرت تراجع صافي الربح بأكثر من 50 بالمئة على أساس سنوي، مع هبوط الإيرادات بنسبة تصل إلى 4.5 بالمئة للربع الثاني على التوالي.

والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو ما هي الأسباب المحتملة وراء هذا الانحسار خاصة بعد أن ظهرت أهمية شبكات التواصل الإجتماعي ومنها فيسبوك وتويتر عقب جائحة كورونا وجلوس الناس في المنازل لمدة طويلة واستخدامهم المتزايد للإنترنت بصورة عامة ولشبكات التواصل الإجتماعى بصورة خاصة.

وهناك العديد من الأسباب التي قد تكون ساهمت أو تسببت في هذا الانحسار الذي حدث لكبرى شركات التواصل الاجتماعي وهي فيسبوك.

ومن هذه الأسباب مايلي:

اولا: ظهرت قوة فيسبوك بوضوح بعد جائحة كورونا كما ذكرنا. وتبين لكثيرين أن فيسبوك ليس فقط شركة ناجحة اقتصاديا ولكن لديها قدرة على الهيمنة الفكرية على المجتمعات من خلال السيطرة على ما يتم نشره سواء سواء بالإيقاف أو بدعم انتشاره. وتسبب هذا في ظهور منافسين جدد في غاية القوة ومنها على سبيل المثال لا الحصر مؤسسة "رامبل" الأميركية والتي تنافس  فيسبوك بشدة داخل الولايات المتحدة الأميركية.

وقد استطاعت شركة "رامبل" وغيرها من المنافسين الجدد لشبكات التواصل الاجتماعي التقليدية تحويل غضب كثيرين من أنصار الرئيس السابق دونالد ترامب - بسبب منعه من نشر ما يريد على شبكات التواصل الاجتماعي الرئيسية – إلى زيادة في أعداد المشتركين فيها. وهم يطمحون في جذب أنصار ترامب وهم عشرات الملايين إلى منصتهم.

ومما زاد الأمر تعقيداً انضمام كثيرين ممن يرفضون أخذ لقاح كورونا وهم أيضاً - عشرات الملايين - إلى مجموعات رفض فيسبوك والانضمام إلى شبكات تواصل جديدة تضمن لهم كما يرون "المزيد من حرية الرأي والتعبير" والتي كفلها الدستور الأميركي لهم.

ولم تنجو مؤسسة تويتر أيضاً من هذا الانحسار ولنفس الأسباب ويكفي ما صرح به "إيلون ماسك" رئيس ومالك مؤسسة تويتر والرئيس التنفيذي للشركة بأن الشركة تخسر 4 ملايين دولار يومياً  وأنه مستعد لتجربة أي شيء قد يساعد المنصة في التحول للربحية.

ونذكر في هذا السياق أن تويتر كانت شبكة التواصل الرئيسية لترامب مع مؤيدييه ولذا فإن عزوف ملايين من مؤيدي الإتجاه المحافظ عنها واستخدامهم لشركات أخرى بديلة كان له تأثير سلبي كبير عليها من حيث العوائد والإعلانات وأعداد المتابعين. 

فمن الصعب على العديد من مستخدمي تويتر نسيان كيف تم منع العالم "روبرت ميلون" مخترع تكنولوجي لقاح  "الآر أن أيه" من المنصة وحرمانه من التواصل مع معظم  متابعيه لأنه اعترض على إعطاء لقاح كورونا للأصحاء أقل من سن الستين حتى يتم دراسة الآثار بعيدة المدى للقاح.

وكان ذلك من أحد الأسباب التي دفعت كثيرين لترك منصة تويتر واتباع منصات أخرى.

ويبدوا أن ماحدث لموضوع شبكات التواصل له تأثيرات بعيدة المدى فقد رأينا كيف رفض ترامب عرض تويتر بالرجوع إليها مرة أخرى بعد أن بدأ هو ومن معه عمل منصة خاصة به (تروث سوشيال". فبالنسبة لكثير من المشاهير أصبح ترك كل السيطرة على شهرتهم وقوة تأثيرهم ونفوذهم في يد آخرين هو مخاطرة لا يمكن تكرارها مرة أخرى.

وللحديث بقية! 

متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة
متظاهرون لبنانيون يتهمون رياض سلامة حاكم مصرف لبنان بالسرقة

ثمة تبادلاً رهيباً للحمايات والحصانات تمارسها الطبقتان السياسية والمصرفية في لبنان، تصدر الأولى قرارات تتولى منع مقاضاة مصرفيين، فيما تسوق الثانية لـ"نجاح السلطة" في إدارة الكارثة التي لحقت باللبنانيين جراء فساد الطبقتين، وتغولهما على الأموال العامة والخاصة.

شهدنا في هذا الأسبوع نموذجاً صارخاً ووقحاً عن هذه المعادلة، طرفاها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ورئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي. قال الأول في مقابلة تلفزيونية إن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في العام 2022 بلغ 4 في المئة! لا تكفي حيال هذا القول علامة تعجب واحدة لدرء الذهول.

لبنان البلد المفلس والذي فقدت العملة فيه أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وأقدمت المصارف فيه على السطو على مدخرات المودعين عبر "كابيتال كونترول" غير قانوني، والناس على حدود الجوع والوضع الصحي مهدد بالأوبئة، هذا البلد حقق بحسب رياض سلامة نمواً اقتصادياً. إنها هدية رياض سلامة لنجيب ميقاتي، ذاك أن النمو الرهيب والغريب الذي أشار إليه الحاكم هو إنجاز ميقاتي، ولطالما باع الحاكم اللبنانيين الأوهام، ولعل ذروتها حين أبلغهم قبل الانهيار بأيام أن "الليرة بخير".

لكن سرعان ما كافأ ميقاتي الحاكم، وعمم الفائدة على كل المصارف، فأصدر مذكرة يطلب فيها عدم تنفيذ القوى الأمنية أي قرار يصدر عن مدعي عام جبل لبنان القاضية غادة عون، التي تتولى ملاحقة عدد من المصارف بتهم تبييض أموال، وهي سبق أن ادعت على سلامة وعلى شقيقه بتهم فساد.

لبنان بلد يطلب فيه رئيس الحكومة التمنع عن مؤازرة القوى الأمنية للقضاء! فيما لا يخجل حاكم المصرف المركزي من أن يبلغ اللبنانيين أن اقتصادهم حقق نمواً في وقت يعيشون فيه على شفير مجاعة. 

والحال أننا لم نعد حيال ما توقعه الفضيحة في نفوس من يعايشونها، ذاك أننا نواصل منذ سنوات استقبال الفضائح وهضمها، ثم استدخالها بوصفها شأناً طبيعياً علينا التعايش معه على رغم استحالة تصديقه. 

حزب الله يمنع إجراء التحقيق بانفجار مرفأ بيروت. هذا ما لا يحتاج إلى تقص لإثباته. لقد توجه مسؤول كبير فيه إلى قصر العدل وقال للقاضي أنه "سيقبعه من منصبه". جرى ذلك أمام أعيننا، ولم ينفه أحد. 
إذاً هذه واقعة مثبتة، ولا يبنى عليها سوى أن علينا التعايش معها، وهي تشبه ما قاله الحاكم لجهة أن لبنان حقق نمواً اقتصادياً في عام المجاعة والإفلاس. نحن نعرف أن اقتصادنا لم يحقق نمواً وأن الحاكم لا يقول الحقيقة، لكن كيف يمكننا أن نصرف معرفتنا؟

وفي سياق هذا العجز عن صد الكذب، وعن طلب احترام الذكاء، تحول الشأن العام بأسره إلى عالم من الأكاذيب الركيكة التي لا تسعى لنيل تصديقنا، بل لنيل قبولنا بها بوصفها أكاذيب مرغمين على التعايش معها. "القاضي طارق البيطار عميل للسفارات"! أن نسأل عن دليلهم، فهذا تطاول على السيد حسن نصرالله، وطلب مقاضاة وليد جنبلاط الذي اعترف بإقدامه على تحويلات إلى الخارج، يرقى إلى حدود الكفر والفجور، فهل يعقل أن نحاسبه على فعلة اعترف بها؟

لا يعقل أن نواصل العيش في هذه المتاهة، لكن لا يبدو أن ثمة أفق للخروج منها، فمصدر الاستعصاء تكويني، والشر يتحصن ببنية صلبة تضرب جذورها في كل شيء في لبنان. من هنا يشعر رجل كرياض سلامة أن بإمكانه أن يقول ما قاله، مدركاً أن أحداً لن يصدقه، وأن يصفعنا نجيب ميقاتي بقرار يطلب فيه من القوى الأمنية عدم مؤازرة القضاء، وأن يقول حسن نصرالله أن طارق البيطار عميل للسفارات، وأن يحذرنا من مغبة الشك بما قاله.

على هذا النحو بنت دولتا البعث في سوريا والعراق سلطتاها، فليس المطلوب أن نصدق، إنما المطلوب أن نقبل، وليس أمامنا والحال هذه إلا أن نستعين بالسخرية لتصريف مأساتنا. لكن في مرحلة أخرى قد تتحول السخرية إلى سلاح مهدد، وعندها سنمنع من ممارستها.