إعلان الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب ترشحه لمرة ثانية إلى الرئاسة هذا الأسبوع في توقيت أثار علامات استفهام، إنما هو محاولة من رجل الأعمال للهروب من فضائح قانونية واحتمال إدانته من قبل وزارة العدل وفي الوقت نفسه هو يطمس الحزب الجمهوري.
ترامب الذي خسر انتخابات 2020 بأكثر من 7 ملايين صوتا وولايات من نيو هامبشير شمالا إلى أريزونا غربا يظن أنه عبقري زمانه وأنه قادر على بيع الأميركيين سلعة فاسدة وحاولت البطش بعقر الديمقراطية الأميركية بتوجيه من الرئيس السابق.
لم ينتبه ترامب إلى نتائج الانتخابات النصفية والتي أحدقت بالحزب الجمهوري خسارات غير متوقعة جزئيا بسبب أداء الرئيس السابق. لا بل هو تحول إلى الوزة التي تبيض ذهبا بالنسبة لمنافسيه الديمقراطيين والرئيس جو بايدن الذي حصد أرقاما لحزبه في الكونغرس غير مسبوقة لرئيس في الحكم منذ أيام فرانكلين روزفلت في أربعينات القرن الماضي.
ترامب الرجل العملاق بنظر الكثيرين في السنوات الأخيرة هو اليوم تاجر كلام غير قادر على حسم دعوى قضائية ضد مسؤولة من الرتبة الرابعة في نيويورك. مرشحيه في انتخابات مجلس الشيوخ خسروا واحدا تلو الآخر وبرهنوا أن ترامب اليوم هو نمر ورق وليس أكثر من ذلك.
إعلان الترشح بعد خسارات الكونغرس سلبت ترامب الزخم والحماسة الانتخابية التي رافقت إعلانه في 2016، إنما هذا لم يكن الهدف أصلا أو لكان انتظر ترامب. فلماذا العجلة ولم يترشح أي جمهوري بعد؟ لا بل فإن بايدن نفسه لم يحسم قرار الترشح في 2024. من هنا فإن الجواب الأكثر منطقية هو أن ترامب يريد تسييس التحقيق الذي تجريه وزارة العدل والذي يطال الاستيلاء على وثائق سرية بعد خروجه من البيت الأبيض.
الإعلان وتحوله إلى مرشح رئاسي يعني أن وزارة العدل تتدخل في الانتخابات في حال لاحقت وأدانت ترامب، ويزيد من الضغط السياسي على القضاء الأميركي. وهذا وحده يبرر الإعلان ولو أن حظوظ ترامب هذه المرة هي أضعف مع بروز نجوم لليمين مثل حكام فلوريدا وفيرجينيا وماريلاند رون دي سنتس وغلين يونغكين ولاري هوغين أو نائب الرئيس السابق مايك بنس. إنما حتى لو لم يفز فإن ترامب قادر على تخريب الانتخابات الجمهورية.
قوة ترامب الأكبر هي إشاعة الفوضى وهو في حال حاز على 30 في المئة من الأصوات في الانتخابات التمهيدية وخسر مثلا أمام ديسانتس، فقد يرفض الاقرار بالهزيمة، أو يخوض المعركة كمرشح ثالث في الانتخابات العامة وهو ما سيكفل خسارة الجمهوريين.
ترشح ترامب هو أيضا عرس لبايدن الذي يفضل مواجهته بدل ديسانتس أو يونغكين أو هوغين في 2024، وهو يعزز حالة الانقسام في الحزب الجمهوري بين معسكر اليمين المتشدد وهؤلاء الأكثر اعتدالا.
أما بالنسبة للشرق الأوسط وحيث هناك أصدقاء كثر لترامب فالأفضل عدم التعويل عليه. ترامب داخل أميركا هو ليس كما خارجها، وصورته تحيطها تغذية التطرف الأميركي، كره الأقليات واقتحام الكونغرس بعد الخسارة. هذه الشعبوية قد تحصد دعما حجمه 30 في المئة لترامب إنما هي غير كافية للفوز.
وقيادات الشرق الأوسط قبل غيرها تستفيد من نهوض المعتدلين في الحزب الجمهوري، حزب جورج بوش الأب ورونالد ريغان وريتشارد نيكسون الذين بنوا جسورا مع المنطقة. أما الرهان على التطرف والشعبوية الترابية فهو رهان خاسر، حتى لو فاز ترامب.